الأثنين 22 ذو القعدة 1441ﻫ 13-7-2020م
الرئيسية | شؤون اقتصادية | قــــواعــــد وتـــاريـــخ البـنـــوك الإســـلامــيـــــة

قــــواعــــد وتـــاريـــخ البـنـــوك الإســـلامــيـــــة

د. موسى عبد اللاوي * /

تعتبر البنوك الإسلامية تجربة حديثة نسبياً في العالم الإسلامي بالشكل التنظيمي الحديث، وإنّ كانت جذورها وأسسها ضاربة في التاريخ، ويمكن إرجاعها إلى عهد الخلفاء الراشدين. وقد جاءت تلبية للحاجة الملحة لاحتياجات المسلمين للمال واستثماره وحمايته.
وترجع بدايات المصرفية الإسلامية إلى الأيام الأولى لظهور الدولة الإسلامية، فإن الباحث في هذا المجال يجد الملامح والتطبيقات لبعض المفاهيم المصرفية الحديثة الخاصة بالعمليات المصرفية الإسلامية، والبداية كانت بازدهار التجارة الخارجية نتيجة توسع رقعة الإسلام بسبب الفتوحات الإسلامية فأوجد المسلمون أدوات مالية ومصرفية سايرت هذا التطور التجاري مثل القرض والحسن والقرض الاستثماري والوديعة والمضاربة والمشاركة والحوالة والصرف.
فقد كان النّاس يضعون أموالهم عند من يثقون فيه، وكانوا يميزون بين الوديعة كأمانة والوديعة الجارية المضمونة التي يمكن استثمارها بشرط ضمان ردّ المثل لصاحبها عند طلبها، ذكر الطبري في تاريخه أن هند بنت عتبة قامت إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فاستقرضت من بيت مال المسلمين أربعة ألاف درهم تتاجر فيه وتضمنها فأقرضها فخرجت إلى بلاد كلب فاشترت وباعت فلما جاءت المدينة اشتكت الوضيعة -أي الخسارة – فقال لها: عمر –الفاروق – «لو كان مالي لتركته ولكنه مال المسلمين» وهذا خير دليل على الإقراض من بيت مال المسلمين .
أما في مجال الوديعة فقد كان الصحابي الجليل الزبير بن العوام -رضي الله عنه- يشترط على من يدع أمواله عنده من اجل الحفظ أن يضمن له أمواله فكان يقول: «لا ولكن هو سلف، إني أخشى عليه الضيعة» وهذا ليتم إخراج هذه الأموال من شكل وديعة الأمانة إلى شكل القرض المضمون ليتم استثمارها، وورث ابنه عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه – هذه المعاملات وزاد عليها بأن كان يجري تحويلات بين البلدان فكان يأخذ الدراهم من أهل مكة ويكتب لأخيه مصعب في العراق فيأخذونها منه وقد فعل ابن عباس مثل الزبير بن العوام -رضي الله عنهما – ونجد في ميدان الاستثمار أمثلة كثيرة كالمضاربة التي كان يقوم العباس عم النبي -صلى الله عليه وسلم – والكثير من الصحابة -رضوان الله عليهم-كانوا يضارون في أموال بعضهم البعض، ويتشاركون في بعض معاملاتهم التجارية. ومكن نظام الحوالات في نظام الدولة الإسلامية خاصة بالعراق ودمشق التجار من الحصول على أموالهم في بلد غير تلك التي بها أموالهم وجنبهم مخاطر السرقة وقطاع الطرق، وتطورت هذه المعاملة التي كانت تعرف بالسفتجة في البصرة وصار لها قواعد وأصول من حيث الختم والشهود.
وكان لازدهار الحضارة الإسلامية بعد اتساع رقعتها أكبر الأثر في انتشار الصرافة الإسلامية وتمثل هذا بداية من تنظيم بيت مال المسلمين، التي كانت توكل الصيارفة في صرف رواتب الجند وكان اتصال التجار المسلمين مع غيرهم من أهل الذمة أكبر الأثر في تطوير الصيرفة المالية الإسلامية، فأوجدوا بدائل لنقل النقود كالصكوك وتحرير السفاتج ورقاع الصيارفة، وكان لكلّ صراف مكان خاص ووكيل وعمال في كل بلد، يقوم بتحويل النقود وتسليمها لأصحابها دون تنقل فعلي لهذه النقود.
وقد استفادت الحضارة الغربية من هذه الأفكار الاقتصادية كثيرا في تطوير بنوكها وخاصة بيع المضاربة وبيع الاستصناع يقول أحد كبار المستشرقين: «لما كان الغرب يعيش في الظلام الدامس ويعتبر الأمراض مس و جنون وهوس وبعض العلوم كعلم الجغرافيا والفلك وعلم الطب مساس بقدسية الكنيسة كان علماء الإسلام يطورون عقود البيع وذكر الإمام الشافعي -المتوفي سنة 204 هجرية – الذي تففن في إخراج عقد بيع المرابحة في كتابه الأم والإمام أبو حنيفة -المتوفي سنة 150هجرية – الذي أبدع في إخراج عقد بيع الاستصناع.
