الأحد 15 شوال 1441ﻫ 7-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | حوار | البـــروفيســـور عبــد الكــريــم عــوفـــي فــي حـــوار مع البصائر

البـــروفيســـور عبــد الكــريــم عــوفـــي فــي حـــوار مع البصائر

تعميم استعمال اللغة العربية معناه جعل العربية تؤدي دورها الطبيعي

كثير من صوّر المسخ الإعلامي أساء للغة العربية

 

حاوره: أ.حسن خليفة /

 

عبد الكريم بن علي عوفي،تاريخ الـميلاد 1951/12/10م،باولاد عوف،باتنة، الجزائر. أستاذ اللغويات وتحقيق التراث، تخرج في جامعة الجزائر عام 1993م .عمل في جامعتي قَسَنْطِينَة وباتِــنَة بالجزائر، ثم في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، و جامعة الملك خالد بأبها. ترأس المجلس العلمي لكلية الآداب واللغات في جامعة باتنة، وله عضوية في الهيئة المشتركة لخدمة التراث العربي في معهد المخطوطات العربية –جامعة الدول العربية، ونائب جمعية المخطوطات الجزائرية، وعضو الأكاديمية الأمازيغية الجزائرية، وله عضوية في عدد من الجمعيات العلمية، والمجلات العلمية المحكمة، وحكَّم أبحاث الترقية لعدد من الجامعات في الوطن العربي، وله من المطبوعات خمسة كتب، وأربعون بحثا ومقالا منشورة ؛ في اللغويات والتراث المخطوط، وشارك في أزيد من خمسين ندوة ومؤتمرا وملتقى وطنيا ودوليا، وأشرف على ستين رسالة علمية للماجستير والدكتوراه، كما شارك في مناقشة أكثر من مائة رسالة علمية.اقتربنا منه وكان هذا الحوار .

أنت أحد الدارسين والباحثين في المجال اللغوي واللساني..أرجو أن تضعنا في الصورة فيما يتصل بهذا الأمر. أعني أين وصل الأمر في مجال البحث العلمي للدرس اللغوي واللساني العربي، على مستوى الجامعات العربية ؟
– يشهد الدرس اللساني العربي تطورا ملحوظا منذ خمسينيات القرن الماضي، وازداد أكثر مع بداية الألفية الثالثة، ولاسيما في الجامعات، فبدايته كانت مع استقدام العلماء من الغرب للتدريس في الجامعات العربية، وكذا إرسال البعثات الطلابية إلى الجامعات الغربية، وكانت من آثار تلك الحركة ظهور مجموعة من الباحثين أمثال محمود السعران، إبراهيم أنيس، كمال بشر، محمود فهمي حجازي، تمام حسان، عبد الرحمن أيوب، وغيرهم ممن نقلوا مناهج الدرس اللغوي إلى جامعاتنا من خلال محاضراتهم وأبحاثهم الأكاديمية، وتأليف الكتب، ولكن نشاطهم العلمي أخذ طابعا حداثيا فلقي استهجانا من العلماء التراثيين الذين رأوا في العلم الوافد من الغرب ضررا على تراثنا ولغتنا، وبقي الحال كذلك حتى وقع نوع من التحرش الفكري بين التراثيين والحداثيين، وهذا التفكير ساد معظم الجامعات العربية في البلدان الخليجية والمغاربية، مع فارق في التأثر بالتيارات الغربية، إذ نجد أثر الاتجاه الأنجلو سكسوني في المشرق عامة ولاسيما في مصر والشام والخليج، وأثر الاتجاه الفرنكوفوني في المغرب العربي خاصة، وهو أكثر تأثرا وتأثيرا.
