الأثنين 9 شوال 1441ﻫ 1-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | اتجاهات | هــــل ينتـصـــر ابــن بـــاديـــس أو ينكــســـر؟

هــــل ينتـصـــر ابــن بـــاديـــس أو ينكــســـر؟

عبد العزيز كحيل /

المسألة تتجاوز شخص الإمام لأن اسمه أصبح رمزا للأصالة والذود عن ثوابت الأمة، كم من مرة أريد له ان ينكسر فانتصر، انتصر هو ومن يمثله وما يمثله، فكيف يكون الأمر هذه المرة؟ خصومه ازدادوا شراسة وانتقلوا من التلميح واللمز والإيماء إلى الهجوم الواضح والمكر الكُبار، بدأ ذلك حين صرحت حميراؤهم المدللة في كتاب «جزائرية واقفة الصادر سنة 1995 بأن ابن باديس هو الأصولي الأول le premier intégriste، وها هي جريدة «انحيازات» التي تصدرها وزارة الثقافة تخصص في عددها الأول موضوعا لابن باديس كله انتقاص منه، وبين الحدثيْن مواقف وتصريحات ووقائع تهدف إلى تغييب مشروع الإصلاح وتاريخه ورموزه حتى لا يكون لها حضور في مشاريع التغيير المختلفة التي تعرفها الساحة الجزائرية سياسيا وثقافيا واجتماعيا، مع السعي الحثيث إلى خلق رموز جديدة تُستدعى من حقبة ما قبل الفتح الاسلامي تارة ومن الأطراف المناهضة لكل ما هو عربي وإسلامي لفرض واقع جديد تبرز فيه بجلاء القطيعة مع الثوابت والشخصية المتميزة وتتجدد فيه التبعية لفرنسا بشكل من الأشكال لأننا – مع الأسف – ما زلنا نعاني التجاذب بين مشروع باديس ومشروع باريس، الأول تنخرط فيه الأمة المسحوقة، والثاني تتبناه الأقلية الساحقة، والملاحظ أن الأنظمة المتعاقبة منذ الإستقلال تتكلم عن الإصلاح والتغيير وتقدم للرأي العام مشروعات مختلفة لكنها ترفض تمكين الشعب من اختيار مشروع المجتمع، وتتولى هي – أي النخب المتحكمة – الفصل فيه فوقيا وقسرا، سواء بذرائع الشرعية الثورية أو الدستورية أو الانتخابية بميكانيزماتها المعروفة، وهذا ما جعل البلاد لا تنعم بالاستقرار الضروري لتشييد دولة المؤسسات وبعث التنمية، فعلى سبيل المثال شهدت الجزائر شهرا كاملا من النقاش «الحرّ» حول ما سمي الميثاق الوطني سنة 1976، لكن النقاش كان محصورا في الجزئيات بينما سُحب منه مشروع المجتمع من أول يوم على أساس أن «الاختيار الاشتراكي لا رجعة فيه» !!!مع أن الشعب لم يختره في قليل ولا كثير، وما زالت الإملاءات الفوقية تحكم الحياة الايديولوجية تحت مسميات شتى، وكلها بعيدة عن ثوابت الشعب وعمقه.
لقد توارثت أغلبية الشعب ما كانت عليه جمعية العلماء من أصالة منشدّة إلى الاسلام والعربية، متفتّحة على العالم وما فيه من أفكار وفلسفات واتجاهات مختلفة، وبعيدة كلّ البعد عن التقوقع على الذات فضلا عن التشدّد والعنف، وهي تعرف التمايز بين الثقافتيْن الاسلامية والغربية من غير إنكار القواسم المشتركة بين البشر والحضارات، وبدأ الشعب الجزائري غداة الاستقلال يستعيد نمط حياته المنبعث من قيمه وأخلاقه وتاريخه، وهو ينخرط في درب الحداثة المنضبطة بهذه القيم والأخلاق فيتبنّى – كما هو شأن أيّ عاقل – كلّ جديد نافع ويستزيد من العلوم المختلفة ويتعلّم اللغات الحيّة، كلّ ذلك في إطار تديّن مصبوغ بالصدق والاعتدال الذي عُرف به المذهب المالكي من قديم، وهكذا تميّزت تلك الفترة بإقبال كبير من جميع الفئات على التعلّم، وبفتح عدد ضخم من كتاتيب تحفيظ القرآن