الرئيسية | الحدث | لعنة التراث على التحديث: كورونا أنموذجا

لعنة التراث على التحديث: كورونا أنموذجا

أ. زيتـــــوني محمد عادل * /

لا شك أن لكلّ مجتمع موروثه الثقافي الذي يميزه عن غيره من المجتمعات، والذي يُعد جزءاً لا يتجزأ من هويته، مقوماته وأصالته الضاربة في أعماق التاريخ، وكثيرا ما يكون هذا الموروث حصيلة خبرات أسلافنا الفكرية، الاجتماعية والمادية، مكتوباً كان أم شفوياً، رسمياً أو شعبياً، والذي وصل إلينا من الماضي البعيد أو القريب، في شكل جملة من التقاليد، العادات، الأعراف، المعتقدات الشعبية، الفنون، الممارسات الفولكلورية، الحكايات والأساطير التي يتناقلها الأحفاد عن الآباء والأجداد، والتي يعمدون من خلالها إلى الاستئناس بحنين ماضيهم والرّكون الى سالف عهدهم، كما يحاولون التشبث بها بكلّ جوارحهم خوفا من تلفها وضياعها في متاهات الحضارة والتمدّن، هذا الأخير الذي زجّ بالكثير من الموروثات الثقافية بين زوايا النسيان وداخل أقبية التاريخ، غير أن الكثير منها لايزال يصارع الزوال، وسط غبار معركة التحولات السوسيو-ثقافية التي طرأت على حياة المجتمعات المعاصرة من جرّاء التكنولوجيا وموجات التحضّر الحديث.
ويكتسي التراث أهمية بالغة في حياة الشعوب، بل ويحتل مكانة عالية لدى بعض المجتمعات، لاسيما التقليدية منها، قد تصل في الكثير من الأحيان إلى درجة التقديس، حيث يمجّدون جميع من يتمسّك به وينبذون كل من سوّلت له نفسه المساس بطقوسه ومراسمه المختلفة، اعتقادا منهم أنه يمثل عذرية هويتهم وشرفها الذي لا يُسمح المساس به بأي حال من الأحوال. وتتجلى أهمية التراث الثقافي عموما في تعزيز الروابط الإنسانية والتماسك الاجتماعي وترسيخ مشاعر الانتماء، الولاء والوطنية Patriotisme، وكذا الأمن، السلام والثقة بين أفراد المجتمع، ناهيك عن دوره في إنعاش الاقتصادات المحلية، خصوصا تلك التي أولت أهمية بالغة للتراث الثقافي المادي منه أو اللّامادي في مختلف القطاعات المتعلقة بالسياحة والثقافة وحتى التعمير، مما سيسهم في زيادة معدلات التنمية المحلية لهذه المناطق، بل والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد برمتها.
ويعتبر “الموروث الاجتماعي” من أهم عناصر التراث الثقافي اللّامادي، والذي يعبّر عن تلك الممارسات، السلوكات، الأفكار، المعتقدات الشعبية والقيم التي تبناها أجدادنا على مرّ التاريخ وتوارثها الخلف عن السلف في صورة قصص، أمثال، أزجال، فنون شعبية، إضافة الى مختلف الأعراف، العادات والتقاليد المجتمعية التي لازالت تفرض نفسها على أفراد المجتمع طوعاً منهم أو كرهاً بفضل الضبط الاجتماعي غير الرسمي الذي ما برَح يدلي بكلمته في العديد من المجتمعات القروية وحتى الحضرية منها، والذي جعل للموروث الاجتماعي حصناً منيعا يُحرم الاقتراب من حماه والدنوّ من حدوده بأي شكل من الأشكال، هذا الموروث الذي يتجسّد في العديد من الممارسات الاجتماعية، سواءً ما يتعلق منها بمختلف محطات الحياة، كالميلاد، الختان، الزواج والوفاة أم بالأعياد والمناسبات المختلفة على غرار الأعياد الدينية، الاحتفالات والمناسبات الزراعية، ومنها ما يرتبط بالمعاملات والعلاقات الاجتماعية كالضيافة والاستقبال، علاقة الصغير بالكبير، الذكر بالأنثى وآداب المائدة، فضلا عن علاقة الإنسان ببيئته الطبيعية وبالحيوان