الأثنين 22 ذو القعدة 1441ﻫ 13-7-2020م
الرئيسية | في رحاب الشريعة | شــقـــاء الإنـــســـان فــي الحســد والاسـتـكـبــار والـطـغـيـان

شــقـــاء الإنـــســـان فــي الحســد والاسـتـكـبــار والـطـغـيـان

الشيخ محمد مكركب أبران /

هذه الثلاثة تكاد تجمع أسباب شقاء البشر، وهي الاستكبار والحسد والطغيان، أول من شقي بسبب الاستكبار هو إبليس، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (البقرة:34) وخلق كثير وقعوا في هذه الموبقات منهم فرعون وجنوده.قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ (القصص:39) وكثير من المشركين استكبروا وعتوا عتوا كبيرا، ورفضوا الجلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم بسبب فقراء المسلمين.فكان نتيجة ذلك التطاول والعجب والاستكبار ما وقعوا فيه من الذل والصغار، فاحذروا واعتبروا يا أولي الأبصار.يروى أن أبا جهل قال: (لقد تنافسنا الشرف نحن وبنو عبد مناف، أطعموا فأطعمنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا كنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذا؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه.) فانظروا نار الحسد عندما تتأجج في صدور الحاسدين، يتبعون الباطل وهم يعلمون أنهم على ظلال.
وبسبب الحسد حَرَمَ كثيرٌ من أهل الكتاب أنفسهم من الفوز بالسعادة، بسبب الحسد قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (البقرة:109) وهكذا منعهم الحسد من أن يؤمنوا بالنّبي -صلى الله عليه وسلم.
وبسبب التكبر والحسد والطغيان وقعت الحروب بين بني الإنسان وحصدت الملايين من الأنفس، وهدمت الآلاف من المدن والحضارات، ولا تزال الحروب الأهلية حتى في البلدان المسلمة إلى يومنا هذا (1441ه) لا يزال البشر يهلك بعضهم بعضا، وبعضهم مسلمون مع الأسف.
فما هو الاستكبار؟ هو الكبر والعجب والتعالي على الناس، بسبب أن المستكبر يرى نفسه أنه أشرف وأفضل وخير من المتكبر عليهم، والمستكبر لا يرى الحق والصواب إلا ما كان منه هو وفقط، أما إن دعا غيره للحق فلا يتبعه، ولو علم المستكبر أن ما يدعى إليه حق!! وهذه علة بعض الشعوب وبعض الطوائف في العالم عندما دُعُوا إلى الإسلام.
وما هو الحسد؟ الحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهو خلق قبيح وصفة مذمومة من صفات المنافقين.
وأما الطغيان: فهو تجاوز الحد في القول أو الفعل، ومن الطغيان: الظلم بكل أنواعه، ومن الطغيان: التطرف في السلوك، والتنطع في العبادة، والغلو في التدين، ومنه الطغيان الاستبدادي السياسي. ويبدأ الانحراف النفسي بالاستهزاء والسخرية والاحتقار ويتحول إلى حسد، ثم الاستكبار، ثم الطغيان.
أولا: خطر الحسد: قد يصل الحاسد إلى التفكير في قتل أخيه!! وفي قصص القرآن أمثال كثيرة منها ما وقع بين يوسف وإخوته، فما الذي دفعَ إخوةَ يوسفَ ليأخذوه بلا رحمة ولا شفقة ويلقوه في الجب، ولم يبالوا به فقد يموت، أو يفترسه حيوان، أو تقتله عصابة قطاع الطرق، لم يهمهم كل ذلك لأن الحسد ينبت الحقد في قلب صاحبه، بدون جريرة من المحسود، والحسد يحجب البصيرة عند تنفيذ ما تقرر النفسُ الحاسدة.فإخوة يوسف عليه السلام عندما قرروا فعلهم ذلك، كان ظنهم أنهم أفضل منه،.ولذلك قال يعقوب عليه السلام لولده: يا بنيّ، لا تقصص رأياك على إخوتك، فإنها تثير في نفوسهم الحسدَ ويكيدون لك كيداً عظيما، فالشيطان بالمرصاد للإنسان وهو عدوه على الدوام. فالعداوة قديمة بين أبناء آدم وإبليس ومنشؤها الحسد. قال الله تعالى:﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34)إن أول معصية في تاريخ العداوة بين بين الإنسان والشيطان وقعت هي الحسد، فجرت إلى الكبر والاستنكاف، فكانت النتيجة طرد الحاسد إبليس من رحمة الله، عندما حسد إبليسُ آدمَ عليه السلام على نعمة الله عليه بأن خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد الملائكة له تكريما، وأسكنه الجنة، فلما أُمِرَ إبليسُ بالسجود مع الملائكة لآدم ورأى ذلك التكريم العظيم لآدم تكبر عليه وعصى عصيان الكافرين.
