الأحد 15 شوال 1441ﻫ 7-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | على بصيرة | أيـــام من شـهــر مــايــو لها تاريخ

أيـــام من شـهــر مــايــو لها تاريخ

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين /

 

إنّ للأيام، في هندسة المبنى، وفلسفة المعنى، إيحاءات، ودلالات ومقولات، فهي أشبه ما تكون بجذوع الشجر، ومعادن الحجر، وأصول البشر. فمن الأيام، ما تضيق به فلسفة الزمن، كما يقول برغسن في وجدانيته الروحية، أو تؤكد إنية الإنسان، أو كما ما يذهب إليه هيدغر الألماني، في سبحاته الوجودية. هناك اليوم البئيس التعيس الذي يظلم نهاره، وتتلاحق أوزاره، ويشتد أوّاره، وتأفل كواكبه وأقماره، وهناك –على العكس- اليوم الأنيس، الذي تضاء فيه الفوانيس، وتزف فيه العروسة للعريس، ولذلك نتفاءل ببعض الأيام، ونتشاءم ببعضها الآخر، لأن الأيام مرايا عاكسة لوقائعنا، وتطورات حياتنا.
من هذا المنطلق، ترسم الأيام أحداث التاريخ، الأبيض منه، والأسود، والأحمر، فتأتي الشهور مثقلة أحيانا بالأيام البيض، وأحيانا أخرى بالأيام الملبدة بالدماء، المجللة بالأوشجة السوداء.
تعايش الفلاسفة، والأدباء، والمؤرخون مع الأيام والشهور، فتفاعلوا معها سلبا، وإيجابا. فقد شهد يوليو في جزائرنا حادثة الكبوة، وأفاقنا نوفمبر على أذان الصحوة.
وإلى هذا المعنى أشار شاعر الثورة مفدي كرياء، حين قال:
إن كان يوليو في الشهور كبابنا ***فشفيع يوليو، في الشهور، نوفمبر
وتأمل المفكر التونسي أبو القاسم كرو، وقائع شهر مايو، فوصفه بأنه شهر الدماء والدموع، وأضيف أنا، بأنه أيضا، شهر الضياء والشموع، والعرق والطلوع.
وما دمنا نعيش شهر مايو، فمن حقه علينا أن نخضع أيامه للتفكير والتفسير، مادامت الأيام شبيهة بالنقود «تداولها بين الناس».
يستيقظ الكادحون عندنا، في الفاتح من مايو، على معزوفة الحصاد، حصاد الحقل، وحصاد العقل، وخلد هذا اليوم بيوم العرق والأرق، وفاء للعضلات المفتولة، والمنتوجات المعسولة.
ويصحو المؤرخون، والمثقفون، على يوم الخامس من مايو، فتطالعهم ذكرى ميلاد خير جمعية أخرجت للناس، بما زرعته في الجزائر، من أمل بعد يأس، ومن بداية وعي في عقول الناس، وهي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
ويطل على الجزائر، يوم الثامن من مايو، فإذا شمس الربيع قد أظلمت، وإذا خصوبة الحقول قد أجدبت، وإذا جفون الأناسى قد اغرورقت.
إنه كما وصفه إمام البلاغة محمد البشير الإبراهيمي: «يوم مظلم الجوانب بالظلم، مطرز الحواشي بالدماء المطلولة، مقشعر الأرض من بطش الأقوياء، مبتهج السماء بأرواح الشهداء، خلعت شمسه طبيعتها فلا حياة، ولا نور، وخرج شهره عن طاعة الربيع فلا ثمر، ولا نور، وغيبت حقيقته عند الأقلام، فلا تصوير ولا تدوين» (الأعمال الكاملة، ج3، ص332).
إنه الرسم بالدماء والدموع، لمجازر 8 مايو، التي تعجز الأقلام عن رسم فضاعتها، وهي الناطقة، بأدق معاني البلاغة في اتجاه عقول الجيل الصاعد من أبنائنا حتى لا ينسى، فيأسى، ويستخلص العبرة والدرس.
وتتوالى أحداث شهر مايو، فيحل علينا يوم الخامس عشر من مايو، بشؤم النكبة الكبرى، نكبتنا في فلسطين، وعدوان الصهاينة المعتدين، ومن شايعهم من المتواطئين، والمتخاذلين.
إنه يوم أسود في تاريخ الجزائر، يضاف إلى حلقات السلسلة التاريخية المتباينة الإشراق والإغراق. إنه التاريخ الذي ظل ينزف إلى يومنا هذا، وكما يقول الشاعر نزار قباني:
ستون عاما يا كتاب الهوى ***ولا يزال الدرب مجهولا
ستون عاما يا كتاب الهوى ***ولم نزل في الصفحة الأولى
فإذا عدنا، بعد يوم النكبة إلى يوم النخبة، أي يوم 19 مايو، ظهر لنا الأمل والعمل في يوم الطالب، يوم هجر الطلبة المئزر، والطبشور، وقرروا الالتحاق بالنسور، لحاقا لحماية الثغور.
إن يوم التاسع عشر من مايو، سيظل –دوما- نداء الضمائر الحية، لإيقاظ النخب الطلائعية، من أجل التكفل بالمصير والقضية.
ولا نغادر شهر مايو، دون تسجيل وقفة اعتبار، وتذكار أمام اليوم العشرين من شهر مايو، وهو اليوم الذي أفل فيه نجم عالم الجزائر، ورائد نهضتها العلمية، الإمام محمد البشير الإبراهيمي.
فهذا الرمز العلمي، حري بالجزائر أن تخلد اسمه، كما خلدت اسم الإمام عبد الحميد بن باديس، فقد واصل الإبراهيمي، المشوار بعد الإمام ابن باديس، فأعلى البناء، وعطر الأرجاء بمواقف الشجاعة والإباء.
إن هذه الوقفات التي تتراءى لنا اليوم، في شهر مايو، ونحن نعاني محنة الوباء، لتوحي في النفوس بالكثير من التألم والعناء.
1- أولى المعاني المستقاة، أن نركز في عقول أبنائنا من الجيل الصاعد قيم الوفاء، لمن كانوا سببا في ما ننعم به من أمن وإباء، وما يجب أن نعمل على اكتسابه من استقرار، وإخاء ورجاء.
2- يراودنا حلم، في أن نغتنم فرصة إحياء ذكرى الإمام الإبراهيمي بعد أيام، فتعلن دولتنا، عن إطلاق اسمه على المسجد الأعظم، ليكون حاملا لاسم العالم الأعلم.
3- المعنى الثالث، هو الدعاء بأن يجتاز وطننا، هذا الابتلاء بالوباء، باتخاذ الأسباب الناجعة، والتزود بالثقافة الوقائية النافعة.
4- أن يُخضع حكام أمتنا العربية والإسلامية، التجارب الماضية على اختلاف أنواعها، للتحليل، والتعليل، كي يعيدوا، تخطيط السبيل، والنأي بالأمة عن كل أنواع التضليل والتقتيل، والتنكيل. ذلك هو الدعاء الذي نتضرع به إلى الله في شهر الضياء والدموع والدماء.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الأمّـــة العــربـيــة الـمغبونة في زمن «الكورونا»

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ويح قادة الأمّة العربية من التاريخ! …