وكل ما يتعلق بغدائه، إضافة إلى الممارسات العلاجية الشعبية، أو ما جرت العادة على تلقيبه بــــــ “الطب التقليدي”، هذا الأخير الذي يعكس الارتباط بين مختلف عناصر التراث الثقافي من معتقدات متعلقة بالكائنات ما فوق الطبيعية أو بالنبات والحيوان، كما له علاقة بالدين وبالأدب الشعبي أيضا، ويتجلى ذلك في مختلف الأساطير، الحكم والأمثال الشعبية حول الصحة والمرض وحتى الأوبئة. ويعكس الطب التقليدي كذلك عملية التفاعل بين الإنسان والنسق الايكولوجي الذي يعيش ضمنه، فمصادر البيئة من أعشاب ونباتات لا يمكن أن يكون لها أثر علاجي دون حضور الخبرة البشرية في استخدامها والتعامل معها، هذه الخبرة التي لا تقف عند استخدام النبات فحسب، بل تحاول الاستفادة من كل إمكانات وموارد الطبيعة من أتربة وأحجار، فضلا عن جلود الحيوانات الأليفة منها والبرية، وكذا عظامها، ألبانها وحتى أبوالها وبعض فضلاتها، كما قد تتغدى هذه الممارسات العلاجية على بعض المعتقدات الشعبية والدينية حسب البيئة الاجتماعية المحلية.
ولا شك أن لهذا النوع من التداوي الشعبي أهميته وفائدته المستقلة أو التكميلية للطب الحديث، هذا الأخير الذي أثبت فاعلية ونجاعة العديد من الطرائق والوصفات الشعبية في علاج بعض الاضطرابات والأمراض العضوية وحتى النفسية منها، ولو أن هذه الممارسات العلاجية لا تخلو بالمقابل من بعض المشكلات والآثار الجانبية نظرا للاستخدامات العشوائية لبعض المستحضرات الطبيعية والخلطات العُشبية، لاسيما إذا تم وصفها من طرف معالجين غير متخصّصين أو كانت وليدة بعض المعتقدات الشعبية أو المعارف الزائفة Pseudo-connaissances حول بعض الأمراض وطرق علاجها، مما قد يتسبب في مخاطر وخيمة على صحة الإنسان وعلى حياته أحيانا، بل وقد يتعدى الأمر إلى ظهور بعض الأوبئة والجوائح، على غرار جائحة “كورونا” الأخيرة، التي أودت إلى حدّ الآن بحياة مئات الآلاف من الأشخاص عبر العالم، بعد فشل مختلف المختبرات الصيدلانية في تطوير لقاحات من شأنها مواجهة ذلك الفيروس التاجي، الذي لازالت إلى اليوم تتضارب الفرضيات العلمية وحتى التحليلات السياسية حول منشئه ومصدره، فمنها ما تتحدّث عن إمكانية تدخّل أيادي بشرية في تطوير هذا الفيروس مخبريا، غير أن العديد من علماء الفيروسات عبر العالم يرجّحون أن هذا الفيروس قد يكون “طبيعيا”، لاسيما بعدما اكتشفت دراسة علمية قادتها “جامعة جنوب الصين الزراعية” أنّ ما يسمى بحيوان “البنغول” Pangolin قد يكون المتّهم الرئيس في نقل هذا الفيروس للإنسان، حين وجدت أن تسلسل الحمض النووي لفيروس كورونا الجديد الذي تم فصله من البنغوليات كان متطابقا مع نظيره الموجود لدى المصابين بنسبة 99%، ما يرجّح أن “البنغول” قد يكون مضيفا وسيطا للفيروس، هذا الحيوان الذي تحوم حوله جملة من المعتقدات الشعبية الصينية التي تنصّ على أن استهلاك لحومه قد يقي من الإصابة ببعض الأمراض المزمنة، كما تستخدم حراشفه في بعض طقوس الطب الشعبي بالمنطقة، ناهيك عن تراث الطهي الصيني Patrimoine culinaire الذي لا يخلو من استهلاك مثل هذه الحيوانات البرية، مما قد يكون عاملا محتملا في انتقال هذا الفيروس إلى الإنسان.