ويذكر بعض الكتاب في المجال الاقتصادي أن فكرة ظهور مؤسسات التمويل الإسلامي يعود إلى بعض الكتابات لمفكري وعلماء القرن العشرين مثل مقالة للعالم الجزائري الشيخ إبراهيم أبو اليقظان تحت عنوان: -حاجة الجزائر إلى مصرف أهلي – سنة1928 والمفكر مالك بن نبي في كتابه –المسلم في عالم الاقتصاد وحسن البنا في كتابه – مشكلات في ضوء النظام الإسلامي- وباقر الصدر في كتابه اقتصادنا ومصطفى السباعي في كتابه- اشتراكية الإسلام-وكتاب أنور إقبال قريشي-الإسلام ونظرية الفائدة- ومقالة لمحمد حميد الله تحت عنوان:- مؤسسات القرض الخالية من الفوائد- وبعض كتب الشيخ محمد الغزالي مثل الإسلام والأوضاع الاقتصادية والإسلام والمناهج الاشتراكية.
وتجسدت هذه الأفكار بداية من سنة 1929 علي يدي الشيخ إبراهيم أبو اليقظان الجزائري الذي قدم ملفا للسلطات الاستعمارية الفرنسية لإنشاء بنك إسلامي تحت اسم –البنك الإسلامي الجزائر – لكن السلطات الفرنسية الاستعمارية رفضته خوفا على مصالحها. وفي سنة 1940 في ماليزيا تم إنشاء صناديق للادخار بدون فوائد، وفي سنة 1950 تحولت فكرة اعتماد صيغ تمويل تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية إلى دولة باكستان فأنشأت مصرفية تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، وفي عام 1963 من خلال تجربة بنوك الادخار المحلية التي ظهرت في صعيد مصر بمحافظة الدقهلية على يد الدكتور أحمد عبد العزيز النجار الذي عرف نجاحا كبيرا.
في عام 1970 وبمناسبة انعقاد المؤتمر الثاني لوزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد بباكستان، قدمت بعض الدول اقتراحا بإنشاء بنك إسلامي دولي أو اتحاد دولي للبنوك الإسلامية وتمت دراسة المشروع وتقديم تقرير ينص على ضرورة تطوير نظام إسلامي بديل للنظام الربوي، وتكررت الفكرة باجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية بمدينة وجدة عام1972 الذي درس إمكانية إقامة بنوك إسلامية محلية وبنك إسلامي دولي وقد لاقت هذه الفكرة الترحيب والقبول حيث انتهى الاجتماع إلى ضرورة وضعها موضع التنفيذ، وفي عام 1971 تم تأسيس بنك ناصر الاجتماعي الذي بدأ بممارسة نشاطاته المصرفية عمليا عام 1972 بدون معاملات ربوية.
وعرف العمل المصرفي الإسلامي بدايته الفعلية في عام 1975 عندما صدر المرسوم الأميري بتأسيس بنك دبي الإسلامي الذي تميز بتوفير خدمات مصرفية متكاملة. وتم في نفس السنة تأسيس البنك الإسلامي للتنمية وهو مؤسسة دولية لتمويل التنمية تشارك فيها جميع الدول الإسلامية وتوالى بعد ذلك تأسيس البنوك الإسلامية المحلية في مختلف الدول، ففتح عام1991 بالجزائر بنك البركة الإسلامي وفي عام 2008 بنك السلام الإسلامي، كما سمحت الحكومة الجزائرية بفتح شبابيك ونوافذ إسلامية ببعض البنوك العامة والخاصة. وبعد صدور القانون 02/20 في 15مارس 2020 أصبح من الممكن إنشاء بنوك تعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية حيث عرفت الصناعة المصرفية الإسلامية نموا سريعا، فبعد أن كان عدد البنوك الإسلامية ثلاثة بنوك في عام 1975 انتقل الرقم إلى نحو 520 مؤسسة وبنكاً إسلامياً حول العالم بنهاية العام 2012موزعة على أكثر من 60 دولة يتركز معظمها في الدول العربية..
ومما تنبغي الإشارة إليه أن البنوك الإسلامية لا يقتصر وجودها على البلدان العربية والإسلامية، بل أصبحت منتشرة في جميع أنحاء العالم، فمدينة لندن أصبحت مركزا ماليا هاما للتمويل الإسلامي، حيث يوجد في بريطانيا مجموعة من البنوك مطابقة بالكامل لأحكام الشريعة الإسلامية تأسست منذ عام 2004 م، إضافة إلى عشرين بنكا تقدم الخدمات الإسلامية من خلال نوافذ خاصة أو فروع إسلامية وقد دفعت مؤشرات النمو الكبيرة التي تحققها الصناعة المصرفية الإسلامية عدة دول غربية أخرى إلى التفكير جدياً في دخول هذا السوق الواعد، وخاصة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي أثبتت هشاشة النموذج الرأسمالي الغربي الربوي.
للموضوع مراجع

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نظــــرة اقـتـصــاديـــة حــول معنـــى جـــواز زكـــاة الفطــر نقــــدا (1)

الطالب بندو عثمان / تمهيد : يرتكز الخلاف في موضوع زكاة الفطر في الجانب الفقهي …