الأثنين 9 شوال 1441ﻫ 1-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | الحدث | الـمقـــامــــــــــة الكـــورونيــــــــــــــــــة

الـمقـــامــــــــــة الكـــورونيــــــــــــــــــة

أ: إبراهيـــم بن ساسي /

الحمد لله الملك الفتّاح الذي وفّق من شاء من عباده لأسباب النّجاح، وأسبل عليهم ثوب ستره وأتاح، فأنار بهم الدّياجير وردّ ظلمتها صباح، وكبت بهم الغاشم فكان مكره هشيما تذروه الرّيّاح، والصّلاة والسّلام على المبعوث نخبة من نخب أقّحاح، متقلبا في السّاجدين،حتى خرج إلينا غير مشاب بسفاح، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه تابعيهم من دعاة الفلاح.
وبعد… في شهر فبراير من سنة ألفين وعشرين، اجتاح بلادنا داء خطير، ليس له نظير، فالتزمنا البيوت، مخافة العدوى والموت، وهجرنا الوظائف والمعاهد، ومُنعت عنّا صلوات الجُمع والمساجد، فساد الجميع اضطرابٌ وقلق، واعتراهم من هول ما سمعوا خوف وأرق، وفي ليلة الاثنين، رنّ الهاتفُ مرّتين، فإذا به أخي عبد اللّطيف، يكلّمني من مدينة سطيف… تحيّة وسلام، أين أنت أيُّها القطريف المقدام؟ أين خواطرك يا هُمام؟ سارعْ وسجّلْها للتَّاريخ والأيام ـشعراً ونثراً ومقامة ـ علّها تُذهبُ عنّا السآمة، ففتحت الدّفتر ورفعتُ القلم، والله وحده عالم، ما يعتريني من علَّة وسقم، فكتبت :
الحمد لله العظيم ذي الجلال الواحد البر الــرّؤوف المتعال، ثـــم الصّلاة والسّلام دائبين على الّذي اصطفاه ربّ العالمين.
وبعد… عافاني الله وإيّاكم من هذا البلاء، وما أحسبه سوى امتحان وابتـلاء، ليس له غير تبتُّل ودعاء، كورونا!!! يا له من داء جرثومي، أمات كثيراً من بني قومي! وفعل فعلته في الفارسي والرّومي، سريع الانتشار، لا يصدّه تطويق أو حصار، سعال وارتفاع حرارة، وضيق التنفّس إشارة، وإن اعتراك شديدُ عطسٍ وزكام، فعلى الدّنيا السّلام، يبثُّ سمومه كالتّنّين، لا غرابة فمولده بالصّين، ببلدة تُدعى وهان، وقانا الله شرّ الإنس والجان، تابعنا زحفه بسذاجة ولا مبالاة، حتّى عددنا ضحاياه بالمئات، كان لزاماً مراقبة الحدود، وتعقيم السّدود، ومنع الوافدين، خصوصا إخواننا المغتربين، فقد انتشر الوباء في فرنسا وإسبانيا والطليان، وبعض الشيء في بلاد الانجليز والألمان، وهلك الحرث والنّسل في إيران، قدر الله ما شاء فعل، وحصل في بلادنا ما حصل، بسرعة مجنونة، وصلَ داء كورونا، فلا مرحباً به وسهلاً، أبعدنا عن الأحباب والأهل، أمّا الحكومة والوزارات، فلها الشُّكرُ والتقديرات، استنفرت الأمن والمستشفيات، وتجهّزت بالوسائل والمُعدّات، حاربت السّماسرة والمحتكرين، وأمّنت حياة المحتجزين والمحجَّرين، شغّلت أجهزة الرّقابة، لكشف سماسرة عصابة، وفرضت الحجر على كثير من الولايات، لتجنُّب مزيد ويلات، وأمرت الجميع بالتزام البيت، إلّا لظرف قاهرٍ مُميت، فليس لنا في اختيار حلو ومرّ، سوى الرّضوخ للأمر، سكنّا الدّار من غير هجر، وكتبنا على بابها: نحن في حجز وحجر، إنّها طاعة أولي الأمر، ليس لنا غير تجلُّدٍ وصبر، وهو ما أكّده أخي رمضان [01] بما بثّه من خواطر وأشجان، داعيّاً للحجر بمنظوم الشّعر والنّثر، فله منّا عظيم الشّكر:
ولســوف ألتــــزم البقــــاء بمنزلـــي
حتّــــى يغــادر دولتي [كورونا ] حَجْــــرٌ رضيـــت به لنفسي طــائعــاً.
رغــماً على أنــفِ الألى انتهرونـــا
فلتفعلـــوا مثلــي التزامــاً إخـــوتـي
بالشّرع خوفـــــاً من التّدرونـــا
والتزاماً بما جاء في الأمر، سكنّا الدّور من غير ضجر وهجر، وكتبنا على الأبواب: [عذرًا… لا تزورونا ولا تلومونا، حتّى يرحل عنَّا كورونا، فنحن في حجز وعجز وحجرِ ] فلنصبر للأمر، ربّما طالت سنوات الجمر، أَلا فلنلتزم بدعاء وصوم ونذر، ولنتفنّن في صدقة السّرِّ، ونربط الوتر بالفجر، وقد أسفت أيّما أسف، لقوم الألف منهم كأف، لم يدركوا معنى [الوقاية خير من العلاج] فملأوا السّاحات والفِجاج، في القرى والمدن [والفلاج] كأنّهم صغار بطارقة أو دجاج، أقاموا أفراح الزّواج، رأتهم الأعين في الشّاشات بالعشرات والمئات، تجمّعوا يغنّون… يرقصون… بلا حياء يردّدونَ: [كورون كورونا ] أتراهم يستهزئون ! ما لهم لا يعقلونَ أو يكترثون ! إخوانهم في البليدة وتيزي وزو يتألّمون، بل ويموتون ويُدفنون، ثمّ قلت لأخي عبد اللّطيف، اسمع ما كتبت منذ أسبوع ونيف، لبعض الكرام، وأنا أُتابع هذه الأحداث الجسام، موضوعٍ أرسلته للنّشر : [ الوصايا الزّهر فيمن ابتلي بالحجر ] نالني منه كثير ثناء وشكر، فخذها منِّي مُختصرةً سريعة، كما في كتب الأدب البديعة
ــ لا بدَّ من الإيمان بالقضاء والقدر، فلله وحده المشتكى والمفر
ــ ولنسارع لجميل توبة، بعد عظيم جُرمٍ وحَوبة، يعقبها ندم واستغفار، نلهجُ به آنــاء ليل وأطراف نهار، فإن أردنا الحياة، فلا بدَّ من قوارب النّجاة، بلهجات ذكر، وسبُحات فكر، وترانيم شكر، وهي لعمري زاد وأيُّ زاد ! لمن رام الفوز يوم التّناد،
ــ وهل من بضاعة كالحرص على الطّاعة ! فاجمع أهلك لصلاة الجماعة، وجالسهم ساعة وساعة، حاورهم وشاورهم وسامرهم، لتنال قربهم وحبّهم، ذكِّرهم بالدُّرس والواجب، وعلّمهم سمات وآداب الطّالب، زوِّدهم بالرَّقائق، وبصّرهم بالمنعطفات والعوائق، مستدِلّا بدرر الشّافعي الحاذق
شكـــوت إلى وكيع ســوء حفظـــي فأرشدنـــي إلى تـــرك المعـــاصي
وأخبـــرنـــي بـــأنَّ العلـــم نــور
ونـــور الله لا يُهـــــدى لعــاص
ــ واجمع أهلك على خير الموائد، لتنال كلّ طارف وتالد، بتلاوة السوّر والآيات ينزِّل الله الرّحمات، و تُستجاب لكم الدّعوات، خصوصاً سورة [ الملك وطه والكهف ]، عافانا الله وإيّاكم من كلّ حتف ونسف، والزم البنات والبنين، تكرار الحزب والحزبين، وما حفظوه من تحفة وحبل متين، فقد لا يتأتَّى لهم ذلك كلّ حين