ورغم عدم وجود دليل علمي قاطع إلى حدّ الآن حول تورّط هذا الحيوان أو غيره في انتقال فيروس كورونا الى البشر، نظرا للغموض الكالح الذي لازال يكتنف الموضوع من الناحية العلمية، خاصة بعد تكتّم الصين حول ما يسمى بالمريض رقم صفر Patient zéro، غير أن العديد من الدراسات العلمية الحديثة تؤكّد أن معظم الأمراض الفيروسية المنتشرة منذ حوالي قرن من الزمن تُعتبر أمراضا حيوانية المنشأ Zoonoses، على غرار مرض “الإيدز” الذي يرجع تاريخ ظهوره إلى عشرينيات القرن الماضي بمنطقة “كينشاسا”، إذ كشفت العديد من الدراسات أن مصدر هذا الفيروس يعود إلى قرود الشمبانزي والغوريلا، ورجّحت بعض الفرضيات أنّ انتقاله إلى الإنسان يُعزى إلى استهلاك لحوم هذه الحيوانات من طرف بعض القبائل المحلية. ونفس الشيء بالنسبة لمرض “إيبولا” الفيروسي الذي ظهر لأول مرة عام 1976 في السودان وبعض بلدان وسط إفريقيا وغربها، إذ تُعد خفافيش الفاكهة والقردة، المضيفات الطبيعية لهذا الفيروس حسب منظمة الصحة العالمية، ويُرجّح انتقاله إلى الإنسان بسبب استخدام هذا الأخير في تلك المناطق لبعض إفرازاتها، لحومها وسوائل أجسامها في بعض طقوس الشعوذة والممارسات العلاجية الشعبية. في حين يُعد حيوان الإبل المعيل الأساسي لفيروس “كورونا” المسبّب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية MERS، هذا الحيوان الذي يحتل مكانة فريدة لدى سكان شبه جزيرة العرب، حيث يتم استهلاك لحومه وألبانه وحتى أبواله استنادا الى بعض النّصوص الدينية التي أُوِّلت خارج سياقها المحدّد وظرفيتها التاريخية الخاصة، بينما قامت منظمة الصحة العالمية -في بيان رسمي لها- بالتحذير من استهلاك أبوال الإبل وكذا ألبانها النيئة كوقاية من انتقال وتفشي هذا الفيروس. لذلك ينبغي على الاستقصاءات العلمية حول المصادر البيولوجية لظهور مثل هذه الأمراض الفيروسية ألّا تُنتشل عن إطارها ووعائها الأنثروبولوجي، هذا الأخير الذي من شأنه أن يقدّم خدمة علمية بالغة الأهمية في التعرّف على السياقات والخلفيات التاريخية والثقافية لظهور وانتقال هذه الأمراض، بهدف وضع استراتيجيات متعددة التخصّصات Pluridisciplinaires لمواجهتها والحدّ من انتشارها.
وتأسيسا على مجمل ما سلف ذكره، يمكن القول أن “التراث” بقدر ما يمكن أن يشكل رصيدا حضاريا يُستثمر في نهضة الشعوب وتطوّرها، يمكن أن يكون بالمقابل ثقلا يشدّها إلى الماضي ويكبح تقدمها وازدهارها، بل وقد يتسبب أحيانا في خرابها ودمارها، مثلما حدث اليوم في سابقة هي الأولى من نوعها على مرّ التاريخ، بعدما تسبّب التراث -إن تأكّدت فرضية انتقال الفيروس من الحيوان- في “لعنة” غير مسبوقة أفضت إلى اعتلال العالم الحديث برمته، بكل ما يمتلك من مختبرات علمية وصروح أكاديمية وبجميع ما يحوز من تكنولوجيات متطورة ومنشآت قاعدية. وكأن “كورونا” اليوم جاء ليثبت للعالم أن صراع الأصالة والمعاصرة لا يحتدم فحسب بين دفّات كتب الفكر والفلسفة، بل قد يتجسّد في الكثير من الأحيان وسط معتركات الواقع المعيش، مؤكدا للبشرية أن ماضيها بكل تخلفه وتقليديته قد يكون أحيانا أقوى وأعتى من حاضرها وحتى مستقبلها بكل تقدمهما وحداثيتهما.
* أستاذ علم الاجتماع، جامعة جيجل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

عالـما الاجتماع علي الكنز و الـمنصف وناس في ذمة الله

أد. مولود عويمر/   لقد فقدت الجزائر وتونس عالمين اجتماعيين معروفين في أسبوع واحد. ففي …

تعليق واحد

  1. بوركتم استاذنا