الأثنين 9 شوال 1441ﻫ 1-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | على بصيرة | صلــــوات فــي محـــراب ليلـــة القــدر

صلــــوات فــي محـــراب ليلـــة القــدر

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

يا رب !
سكنت في الكون، كلّ ماديات وشرور الحركة، وبدأت على أنقاضها سكونيات البركة.
إنّها ليلة القدر! إنّها حصاد العمر، وما أدراك ما ليلة القدر، إنّها خير من ألف شهر.
وسرّ عظمة هذه الليلة، أنّها محطة لقاء العاشقين للعدل الإلهي، الهاربين من الاضطهاد البشري، الذي يطارد الحب، والعدل، والقيم الإنسانية.

ينتظر عشاق العدل الإلهي هذه الليلة، بفارغ الصبر، ليجربوا مصفاة تجلي صفاء النفس، بعدما ران عليها، طيلة السنة من أدران المادة، وظلامية الظلم، وطغيان قانون البطن، كي تغدوا النّفس صافية، نقية مشرقة.
وعندما، تحلّ ليلة القدر في ظروف خاصة، كهذه التي تلفنا، ممثلة بكابوس ليل داج، مما أحدثته جائحة الكورونا، وأعانها على ذلك مكر من يمكرون، وقتل من يقتلون، وقمع من يقمعون، تصبح لليلة القدر معان إضافية.
هكذا تعاني الأمة من الأحابيل المنصوبة لذوي الحقوق المغصوبة، فيتضاعف الحزن والألم، ولعلّ من ذلك الحزن والألم تولد الرحمة، وهذه خاصية إنسانية كبرى يعلمنا إياها الصوم بفلسفته السامية العميقة.
يقبل المؤمنون، على محراب ليلة القدر -إذن- وقد ضاقت أنفسهم مما عانوا ويعانون، فهم يلهجون بالصلوات والتسابيح، في هذا المحراب الأسمى الفسيح، ليحققوا عملية الإخلاء ثمّ الملإ.
فما أحوج أمتنا الإسلامية اليوم إلى التحرر ممّا تعانيه، فتطرد الضرر بجلب المنفعة، واتقاء الرذيلة باكتساب الفضيلة، وإنّ في فلسفة الصوم لعبرة، وإنّ في محطة ليلة القدر لفكرة.
فلو تأمل بنو قومي أبعاد حكمة الصوم، ومعاني العروج إلى محراب ليلة القدر، بالعزم والحزم، وبالدعاء والاستغفار، وتجديد العهد على قطع الفاسد من العلائق، لأدركوا أنّ ليلة القدر، محطة حاسمة، تفتح كل سنة للمعذبين، والمضطهدين، للقيام بعملية تأمّل دقيق وعميق، في واقع الذات، للإقدام على الترميم العصبي للجسم، بالذكر والفكر، والشكر.
إنّ الألم جامع للمتألمين، وإنّ المصائب تجمع المصابين. وأمام ألم المعاناة من الوباء، وإشاعة ظلم الأقوياء، وتسلط وجشع الأغنياء، لابد من اتحاد المستضعفين الشرفاء، لإعادة نشر الإخاء والصفاء، والحيلولة دون انتشار الوباء والداء.
إنّ التعبد في محراب ليلة القدر، وتصعيد الصلوات إلى السماء، يتطلب القابلية للدعاء، وتصفية القلب من كل أنواع الأنانية والرياء، وعقد العزم على فتح صفحة بيضاء.
وينطبق هذا على طفيليات كثيرة تمثلها فيروسات شتى، فهناك فيروسات الكورونا، التي تدب إلى الجسم الهش، الذي فقد حصانة الذات وهناك فيروس الجشع، الذي ينفثه جسم، خلا من القيم، وفقد كلّ معنى للذّمم، وكفر بمبادئ الإنسان والأمم. فإذا أضفنا إلى هذه الفيروسات كلها أنواع من فيروسات الاستبداد، وظلم البلاد والعباد، تبيّن لنا كم ذا يكابد المؤمن الصادق، والمسلم الحاذق، بسبب ما سلط عليه من عائق.
فيا رب!
سبّح بحمدك كلّ كائن حي، ولهج بذكرك كلّ مؤمن طيّع أبي، فهب لنا من لدنك الولي الذي يعيد البسمة والأمل لكلّ كائن حيّ، ويثبت الصادقين من عبادك، على أن يقفوا في وجه كلّ جبار شقي، وكلّ ظالم عتيّ.
إنّنا وقد حرمنا، نعمة الحرية والمسير، ومزية تلقي العلم اليسير، ومخالطة المساجد بالمدارسة، والتسبيح، والتكبير، فإنّ القلوب يوشك أن يغلفها الصدى، وأنّ الأبدان توشك أن يعمها الرّدى، والعقول قد تتنكب عن طريق الهدى.
ثبتنا اللهم، على الحق الثابت الذي يكون لنا حصنًا نقاوم به ألوان الغزو، والعدوان، والمسّ من الشيطان، كي نتمكن من إنقاذ الأوطان، وحماية الإنسان، والإبقاء على وجود البلاد والعباد مع الديّان.
حوّل اللهم يأسنا إلى أمل، وخذلاننا إلى عمل، وأعنا على التخلّص من كلّ الأمراض والعلل، وذلك بفقه مغزى الصوم، بأبعاده الإنسانية، والاجتماعية، والأخلاقية، والدينية، فإنّ تهلك هذه الفئة المؤمنة، فسيحل بدلها الظلام والظلم والظلامية، ويا له من أمر عسير، وسوء مصير!
إنّنا بالرغم من كلّ هذه الدياجي الليلية التي تستبد بأمتنا بسبب كبرائها وأمرائها، فإنّنا سنظل ثابتين، يحدونا الأمل في أنّنا قادرون على تغيير الحال إلى أحسن حال. إنّنا قوم نؤمن بأنّه بعد العسر يسرا، وإنّ الليل سينجلي بصبح، وأن العاقبة للمتقين.
غير أنّ من صلواتنا في محراب ليلة القدر، أننا بالإضافة إلى الذكر، والشكر، والدعاء، والاستجداء، يجب أن يصاحب ذلك علم وفهم، ودين ويقين، وعزم وحزم، إذ لابد من اتخاذ الأسباب قبل التوجه إلى الخالق الوهاب بالدعاء المستجاب.
فصبرا يا أمتي، على شدة العناء، فسيأتي الرخاء، وصبرًا على البلاء فسيعفيه الرجاء، والصفاء، والإخاء.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[سورة آل عمران، الآية 139].
لقد عانت أمم قبلنا، ذلّ المجاعة والبلاء، ومحنة الغزو والاعتداء، وشراسة الاستبداد، والابتلاء، وكيف كتب الله لها النّصر، بعدما فقهت الأسباب، واتخذت لذلك العدة، والعتاد، والدخول من أوسع الأبواب.
تلك سنة الله، وتلك سنة التاريخ، ولن نجد لسنة الله تبديلاً، ولا لسنة التاريخ تحويلاً.

عن المحرر

شاهد أيضاً

إشراق القلوب تضامنا مع ضحايا الحق المغصوب

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عندما نُخضع، مقاصد العبادات في الإسلام …