ــ وقد أحدثنا ورداً آخر للتّواصل، تتأكّد أهميّته عند النّوازل، ونحن في حجر منعزلين، لا يمكن بين الحين والحين،أن ننسى أهلًا لنا وإخواناً محبّين، ربّما كان فيهم مرضى ومصابين، مسّهم داء كرونة في البليدة وورقلة والطّارف، برسالة فايبر أو ماسينجر أو هاتف، إحساساً بجرحهم النّازف، دعواتنا لهم والعواطف
إن يختلف مــــاء الوصـــالُ فمــــاؤنا
عذب تحـــــدّر مـن غمــام واحد
أو يختلـــف نســب يؤلِّف بيننـــــا
 ديـــنٌ أَقمْنـــاهُ مقــامَ الوالـــــد
ــ ثمَّ لنعدِ إلى سِمات أسلافنا أبان المحن، أُخُوّةٌ وإيثارٌ وقول حسن، نتفقّد الجار وبعيد الدّار، بطيب الكلام، وخير الطَّعام، وترك الملام ، هكذا رأتكم الشّعوب جسداً واحداً رغم الخطوب ، قرأوا في قسمات وجهكم آياتِ الصّبر والإخاء، ورأوا في بريق أعينكم سمات الرّجولة والإباء، وسمعوا من فلتات ألسنتكم علاماتِ الصّدق والوفاء، لا لشيء إلّا لأنّكم حُمــاةَ العقيدة والدّين، قدوتكم رسولكم ومحبّكم الأمين ، فاللّهمّ صلِّ وسلّمْ عليه في الأوّلين والآخرين وصــلِّ عليه في الملإ الأعلى إلي يوم الدّين ، وربّما راقكم قول صادق الرافعي، كأنّه قول صحابي أو تابعي :
في ضميــري دائمـاً صـوتُ النّبي
آمــراً : جـاهدْ وكابــدْ واتعــــبِ
صائحــاً : غالبْ وطالبْ و ادأبِ
صـارخـاً : كن أبـــداً حـرّاً أبــــي
كنْ ســواء مـا اختفى وما علَــن
كـــنْ قويّـا بــالضَّميــــــر والعَلـــن
كنْ عـزيــزاً بالعشيـــر والوطن
كنْ عظيمـــاً في الشّعــوب والــزّمـــن
ــ ثمَّ اسمعوا منّي يا جماعة … إيّاكم ثمٌّ إيّاكم والإشاعــة، لأنّها أخطر جرائم السّاعة، كم من حيّ مقتول ! وكم صحيح عقل مخبول ! قيل أنَّ إصابات ظهرت، في عائلات مغتربة وصلت، مات ذاك الطّبيب … مسكين، دُفن من غير حبيب ولا قريب، وكلّها أخبار ملفّقة، غير مؤكّدة أو مُحقّقة، فقد تؤدّي بنا للنار، وغضب العزيز الجبّار، ففي الحديث [ كفى بالمرء أن يحدّث بكلّ ما سمع ] فلا تتحدّث بما لا ينفع، احذر من الإشاعة ، وإيّاك أن تكون إذاعة
ـــ ارفع يديك عاليا واقصد إلهك سائلا :
فرّج اللهمّ كربنا، واغفر اللذهمّ ذنبنا، وارفع عنّا البلاء وكلّ وباء، احفظ للجزائر دينها وحدودها، ووحدتها وجنودها، وارفع عن أمّة المسلمين البأس، وزيّنها بعودة أندلسها والقدس ، ولنقل جميعاً : آمين، والحمد لله ربّ العالمين

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمعية العلماء تستعد لاستلام 1000 جهاز تنفسي من كوادر جزائرية بأوروبا

أ. محمد مصطفى حابس جنيف/سويسرا / لقد تفاعلت الجالية الجزائرية في ديار المهجر منذ بداية …