ولخطورة شر الحسد أمرنا الله تعالى أن نتعوذ منه. فقال:﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ. وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ. وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ.﴾
وأحيانا يبدأ الحسد بالغيرة، فإذا رأى المؤمن من أخيه ما يعجبه فليدعو له أن يبارك له الله فيما رزقه، وإن تحرك وسواس حب التعالي في النفس فليسبق الهوى بالاستغفار، وتأديب النفس، فإنه إذا أطلق لنفسه العنان في الغيرة والمقارنة بينه وبين المنعم عليه، فقد تتحول الغير إلى حسد، ويقع في موبقة من الموبقات، إذ التعوذ من الحاسد لعظمة شره. فكان التعوذ من الحاسد بعد التعوذ من النفاثات في العقد. فالحسد كبيرة من الكبائر التي نهانا الله سبحانه عنها، وحذر منها النبي عليه الصلاة والسلام. فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ] (مسلم:2564).
لا تحاسدوا: لا تتمنوا زوال النعمة عن الغير، واحذروا الغيرة والعجب بأنفسكم مما يدفعكم إلى التباهي على الناسي مرحا وغرورا. ولا تناجشوا: لا تعلنوا الزيادة في ثمن السلعة ليس بقصد شرائها ولكن ليسمع الناس فيزيدوا فيها، وهو النهي عن المزايدة بقصد مغالطة المشترين،كأن يمدح أحدهم السلعة لينفقها ويروجها أو يزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، وهذا من باب الغش والخداع. ولا تباغضوا: لاتتكارهوا، لا يكره بعضكم بعضا، والمعنى انشروا الحب والود بينكم، من بغض الشيء كرهه ومقته. ولا تدابروا: لا يعرض بعضكم عن بعض، كأن كل واحد يولي دبره تاركا أخاه.كقولهم دَبَرَتْ أيامُ البؤس والشقاء، وأقبلت أيام العز والهناء. ولى دبره أي: ولى ظهره، كناية عن الهرب، والدُّبُرُ من كل شيء عَقِبُهُ ومُؤَخِّرُه. ودُبُرُ الصلاة: آخرها. وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ: إذا ساوم المشتري البائع، فلا يجوز لغيره أن يطلب شراء تلك السلعة، إما أن يتم عقد البيع، أو حتى يترك. يقال: ساوم، مساومة. ساوم المشتري البائع بالبضاعة، أي فاوضه في ابتياعها. ويقال: ساوم مساومة، واسْتَامَ، سوما.عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:[نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لِلْأَعْرَابِيِّ، وَأَنْ تَشْتَرِطَ المَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَعَنِ التَّصْرِيَةِ] البخاري:2727)
(ولا يخذله) الخذل، والخذلان ترك الإعانة والنصرة، فإذا استعان المسلم بإخوانه وجب عليهم فرضا أن ينصروه. (ولا يحقره) والمعنى: لا يحتقره، ولا يتكبر عنه، فلا ينكر عليه ولا يستصغره. (التقوى ههنا) في القلب وهذا من باب التأكيد أنه إذا صلح القلب صلحت الجوارح وصلحت الأعمال، واستقام صاحب القلب السليم وانضبط مع الشرع. وفي الحديث أيضا.عن عبد الله بن مسعود، عن النّبي -صلى الله عليه وسلم – قال:[لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ] قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: [إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ] (مسلم:91) (بطر الحق) هو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا، فالمتكبر يصل إلى عدم قبول الحق، وفي اللسان: {البَطَر: الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ وَطُولِ الْغِنَى. وبَطَرُ الحقِّ أَن لَا يَرَاهُ حَقًّا وَيَتَكَبَّرُ عَنْ قَبُولِهِ}.ومعنى(غمط النّاس) احتقارهم. وفي اللسان:{غَمَطَ الناسَ غَمْطاً: احْتَقَرَهم واسْتَصْغَرهم. والغَمْطُ: الاسْتِهانة والاسْتِحقارُ}.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الخطيئـــات الــثــلاث فمــا أتعـــس مــن يقـــع فـــي كـــلّ الــثــــلاث

الشيخ محمد مكركب أبران / خطيئة العبد في حق الله: الكفر والشرك والنفاق وتعمد ترك …