وقبل بداية الألفية الثالثة أي في ثمانينيات القرن الماضي أخذ الدرس اللساني مكانة في الجامعات العربية، واتسم بالتفتح على الدراسات اللسانية الغربية، وهو ما نجده في آثار تمام حسان وعبد الرحمن الحاج صالح وعبد القادر الفاسي الفهري وعبد السلام المسدي وعبد الصبور شاهين وسمير استيته، وغيرهم من الأساتيذ الجامعيين الذين كان لهم الأثر الطيب في تلاميذهم الذين حذوا حذوهم في الأخذ بالمناهج الغربية؛ دراسة وترجمة وتأليفا، مع التنبيه أن بعض الجامعات المشرقية منعت مدة من الزمن التفتح على الدراسات اللسانية والأسلوبية والمناهج الغربية، وحرمت الطلبة والباحثين من الاستفادة من آفاق الدرس اللساني والنقدي الذين تطورا في الغرب، وإنصافا للحقيقة فإن الجامعات المغاربية ومنها الجزائرية فسحت المجال في برامجها للدراسات اللسانية، وخصصت لأفرعها المختلفة مقاييس، بل شعبا في الماستر والدكتوراه، وغدت تمنح رسائل علمية وتنجز أبحاثا في مختبراتها في اللسانيات العامة واللسانيات العربية واللسانيات التطبيقية واللسانيات الوظيفية والحاسوبية والعرفانية، والتداولية، وتحليل الخطاب، والحجاج، وهو منحى يفتح أمام الباحثين أفقا فكريا يسمح لهم بتقديم إسهامات لسانية جديدة تخرج دائرة البحث العلمي من الجمود ونمطية التكرار للدرس اللساني العربي، ولكن للأسف فإننا نجد اليوم بعض الباحثين باقين على الاحتماء بالتراث (وهو أمر مشروع)، وضعوا حاجزا بينهم وبين الجديد في الدرس اللساني، وهو أمر غير منطقي، وفي مقابل ذلك نجد بعض المنسلخين عن تراثهم يلبسون عباءة الوافد ويقطعون صلتهم بموروثهم، وكلا الفريقين مجانب للصواب، فالبحث العلمي الراقي منزه عن هذا التشنج، والتأثير والتأثر حاصل في جميع اللغات والثقافات والحضارات، ولذلك فإن جامعاتنا بحاجة إلى رؤية علمية ذات طابع شمولي.
هل تعتقد أن الجهود الخاصة بتعميم «العربية» وتوسيع دائرة انتشارها، من خلال تعليم العربية لغير الناطقين بها..قد أتى أكله ؟
– تعميم استعمال اللغة العربية معناه جعل العربية تؤدي دورها الطبيعي في المجتمع باعتبارها لغة وطنية رسمية، بل قومية، ويمكن الحديث عنه من زاويتين :زاوية داخلية، فالجزائر لغتها العربية ودينها الإسلام، أولت عناية للغة العربية وجعلتها لغة التعليم في المراحل المختلفة، ورأت أن لاتنمية بشرية في المجتمع إلا باستعمال اللغة العربية وترقيتها مع التفتح على لغات أخرى لاكتساب العلوم والمعارف التيكنولوجية، وذلك عن طريق الترجمة والتعريب وسك المصطلحات العلمية، وقد أصدرت الجزائر قوانين كثيرة لتعميم اللغة العربية في المجلات المختلفة وتعريب المحيط، مع مراعاة خصوصية الازدواجية اللغوية (التعدد اللغوي) والحفاظ على الهوية الوطنية، لكن ظروفا كثيرة في المجتمع حالت دون تعميمها،بعضها يرجع إلى السياسات التي يتبناها بعض المسؤولين،لأنهم ينطلقون من إيديولوجياتهم وولاءاتهم للاتجاه الفرنكوفوني، وهذا الأمر يعرفه العام والخاص، ولذلك فإن تعميم استعمال اللغة العربية في الجزائر بقي رهين التجاذبات السياسية والإيديولوجية ولم تؤت ثماره كما رسمت أهدافه،أما في البلدان العربية الأخرى فتعميم استعمال العربية فيها يختلف نسبيا عما في الجزائر، لكن طغيان سلطان العاميات وتأثير التكنولوجية الحديثة أصبح يشكل خطرا على العربية الفصحى، فوسائل التواصل الاجتماعي خلقت لغة هجينة (العربيزية -فرانكو أراب )أخذت تسري في ألسنة العامة والخاصة في غياب المجامع اللغوية والرقيب الذاتي لمستعملي اللغة العربية.
