الأثنين 9 شوال 1441ﻫ 1-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | قضايا و آراء | كُتب عشتُ معها (3) «حضارة آداب السلوك»- نوربير إلياس

كُتب عشتُ معها (3) «حضارة آداب السلوك»- نوربير إلياس

أد. مولود عويمر /

«حضارة آداب السلوك» هو الجزء الأول من كتاب ضخم لعالم الاجتماع الألماني نوربير إلياس (1897-1990) عنوانه: «حول سيرورة الحضارة». أما الجزآن الآخران فهما: «ديناميكية الغرب» و»مجتمع البلاط». ظهر الكتاب في سويسرا باللغة الألمانية في عام 1939 لكنه لم يترجم إلى اللغة الفرنسية إلاّ في عام 1973.
ولد نوربير إلياس في ألمانيا سنة 1897، درس الطب والتاريخ وعلم الاجتماع وناقش أطروحة حول فلسفة التاريخ في عام 1924. واتصل بمجالس أشهر العلماء والمفكرين في ألمانيا آنذاك مثل ليو ستروس، إريك فروم، ألفريد فيبر (أخو ماكس)، وكارل مانهايم وشاركهم في نقاشاتهم الفلسفية.
وبعد سيطرة النازيين على الحكم في ألمانيا انتقل إلى فرنسا ثمّ استقر في لندن بداية من عام 1935. وفي هذه المدينة تفرغ تماما للبحث وتأليف كتابه حول الحضارة. عمل بعد الحرب أستاذا في جامعة ليسستر البريطانية حتى نال التقاعد في عام 1962. تفرغ للكتابة والبحث العلمي. ومن أعماله: مجتمع الأفراد، ما هو علم الاجتماع؟ نظرية الرموز، الرياضة والحضارة…الخ.
لم يكن بمقدوري أن أشتري «حضارة آداب السلوك» وحده أو بأجزائه الأخرى لذلك استعرته من مكتبة بيير منديس فرانس. وجدت هذا الكتاب يختلف عن كتابات علماء الاجتماع الفرنسيين المعروفين آنذاك، فنوربير إلياس كان يدرس تطوّر الذهنيات والسلوكات البشرية في فرنسا وألمانيا انطلاقا من قراءات معمّقة للتراث التاريخي للمجتمعين بين القرنين 16 و19 وليس من خلال معاينات قائمة ودراسات ميدانية فقط.
وبناء على ذلك رسم مسار تحوّل الإنسان الغربي في تلك الفترة في سلوكه الفردي والجماعي، وهو ينتقل في نمط عيشه وسلوكه من التوحش بمظاهره المختلفة إلى التمدن وما يصحبه من اللباقة واللياقة والنظافة والعفة وتستر الجسد…الخ فأصبح النبلاء ينزلون قيمهم وتقاليدهم ويفرضونها على غيرهم وبالخصوص الطبقات القريبة منهم كالفروسية والبورجوازية.
وصارت كثير من السلوكات الرذيلة والعادات السيئة التي كانت سائدة في أوروبا في العصور الوسطى محل السخرية والاستهزاء والمنع فيما بعد. فحركة التحضر التي انطلقت في أوروبا في مجال الاقتصاد والصناعة والفكر صاحبتها رويدا رويدا ثورة في فن العيش وحسن السلوك.
كان يرى أن المجتمعات كانت دائما في حاجة إلى طبقة من الأعيان التي تمثل الخزان الثقافي للمجتمع، والمنتج للثروة والمحرّك لمسيرة التطوّر. والمجتمع الذي يفقد هذه الطبقة من النبلاء والأرستقراطيين والبورجوازيين يتعثر في سيره الحضاري، بل يعود إلى الخلف إذا فرضت العامة نمط عيشها وطرق تفكيرها على الكل. فالتغيير الصحيح في نظره يأتي من الأعلى إلى الأسفل وليس العكس.
استرعت انتباهي إلى حد الإعجاب أطروحته حول دور تمدين القيم والآداب في عملية تقدم المجتمعات الغربية الحديثة، وأثارت فيّ الاهتمام بالأجزاء الأخرى من الكتاب. فالحضارة لا تصنعها فقط الأشياء الكبرى، فتصنعها أيضا الأشياء الصغرى الجميلة التي لا يلقي لها الناس البال.
وهنا استحضر الحديث الشريف: «لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا، لو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليقٍ». هذا السلوك قد يغيّر تماما طبيعة العلاقات بين فردين نزغ بينهما الشيطان، وانقطعت الصلة بينهما لمدة طويلة.
وأتذكر الآن أيضا ما قاله غاندي لما سئل لماذا كان يركز في بداية عمله السياسي على الاصلاح والتغيير الهادئ ولا يطالب باستقلال الهند؟ كان جوابه واضحا صريحا: عندما يسير الفرد الهندي في بومباي ولا يبصق عليه هندي آخر من شرفة بيته، حينئذ أطالب بريطانيا بالاستقلال التام.
كما سرّني دائما استقدام نوربير إلياس للتاريخ والعودة إليه لتفسير نهضة أوروبا الحديثة وتحليل تحوّلاتها ورصد تطوّراتها؛ لذلك لم أستغرب أن يكون أيضا هذا الكتاب محلّ اهتمام المؤرخين خاصة الذين ينتمون إلى «مدرسة الحوليات» التي تنتصر للتاريخ الجديد، وتشتغل على التقارب بين العلوم الاجتماعية.
لقد عدت إلى قراءة هذا الكتاب، وسيرة صاحبه الذاتية وكذلك كتبه الأخرى، ونبّهت إلى قيمة أفكاره سواء في بعض بحوثي أو أثناء محاضراتي مع الطلبة خاصة لما كنت أدرّس تاريخ أوروبا الحديث في عامي الأول والثاني في الجامعة الجزائرية.
ذكرت لهم مرة للطلبة مثالا اقتبسته من هذا الكتاب وهو أن استعمال الشوكة في أوروبا في القرن 11 كان علامة من علامات النبل والارتقاء الاجتماعي، وأن هذه الشوكة التي لا يعيرون لها الاهتمام اليوم كانت محلّ تجاذب وخلاف بين أنصار القديم والجديد، حسم في الأخير لصالح أنصار النهضة والتقدم. وتعجب الطلبة كيف يكون للشوكة كلّ هذه المكانة في التاريخ الأوروبي وهم لا يعلمون!.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الجامــــع الأخــضــــر منـــــارة الـتـعـلـيـــم الـمسجـــــدي البـــاديســــي

أ. عيسى عمراني / عرفت الجزائر قبيل الاحتلال الفرنسي حركة دينية وعلمية واسعة، فبلغ عدد …