الأثنين 9 شوال 1441ﻫ 1-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | الحدث | روافـــد العبادة  في زمن الوبــاء

روافـــد العبادة  في زمن الوبــاء

د. جميلة بلعودة نور الدين /

إذا كان الجمال هو الإطار الذي تتشـكل فيــه الحضارة، وترى فيــه النفس البشريـة جواذب القيمــة والمعنـى. فــإن العبــادات هي روافــد للتطهر والارتقــاء بالروح إلى الكمــال المغري بالصعـود، جــذبًا للخلود. ومن هنــا، تصبح الشعائر التعبدية محطات فاصلــة، تدفع بالجهود نحو الانجاز والفعل المؤثــر، وتحقيق المقصد السماوي الأرفـع. ذلك أن العمل هو قوة الدفـع في معركة الفضيلــة، ومحصلــة بنــاء المستقبل الخالد. يعتبـر شهر رمضان صبغــةً نورانية تزين المؤمن بأنوار الكلمة الربانيـة، وتصعد بأشواقـه إلى تطلعات السماء، ومن هذا المنطلق، فإنَّ العبادة في منظور القرآن، تشمل حركة الحياة كلها، وما الشعائر الكبرى سوى محطات روحيــة، للتلون في مختلف مظاهر العبوديــة. فقـد كان الصحابة (رضي الله عنهم) ينظرون للحياة بعين العبودية، إذ لا فرق بين الوقوف في محراب الصلاة عن لحظة الجهاد في سبيل الله. وقــد شاءت الأقدار أن تأتي هذه الشعيرة في سيــاق غير معهود، حيث يحاصر الوباء حركة الإنسان، خاصة في ظل إغلاق بيـوت الله، فهل هذا الحصار يقلل من المردود الروحي في معركة السعي الخالد؟
إنّ معركة السعي في بناء الفعل الصالح، تقتضي النظر بعمق في أبعاد العبادات الشعائريــة، والمقصد الأسنى من وراء هذه الروافد العبادية. ومن ثـم، بنــاء الجهد المؤثر في إعادة إحياء البعــد الرسالي للبيت المسلـم، وواجباتـه العبــادية، وتعميق البعد الاجتماعي، وبالنظر في مستجـدات الواقـع، فإنَّ هذا الوباء، فرض استثنـاءً على الأمــة، منتقيـًا من البيوت مسجــدًا مباركًا للذكر والعبادة، وعليـه، فإنَّ هذا الوباء لم يحاصر المسلم في عباداته، وإنما أعاد برمجة خطـة العبــادة في ضوء هذا الابتلاء. وما على المسلم إلّا اقتحام العقبات، ومقاومــة الظروف، لتكون دافعــًا للايجابيــة، والتحرك نحو الطاعة والترقي في مقاصد العبوديـة، والتأمل الواعي في حركة الحياة ومنجزاتـها الأخلاقية. بغض النظر إن كان هذا الوباء، رحمة بالإنسانية حتى تستعيد عافيتها الروحية، أم إنذار يفتح منـافذ الوعـي للتبصر في عواقب الأفعـال، تبقى إضاءات القرآن تغذي الأمل لمزيد من الانتصار الأخلاقي، يقول تعالى:﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾[النور: 11].
خلاصــة القول، أنَّ هذا الابتلاء سوف يفرز واقعًا جديدًا، وقــد يكون مؤشـرًا لولادة واعية لنموذج إنساني يطلبــه الله لوظيفتـه الاستخلافية. والخروج من منطق العبثيـة الماديـة، والعودة بالذات إلى محراب العبوديــة. فإذا كانت الصلاة أعلى مراتب العبودية وجوهرها، ومعراجها الروحي، فوحدها قادرةً أن تجعل المسلم يحيا بمقاييس الرفعة، ويسالم الحق والخلق، والتخلص من جميع التشوهات الفكرية والقلبية التي تعطل جهاز الوعي عن عمله المثمـر، وتفقد الإنسان فعاليته الأخلاقية. والتحرر من جواذب الأهواء ومقاومة الشهوات الأرضيــة. وعبر جهود المسلم المستقيمة تتحدد خطــة البنـــاء والإنماء الجميل لعناصر الحياة. فمن كان يتبنى حقيقة الصلاة في روحه وعقله وحسّه، فلا يؤثر فيـه مكان العبادة، ذلك أن الهدف أن تعيد هذه الروافد العبادية، تشكيل الذات وفق صياغـة مستقيمـة، ويكون الصيام حركـة تدريبيــة لتحسين مردود الإنسان في جميع الأداءات الوظيفيــة في الحياة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمعية العلماء تستعد لاستلام 1000 جهاز تنفسي من كوادر جزائرية بأوروبا

أ. محمد مصطفى حابس جنيف/سويسرا / لقد تفاعلت الجالية الجزائرية في ديار المهجر منذ بداية …