أما الزاوية الثانية فأعني بها تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وهذه المسألة أولتها البلدان العربية أهمية كبرى لأنها ضرورة ملحة للتواصل الفكري والثقافي، بل لكون العربية لغة القرآن الكريم وتعليمها للأجانب من الواجبات الرئيسة التي ينبغي أن يقوم بها أهل العربية لأجل خدمة الدين الإسلامي، والبلد الذي له السبق في العناية باللغة العربية وتعليمها لغير الناطقين بها وإنشاء معهد متخصص لهذا الغرض هو السودان، الذي أنشأ معهد الخرطوم الدولي للغة العربية في منتصف القرن الماضي ثم تطور وخرَّج مدرسين متخصصين في طرق تعليم اللغة العربية، ثم ظهرت معاهد لنفس الغرض في مصر وسوريا و الأردن والمملكة العربية السعودية والجزائر والإمارات وقطر والعراق واليمن والمغرب وتونس، ولهذه المراكز والمعاهد امتداد في الدول الغربية والأوروبية والأمريكية والأسيوية التي تنتشر فيها الجاليات العربية والمسلمة، وإن اختلفت هذه المعاهد والمراكز قوة وضعفا، وذلك لتباين المناهج المتبعة فيها وعدم التنسيق بينها والإفادة من علم اللغة التطبيقي في بدايات نشأتها (اللسانيات التطبيقية /التعليمية)، ولكنها أخذت تتطور مع نهاية الألفية الثانية، مستفيدة من نتائج اللسانيات التطبيقية والديداكتيك في إعداد المدرسين وتعليم العربية للأجانب كلغة خاصة، إما كلغة اقتصادية وسياحية موجهة للسوق، وإما باعتبارها لغة الدين الإسلامي، وهو الهدف الأسمى من تعليمها لغير الناطقين بها، وأشير هنا إلى أن نجاح هذه المعاهد والمراكز يتوقف على التخطيط والسياسات اللغوية التي تتبعها الدول العربية، وأعود إلى الجزائر لأذكر أن جامعاتنا شهدت نشوء عدة معاهد في بداية الثمانينات من القرن الماضي.
في وطننا الجزائر كيف تقرأ وضع العربية وقد مُنعت من الاستخدام الواسع وقُيدت بقوانين ظالمة ؟
– وضع اللغة العربية في الجزائر أرى أن الصراع الذي وقع بعد الاستقلال في القرن الماضي واستمر بتغذية أطراف نافذة في السلطة ممن لهم اتجاه فرونكوفوني معاد للعربية مازال أثره ساريا في المجتمع،وللأسف الشديد فإن التغييرات التي أدخلت على المدرسة الجزائرية كان لها وقع على الاستعمال اللغوي، إذ أُصيبت منظومتنا التربوية بانتكاسة وأثرت على الحياة العامة في المجتمع وخاصة اللغة العربية، فنحن نعاني من التعدد اللغوي (الازدواجية، والتبعية الاقتصادية والتعليمية والاتجاهات الإيديولوجية والسياسية، إن الجميع يتذكر القوانين التي أصدرتها السلطات بشأن تعميم استعمال اللغة العربية وعُطِّلت من الأقلية المتسلطة إداريا،التي تعمل بخبث ودهاء، وفي الطرف المقابل نجد الأكثرية المعربة تتفرج ولا تعمل، وإن عملت فلا تحقق شيئا، لأن الأمر بيد غيرها، وحتى لا تكون نظرتي سوداوية فإني أقول : ثمة جهود كبيرة تبذلها المؤسسات التعليمية ولاسيما الجامعات وكذا المراكز البحثية التي تُعنى بتطويرها.نأمل أن ترى الأبحاث المنجزة طريقها إلى التطبيق الفعلي في الميدان، وأن تعالج الوضعية اللغوية بتفعيل القوانين التي صدرت بشأن التعريب وتعميم استعمال العربية ثم جُمِّدت، وأن يُعاد الاعتبار للمجمع اللغوي الجزائري، وتؤدي مؤسسة الترجمة والتعريب والوزارات المعنية بالأمر دورها على أكمل وجه.