الكريم، كما تميّزت بتوافر الأخلاق الكريمة في الفضاء العام، وخاصة بحياء المرأة وتعفّفها وحرصها الشديد على الخُلُق الرفيع الذي لم يكن عائقا أمام دخولها مجال التعلّم بقوّة متزايدة ثم بعد ذلك في ميدان العمل العام، لكنّ النخبة العلمانية التغريبية عملت على صبغ الحياة صبغة غربية – اشتراكية تارة وليبرالية تارة أخرى – عبر محاصرة المجتمع ثقافيا وإعلاميا وسياسيا حتى يتغيّر نمط الحياة الفردية والأسرية والعامة فبدأت موجة من الانحطاط تطال الأخلاق واللغة والذوق بالإضافة إلى حملات لوضع الأصالة في قفص الاتهام لأنها مناقضة للتقدم بزعمهم وعائق في طريقه.
هذا التمسّك بالأصالة أثار دعاة التغريب من أوّل يوم فناصبوه العداء على المستوى الرسمي والمجتمعي، فكان التضييق على علماء الدين وازدراء حجاب المرأة والدعوة إلى حرقه والتمكين للفرنسية على حساب العربية وحشر التديّن والمسجد في الزاوية الضيّقة وإفساح المجال للأقلية الإيديولوجية التي تربّت على عين فرنسا لتُخرج الجزائريّين من «ظلمات التراث والتقاليد» إلى”أنوار» الحداثة والرقيّ ، وبلغ التغريب ذروته غداة الانقلاب على التجربة الديمقراطية في 1992 حيث أسفرت النخبة العلمانية عن وجهها بكل جرأة وبدأت التخطيط المنهجي والتنفيذ الميداني لتحويل المجتمع من الأصالة التي يستمسك بها إلى نمط الحياة الغربية المتوحشة، واستعانت بأدوات العولمة الطاغية فأغرقت البلاد بالفكر الانحلالي وزيّنت للشباب التحرّر من الأخلاق والانغماس في الملذّات المحرمة، وأمطرت الناس بمصطلحات جديدة مثل «الأمهات العازبات» و «الأزواج الشباب»، ودافعت بشراسة عن الانحرافات الخلقية كالإفطار في رمضان وتناول الخمر باسم الحرية الشخصية، وزيّنت التحوّل إلى النصرانية بذريعة حرية المعتقد، وأقحمت المرأة في متاهات الحياة المادية كي لا يبقى لها وقت تخصّصه لأسرته،ا حتى كدنا نفقد مفهوم الأسرة،تماما كما هو الشأن في الغرب.
بل بلغ الأمر حدّ تغريب أسماء المواليد الجدد، فبدأت القضية بنبذ الأسماء العربية والإسلامية لإحياء أسماء ما قبل الفتح الإسلامي ثم تطوّر إلى إطلاق أسماء الغربيين مثل صندرا وليليانا وسيلفي، كلّ هذا نكاية في المرجعية الوطنية الأصيلة، وفي الجزائريين سمّاعون للدعاية التغريبية التي تكاد تحتكر المجال السمعي البصري والمكتوب باستثناء أصوات قليلة مستهدَفة تتمسّك بالثوابت وتقاوم الغزو الثقافي برادة قوية وإمكانيات ضعيفة.
وفي السياق ذاته لم ينجُ يوم الجمعة من الحملات التغريبية لتعويضه بيوم الأحد كعطلة أسبوعية تماشيا مع «القيم العالمية»، ولعلّ من أخطر ما نجح فيه التغريب إسقاط الآداب العامة التي كانت خطّا أحمر بالنسبة لنا ، وها هي الكاميرا المخفية والسكيتشات المنتشرة على الفضائيات تقطر مجونا وسخافة ونبذا للذوق الرفيع، فيها كل ما هو منحط من السلوكيات والألفاظ والإيحاءات .
فماذا يحمل لنا المستقبل القريب في طياته؟ مهما يكن سينتصر ابن باديس لأنه مشروع رباني.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مؤتمر إسعاف القدس شارك فيه عدد من علماء العالم الإسلامي  / حصـــار الاحتلال وكورونا.. حملة لإسعاف القدس

ما بين “حصار الاحتلال وكورونا” تزداد معاناة سكان القدس، فمع ما تتعرض له المدينة المقدسة …