الأثنين 15 ذو القعدة 1441ﻫ 6-7-2020م
الرئيسية | المرأة و الأسرة | ملحق الفاضلة | قراءة في كتاب”لا بطعم الفلامنكو “

قراءة في كتاب”لا بطعم الفلامنكو “

أ. غنية حشايشي /

باللهجة المصرية الحلوة يقدم لنا الدكتور محمد طه خلاصة تجربته في العلاج النّفسي التي يعتمد فيها على زرع الوعي لدى كل عملائه فيوعيهم باحتياجاتهم الاصيلة ويدفعهم للمطالبة بها وإشباعها، إما ذاتيا وإما من خلال العلاقات البين شخصية موضحا أن منهجه الإرشادي والعلاجي لا يقوم على إعطاء الحلول مباشرة بل يقوم بدور المرشد والمبصر ويترك الشخص يختار لنفسه ما يناسبه فهو الأدرى بنفسه وبشعوره وبأفكاره وباحتياجاته أكثر حتى من المعالج في حد ذاته، كما أن في ذلك تدريب للفرد على تحمل مسؤولية نفسه في اتخاذ قراراته فمشكلة الكثيرين هي التعود على الاعتمادية وهذه الأخيرة تعرقل نمونهم ونضجهم.
لماذا هذا العنوان لا بطعم الفلامنكو؟؟ لان رسالة الكتاب هي تعليمنا أن نقول لا لكل ما ومن يؤذينا ويستغلنا ويسخر منا ويتجاوز حدوده معنا ولكلّ من يحملنا فوق طاقتنا ويجبرنا على لعب أدوار غير أدوارنا ولكل من يشعرنا بالذنب وأننا لا نستحق حتى وإن كان هذا الشخص أقرب الناس لنا وقد يكون نحن!!
و”لا” فيها أنواع فهناك لا التي مصدرها أنانيتك وتفكيرك فقط بنفسك فتقودك للخسارة والانعزال والاستغناء عن الأخر.
وهناك لا التي تفكر فيها بنفسك وغيرك فتقودك للاستقلالية وتحميك وتحمي حدودك دون ان تخسر الاخر خاصة اذا كان مهما بالنسبة اليك، لا التي تقولها لكل ما هو تقليدي ومألوف لا للأنماط المعتادة والمتكررة في التفكير وفي الحياة وهي لا التي قالها المبدعون والمخترعون فتمكنوا من الاتيان بجديد طور وارتقى بالبشرية.
هناك لا التي نقولها بقوة ونحن نضرب بأرجلنا كراقصي الفلامنكو الأسبان رفضا للظلم والتجاوز،”لا” صرخة مدوية في وجه كل من يعتبر اختلافنا عارا وعيبا فيبدأ بتشويه صورتنا ونبذنا والسخرية منا وعدم تقبلنا فنعلنها بكل شجاعة لنفرض وجودنا ونطالب بتلبية احتياجاتنا من التقبل والاحترام وهي لا التي كنا نقولها ونمارسها ونحن أطفالاذا احتجنا لشيء فنحن لا نكف عن المطالبة به بكل عناد ودون استسلام.
يحتوي الكتاب على 316 صفحة مقسمة إلى ثلاثة أبواب
في الباب الأول يوضح لنا الكاتب كيف تحدث تلك التعقيدات النفسية والصراعات التي تقلق راحتنا واطمئناننا وتشعرنا بعدم الرضا والانسجام مع واقعنا أو تشعرنا بالخوف من كل تقدم أو رغبة في الانطلاق وتحقيق أهدافنا فنبقى أحيانا في نقطة لا نتجاوزها أو تجعلنا نواجه صعوبات في بناء علاقات جيدة مع الاخر، يوضح لنا الكاتب قصتنا التي بدأت فصولها في زمن مبكر من طفولتنا حين كنا نعبر عن احتياجاتنا ورغباتنا فيصدمنا الكبار بأننا مخطئون في ذلك وبأنه ليست من حقنا وأن ذلك عيب وعار فنتنازل عن شخصيتنا الأصيلة الناصعة ونُجبر على ارتداء اقنعة وأثواب قاموا بتفصيلها على مقاسهم لا على مقاسنا، فضاع وجودنا الحقيقي وتبنينا نمطا غريبا عن نمطنا الأصيل الحقيقي فبدا وجودنا باهتا مصطنعا ولكي نسترجع دفة حياتنا وذاتنا من جديد لنبحر في رحلة حياتنا التي تشبهنا فعلا، علينا أن نكتشف من جديد احتياجاتنا ورغباتنا التي دفناها واستغنينا عنها وسجناها داخل قمقم علينا أن نعرف ما نريده فعليا في اعماقنا مستبعدين كل ما لا يخصنا وان نصرخ بشجاعة نحن هكذا ولسنا كما اردتمونا ان نكون.
الباب الثاني يوعينا الكاتب ببعض الألعاب التي قد نمارسها على الاخرين او يمارسها الاخرون علينا بمعرفتها وبفهمها واكتشافها نحمي أنفسنا منها ومن قوة أثرها علينا مثل لعبة الإسقاط وكما اسماها الكاتب”قلب الطرابيزة” ويقصد بها إسقاط صفاتنا المكروهة السيئة على الآخر فنتهمه بما يوجد فينا لا فيه.
وهناك لعبة الساخرون على الأرض وهم أناس لا عمل لهم الى السخرية من كل شيء ومن كل احد واشعار الاخر بالمرارة
الباب الثالث خريطة طريق إلى نفسك ستتعرف فيها على احتياجاتك ومخاوفك وتحددها بدقة وتعرف حقوقك ومن ثمة تتخذ القرارات التي تساعدك للوصول إليك إلى نسختك الأصلية وتخرجها من القمقم الذي دفنتها فيه وأغلقته ثم نسيت أن تخرجها منهلأنك لبست قناعا ونسخة أخرى مزيفة ومشوهة، نسختك التي تخليت عنها خوفا من العقاب ومن اللوم وإرضاء للأخر ستبدأ من الصفر وتمشي خطوة خطوة بداية من أنا موجود وصولا إلى قررت، وفي هذه الرحلة لا بد من وجود على الأقل شخص واحد يزرع بداخلك الثبات الداخلي من خلال علاقة طيبة تغير العالم في نظرنا وتتجذر في شرايينناوتربت على قلبنا علاقة ملؤها التقبل كيفما كنا والتقدير والاهتمام والحب غير المشروط لأنّ ذلك يساعدنا على التشافي فهذه العلاقة الطيبة مرهم يوضع على التصدعات والجروح وكبسولة نفسية ممتدة المفعول حتى وان غاب هذا الاخر جسديا فوجوده الداخلي يبقى نعود اليه كلما احتجنا إلى الثبات.
وفي طريقنا نحو التغيير وكأننا نقطع الصراط إلى جنة أنفسنا العامرة وعلى هذا الصراط وفي هذه الرحلة سنقطع محطات مهمة وفارقة وقد ندفع ثمنا في سبيل ذلك قد يكون بعد أو خصام صعوبة نفسية لكن كل ذلك يهون في سبيل استرجاع نفسنا فرحلة موفقة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

“بوح أنثى”/ نور الهدى_ح

نور الهدى_ح كم أتمنى مغادرة زاوية البيت المظلمة الباردة، مغادرة هذه القرية المنسية، أن أكون …