بصراحة…كيف تقرأ «الضعف اللغوي» الكبير لدى مجاميع طلاب وطالبات الجامعات؟
– موضوع الضعف اللغوي عام في الجامعات العربية، دُر سكثيرا وعُقدت له مؤتمرات وملتقيات وندوات في مختلف الأقطار العربية والإسلامية، شاركت فيها وزارات كثيرة، ومؤسسات أكاديمية وتربوية ومجامع لغوية، وأساتذة وخبراء وإعلاميون، وغيرهم. لكن الضعف بقي يراوح مكانه إن لم أقل أخذ يزداد تمكنا من ألسنة أبناء العربية؛ طلبة ومدرسين وأولياء.ولذلك فإن الحديث عن الضعف اللغوي ينظر إليه من حيث العوامل المشتركة في وجوده، كالأسرة، والمدرسة، والمعلِّم، والمتعلِّم، والوسائل، والمجتمع، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغير ذلك مما يتفرع عن هذه العناصر التي لها صلة بالمتعلم في مراحله التعليمية من الابتدائي إلى المرحلة الجامعية،وأثر ذلك على المجتمع عامة.
ويتعذر الحديث عن العوامل السابقة كلها وكيف أثرت على ضعف الطلاب، ولكني أشير إلى عامل رئيس وهو الإطار التعليمي الذي يعد من أسباب الظاهرة،إذ الأستاذ يعتمد كثيرا على التلقين –ولاسيما في المشرق العربي- فهو يهتم بالجانب النظري في تعليم القواعد النحوية، ويهمل الجانب الوظيفي الحيوي الذي يمكن من اكتساب مهارات الاستعمال اللغوي.
إن الأستاذ الذي يدرس بالعامية، ويسكت عن الأخطاء النحوية واللغوية والأسلوبية والإملائية وعلامات الترقيم التي يقع فيها طلبتهم في أوراق إجاباتهم وعروضهم وأبحاثهم، وكذا قبوله الاكتفاء بالمحاضرة وعدم توجيه الطلبة لقراءة الكتب لاكتساب الألفاظ والأساليب الراقية التي تمكنه من التعبير الصحيح ونقل أفكاره، ولاينصح طلابه بتلخيص المحاضرة أو كتابة رؤوس الأفكار، ويمنح الدرجة للطلاب على العروض والأبحاث التي ينجزونها دون تصحيحها ليستفيدوا من أخطائهم، و يمنح علامة الامتياز للجميع، الضعيف والمتفوق على حد سواء، لا يمكن أن يخرج طالبا قويا في لغته وفكره ومنهجه، وكذلك عقم طرائق التدريس، والتمسك بالمناهج التقليدية،والتدريس بالعامية، والمتعلم بطبيعة الحال يحاكي معلمه،كما أن لوسائل التواصل الاجتماعي أثراخطيرا في انحطاط المستوى اللغوي لدى طلابنا، لأنهم يستعملون اللغة العربيزية (فرانكو أراب) وهي لغة هجينة، وللأسف يستعملها أيضا كثير من الكتاب والأساتذة، ويوظفها الطلبة في أوراق إجاباتهم أحيانا، وهذا الاستعمال اللغوي يمتد إلى البحوث والرسائل الأكاديمية، وهو يشكل خطرا على اللغة العربية،فظاهرة الضعف اللغوي عند طلابنا تتحكم فيها عوامل كثيرة غير التي أشرت إليها لا يسمح المجال لتفصيل القول فيها.
فلتحدثنا عن الجزائر وقد كنت أستاذا في جامعاتها لمدة طويلة.
– ما ذكرته سابقا عشته مع طلابي في المشرق، وكنت أظن أن طلابنا أحسن حالا، وفعلا كان الأمر كذلك، لكن في السنوات الأخيرة عمت ظاهرة الضعف اللغوي والفكري وانتشرت في كثير من جامعاتنا، وفي رأيي أن نظام ( ل.م.د) أثر على المنظومة التعليمية عامة في الجزائر، كنا في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي نطبق مناهج وبرامج تعليمية مقبولة، يتخرج الطالب وهو على قدر عال من التحكم في اللغة والتفكير السليم، لقد كنت معك في معهد الآداب بجامعة منتوري في قسنطينة، لم نعرف هذا التردي في المستوى عند طلابنا في الليسانس، وللأسف فإن التردي امتد إلى طلاب الماستر بل الدكتوراه، طالب لايقرأ خلال مساره الجامعي كتابا واحدا في مقرر(مقياس) واحد، الطالب يقنع بملخص الأستاذ أو مذكراته أو محاضراته، وينجح (وكيف ينجح؟)، يحصل على الماستر ويدخل مسابقة الدكتوراه فينجح بمعدل( 0.80)ويعين أستاذا مشاركا يدرس مع أساتذته ومشرفه , فهو لا ينقل علما،بل ينقل ضعفا إلى الطلاب وهكذا تستمر حلقات الضعفمن مرحلة تعليمية إلى أخرى، ولذلك فإن أو كد الأمور التي ينبغي أن تقوم بها الأسرة التربوية عامة هي القيام بثورة في المنظومة التربوية، وخاصة الجامعة لتغيير برنامج (ل.م.د) الذي كان تطبيقه إساءة للتعليم الجامعي، وأحسب أني لا أجانب الحقيقة.


كيف يمكن أن نفهم هذا الهجوم الكاسح على اللغة العربية في وسائل الإعلام العربية، باستخدام «الدارجة»(وهي في الأصل دارجات ولهجات)…على نطاق واسع في جميع البرامج تقريبا..؟ هل هناك خلفية ما لهذا ؟وبمَ تنصح ؟
– العلاقة بين اللغة والإعلام علاقة تلازم، وهي أزلية، لأن اللغة وسيلة الاتصال الأولى التي استعملها الإنسان في تواصله،ولأهميتها بحث في نشأتها وتطورها اللغويون والفلاسفة والفقهاء، وغيرهم.
واللغة تنمو وتزدهر وتقوى إذا كان الإعلام يحوطها بالقداسة والرعاية المستمرة، وتنكمش إذا انفلت ولم يُراعِ حرمتها وقداستها. وقد كانت العربية تمثل النموذج الإعلامي في تبليغ الرسالة السماوية، ساهمت في انتشار الثقافة العربية والإسلامية ونقل العلوم والمعرفة، وتدوينها، وعندما ظهرت الطباعة في العصر الحديث كان للإعلام دور خطير في تنشئة أفراد المجتمع، عن طريق الصحافة المكتوبة ؛ من صحف ومجلات ودوريات، إذ عملت هذه الوسيلة الإعلامية على إشاعة الثقافة في أوساط الجماهير الشعبية ونشر الوعي ؛ تربويا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وأدبيا ورياضيا، خاطبته بلغة عربية فصحى لا تشوبها شائبة، ثم كان للإذاعة والقنوات الفضائية لاحقا دور أكثر تأثيرا، صقلت ألسنتهم بفضل ما تقدمه من مواد متنوعة في برامجها المختلفة، الثقافية والأدبية، والتاريخية، والاقتصادية، والتربوية، والاجتماعية، وغيرها فأحدثت وشائج وصلات قوية بينها وبين أفراد المجتمع.
أما ما وصل إليه الإعلام من تطور بعد ظهور الشبكة العنكبوتية وما أتاحته من خدمات ؛ عبر مواقع التواصل الاجتماعي فلا يقل أهمية عن الوسائل الإعلامية التقليدية، إذ قربت المسافات وجعلت العالم قرية كونية صغيرة يلتقي عبرها الناس في أي وقت يشاؤون، ولأنها تقدم معلومات في مناحي الحياة المختلفة ؛ كتابة ونطقا وسمعا وصورة في آن واحد.هذه صورة ناصعة لعلاقة اللغة بالإعلام، لكن مما يؤسف له أن الإعلام في وقتنا الحاضر تنكر للغة العربية فأصبح أكبر هادم لكيانها، وذلك عندما أحل لنفسه هتك سترها وكسر القيود التي تضبطها باستخدام العامية ؛ كتابة وصوتا ورسما، فوسائل الإعلام اليوم ؛ إذاعة وتلفزة وصحفا (المسموعة والمرئية والمكتوبة ) تستعمل لغة عامية وهجينة ومولدة، تحررت فيها من القواعد بدعوى مخاطبة الجماهير الشعبية بلغة واقعية وموضوعية وبسيطة ومهذبة وموجزة، وليتها فعلت ذلك حقيقة، كلنا نسمع ونقرأ ونشاهد ما آلت إليه العربية في ألسنة المذيعين والصحفيين، وهم ينطقونها مشوهة،ونرى كيف ترسم في الصحف والمجلات،بل وفي الكتب الروائية والقصصية، وفي الأشرطة السفلية للقنوات الفضائية، وفي مواقع التواصل الاجتماعي (العربيزية / أراب فرانكو)، وغير ذلك من صور المسخ في غياب الرقيب الرسمي، المتمثل في وزارات الإعلام والثقافة والتربية والتعليم العالي والمؤسسات المعنية بترقية اللغة العربية.
أما خلفية هذه الظاهرة التي تنخر جسم العربية الفصحى فمعروفة وأسبابها كثيرة،يأتي في مقدمتها دعاة العامية،وتساهل الجهات المسؤولة عن الإعلام في توظيف الإعلاميين دون توفرالشروط المطلوبة فيهم،وعدم إخضاعهم للدورات التكوينية، والسكوت عن أخطائهم، ومعالجة هذه الأسباب وغيرها يمكن أن يرد للغة الإعلامية بريقها، فهناك دعوات تدعو إلى استعمال لغة وسطى (بيضاء) في الإعلام تقترب من الفصحى وتترفع عن العامية المبتذلة مع مراعاة القواعد الأساسية للعربية الفصحى أنتجت لنا تراثا فكريا متنوعا راقيا في القوالب اللغوية التي صب فيها، تراث لا يقل أهمية عما عرفته اللغات العالمية.
كيف نفسّر طغيان « المناهج الغربية/ الحداثية « في مقاربة اللغة العربية لدى الأكاديميين والباحثين والنقاد العرب؟
– تأثير المناهج الغربية الحديثة في منظومتنا الفكرية العربية ظاهرة عامة في مناهجنا الدراسية، ولاسيما العلوم الإنسانية، واللغة هي الآلية التي تنقل الفكر ووسيلة الاتصال، ونحن اليوم نعيش عصر العولمة و التكنولوجية، والعالم أصبح قرية صغيرة تتحكم فيها الثورة التقنية التي لم نتحكم فيها بالقدر المطلوب، ولذلك فإن تأثرنا بالمناهج الغربية جعلنا منقادين غير متحررين في فكرنا، إذ لم نساير المقاربات المنهجية والنقدية واللسانية في مسارنا البحثي بما تقتضيه قواعد التفكير المنطقي والموضوعية في جامعاتنا ومؤسساتنا البحثية،بل وحتى الأفراد خارج المؤسسات العامة حالهم لا يختلف عن أقرانهم في المؤسسات الرسمية، والمنجزات الفكرية على اختلاف أنواعها لا يمكن نكرانها عندما نقيم الحصيلة العلمية التي أُنجزت في الخمسين سنة الماضية، فهي كثيرة ومتنوعة، ولكنها تبقى محدودة الأثر ولا تعكس ما نطمح إليه، ولا أجانب الصواب إذاقلت :إنه يغلب عليها استنساخ ما عند الآخر وتكرار الماضي، والدليل على ذلك أننا لا نجد ملامح نظرية لسانية عربية،أو نظرية أدبية ونقدية في مقابل ما نقرأه في الدراسات الغربية، نعم لدينا أسماء لامعة سجلت حضورها في مجالات كثيرة بآرائها اللسانية والأدبية والنقدية والبلاغية والمعجمية ولكنها غير كافية، فأسماء مثل مندور، ونهاد الموسى، وقباوة، والمتوكل، والفاسي، والمسدي، والحاج صالح، وتمام حسان، وعصفور، والغذامي، وغيرهم كثيرون لهم بصمات واضحة في المجالات التي كتبوا فيها.
وفي الجزائر أذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض الأعلام الأدبية والنقدية التي أسست للحركة الأدبية والنقدية منذ نهاية الألفية الثانية حتى يومنا هذا، وأتوقع أن تؤسس لاتجاه لساني ونقدي جزائري له خصوصيته في المجال المغاربي، منها : عبد المالك مرتاض، واسيني الأعرج، السعيد بوطاجين، عبد الحميد بورايو، عامر مخلوف، آمنة بلعلى، يوسف وغليسي،عبد الحميد هيمة، علي ملاحي، سعد بوفلاقة، حسين خمري ، ابراهيم صحراوي، وهناك أسماء أخرى كثيرة لها حضور متميز.ولاسيما في الحقل اللغوي، كالمرحوم الحاج عبد الرحمن صالح، وبشير ابرير، ومسعود صحراوي، عبد الجليل مرتاض، مصطفى حركات، وخولة الإبراهيمي،….ولاننسى الجيل الجديد من اللسانيين في الجامعات الجزائرية الذين نشطوا في السنوات الأخيرة وأنجزوا مجموعة من الأبحاث في اللسانيات بأفرعها المختلفة – * أرجو التركيز هنا على «النقد» ومناهجه الكثيرة التي تعمل على تغييب جمال العربية ورائق تعبيرها بدعوى « النص المغلق» أو»دراسة النص من الداخل «إلخ
النص من الداخل أو الخارج أو ما يسمى بالنص المغلق والنص المفتوح من المصطلحات النقدية التي أفرزتها الدراسات النقدية الأوروبية خاصة في الأربعينات من القرن الماضي بزعامة جوليا كريستيفا، ورولان بارت وغيرهما، ومفادهما أن النص المفتوح متحرك يؤثر ويتأثر، وهو ينتهي بفاصلة أو ثلاث نقاط،بدل النقطة، والروائيون المعاصرون يزعمون أن النهاية المفتوحة قابلة لتأويلات كثيرة، أما النص المغلق فهو عالم قائم بذاته ليس له علاقة مع ماهو خارج عنه، والنقاد يرون أن هذه الظاهرة معقدة وصعبة، وهي خاصية في اللغات الأوروبية، فالقضية مرتبطة بما سبق ذكره من تبني المناهج اللسانية والنقدية التي نبتت في بيئات نصوصها تختلف عن نصوص بيئتنا، وقد ذكرت بأنه لا ينبغي أن ننغلق على أنفسنا، نقرأ المناهج الغربية ونستفيدمنها فيما يخدم تراثنا عامة، وكذلك نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ففي هذه المناهج آليات فكرية تعيننا على قراءة نصوصنا واستخراج منها ما غاب عنا وعن أسلافنا، ولكن لا نسقطها كلية كما هي، ولذلك فإن من يتعاطى من النقاد مع نصوصنا ويسقطها عليها فكأنه يجعل النص العربي كالنص الأنجليزي أو اللاتيني أو الصيني او الألماني، فدراسة النص من الداخل أو النص المغلق تأتي محاذيره من هذه الزاوية الإسقاطية، لأن الناقد يستبعد خصوصيات العربية في تحليله للنصوص فيفقدها قيمتها وجماليتها، ونقادنا كانت لهم اليد الطولى في هذا المجال حين تعاطوا مع النصوص على اختلاف أنواعها.
ألا ترى في الانخراط الشامل للباحثين في ذلك ما يسيء إلى العربية،قصدا أو دون قصد ؟
– صحيح، وللأسف هذا المنحى أخذ منذ مطلع الألفية الجديدة يتوسع، وقد تبناه جيل الشباب وبعض كتاب الرواية والنقد، ولاسيما على الشبكة العنكبوتية، وكذا بعض الجامعيين من طلبة الدكتوراه الجديدة (ل.م. د) في غفلة مشرفيهم (الحكم لايعمم)، تقرأ روايات ومقالات ورسائل ماجستير وماستر ودكتوراه وكأنك في عهد المولدين، أفرغت العربية من سماتها في مستوياتها المختلفة.وهذه الظاهرة يُفترض أن يعالجها الأساتذة الجامعيون والنقاد المتميزون، وأصحاب الأقلام الجادة في المجلات والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي،لأن كثيرا من هذه الكتابات تبدأ إرهاصاتها ضعيفة وتوظف فيها مصطلحات وعبارات يتبناها أصحابها دون وعي بمضامينها وقوالبها التي صيغت فيها، فإذا عُولجت في البداية ووُجه أصحابها تتحسن أقلامهم وترتقي كتاباتهم.
ماهي نصيحتك لأقسام اللغة العربية وآدابها في الجامعات الجزائرية..؟
– لا أقــــدم نصيحـة لزملائي في أقسام اللغة العربية فهم أدرى مني بالدور المنوط بهم، وإنما أذكر بأن هذه الأقسام هي قطب الرحى في الجامعة، ولذلك فإننا جميعا معنيون بالحفاظ على اللغة العربية وترقيتها، لغتنا تتسم بأسرار جمالية وفنية بحكم تفاعل أفرعها النحوية و البلاغية والأدبية والنقدية وصلتها بالعلوم البينية الأخرى، هذه الأقسام هي التي تعد الإطارات المتخصصة في اللغة العربية وآدابها لتلبية حاجة المجتمع في مجالات كثيرة ,كالتعليم بمراحله المختلفة والثقافة والفكر والسياحة و الإدارة والإعلام، وغيرها من المتغيرات الطارئة، كالتخطيط اللغوي والسياسات اللغوية والحوسبة وتعليمها لغير الناطقين بها، لقدكانت هذه الأقسام إلى وقت قريب متميزة في تخريج طلبة وأساتذة يتمتعون بنوعية التكوين، نطمح اليوم إلىتحقيق جودة عالية في تعليمنا تمكننا من المساهمة في إنتاج المعرفة ومواكبة المعطيات الحضارية، ولغتنا العربية هي أساس هويتنا وتراثنا ونهضتنا .
كلمة أخيرة.
– قد يبدو للبعض أن في حديثي مسحة تشاؤمية أو تجن على الزملاء، والحقيقة ليس كذلك، إنما غيرتنا على لغتنا التي أعزها الله وأنزل بها كتابه المبين هي التي جعلتني أشخص حالها لنستدرك ما أصابها بفعل عوامل داخلية وخارجية، فاللغة العربية بخير، والخيرون من أبنائها ممن يعملون على ترقيتها وتطويرها كثر، نسأل الله أن تكون اللغة العربية في هذه السنة الجديدة أكثر رقيا وازدهار ا.
شكر الله لك أخي الأستاذ حسن خليفة إتاحة هذه الفرصة لي للتفاعل مع جريدة البصائر الجديدة وقرائها، كل عام والجزائر في خير وعزة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتــــور مـختــــار حـمحــــامــــي فــــي حــــوار لـ”البصائر”:

“نمتــلك شـــرف الإســـلام والتــاريخ البطولـــي الشامخ واستراتيجيــــة الجغرافيــــا للبنــاء الحضاري والتفـــوق”     حاوره: جـمال …