الرئيسية | على بصيرة | تأملات في المنظومة التربوية: الآفة التي هي أخطر من أختها/ د.عبد الرزاق قسوم

تأملات في المنظومة التربوية: الآفة التي هي أخطر من أختها/ د.عبد الرزاق قسوم

 

تتوالى، على شاشة، الملهاة الوطنية القاتمة، صور، الحلقات المظلمة، لسلسلة، ما أصبح يعرف عند بعض الظرفاء، بالمظلومة التربوية.

فهذه المنظومة التربوية، المظلومة، ما فتئت تُخرج لنا، وتَخرج علينا بأنواع من الآفات، تكون كل آفة، مقدمة فاسدة، لما هو أخطر منها، ويجار المرء، في نوعية الإخراج، ونمطية المخرج. فكأنما الأمر يتعلق بملقن متخصص في نشر الفتنة، وإشاعة البلبلة، وإفساد الاستقرار الأمني، للرأي العام الوطني.

إن سلسلة الفضائح، التي صاحبت منظومتنا التربوية، تجعل الوطني الصادق –محكوماً كان أو حاكماً- يتساءل: ما جدوى هذه الآفات، التي تعكر الماء، فتجعله آسناً ثم تصطاد فيه.

فالآفة الكبرى، التي دشنت سلسلة الفضائح، كانت فضيحة البكالوريا، بتسريب الأسئلة، في أكثر من دورة، ثم البحث بعد ذلك عن التبرير، والترقيع.

ثم جاءت فضيحة الكتاب المدرسي التي جعلت الحليم حيراناً، عندما وضعت أمام الطفل الجزائري البريء، صورة العدو الصهيوني الغاصب، في الخريطة الجغرافية، بدل الأرض الفلسطينية المقاومة، باسم فلسطين، وما صحب ذلك من تزييف للتاريخ، بجعل استقلال الجزائر، قد تم بفضل الاستفتاء الذي نظمه المستعمر الفرنسي، وليس بفضل تضحيات شعبنا طيلة مائة وثلاثين سنة من الجهاد ضد هذا المستعمر نفسه.

ثم كانت آفة استبدال اللسان العربي المبين الذي به نتلو القرآن، ونطل على العالم، ونحقق به العالمية، استبدال هذا بلهجات عامية هجينة، لو تحققت، للجأنا إلى تراجمه لتفاهم أطفال تلمسان، مع أطفال تمنراست، وهم أبناء الوطن الواحد.

وتوالت بعد ذلك سلسلة الآفات التربوية، حتى وصلت إلى حذف البسملة من الكتب المدرسية، وها نحن اليوم أمام نزع الخمار، والجلباب، والنقاب، بحجة محاربة الغش، والكشف عن هوية الطالبة.

هكذا –إذن- تتوالى سلسلة الفضائح والآفات التربوية، وما ترينا المنظومة من آفة إلا هي أكبر من سابقتها. فكيف بعد كل هذا، يريدوننا أن نسلم بمبدأ الخطإ؟

فهل يصح في الأذهان، أن تتم كل هذه الأخطاء، بعد كل أنواع المراقبة الجماعية للمشروع التربوي بدء بالمؤلف، والمراقب، والمفتش، وانتهاء بالمسؤول الأول عن القطاع؟ إلا إذا كان الجميع يعانون من ذُهال نفسي، وهزال عقدي، وفصام وطني؟

ويحدث هذا كله، وسط، الوضع الحرج للجزائر، وسفينتها، تصارع عباب التأزم الاقتصادي، والاضطراب الاجتماعي، ممثلين في الغلاء، والوباء، والفساد والكساد، والتضخم والتكتم، فتجيء هذه الآفات التربوية المشؤومة، لتضيف “الكبريت” إلى الزيت.

وما يحز في نفوسنا أكثر، هو أن ينبري من بين صفوفنا، من يتصدى للدفاع عن هذه الفضائح، ويبحث –عبثاً- عن تبرير اللوائح.

فإذا قمنا، بتقديم النصائح للمسؤولين عن القطاع التربوي، أن كفوا عن مثل هذه الاستفزازات، فكفى الأمة ما تعانيه من بطالة وعطالة، وما أصابها من بلاء وشقاء، ينهال علينا، ممثلوا الفرنكوفونية، والفرنكوفيلية في جزائرنا، لينعتونا بكل الأوصاف المشينة، والنعوت المهينة، فنحن في زعمهم متعصبون، ومتشددون، ومتطرفون، بل وإرهابيون!!.

وثالثة الأثافي، أن يتصدى لنا، في دعوتنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر بعض المحسوبين على الزوايا المنحرفة، ليدافعوا عن منكر “حذف البسملة”، وآفة منع الخمار والجلباب والنقاب، مبررين ذلك، بالغش في الامتحان، يا سبحان الله!

اللهم إننا نبرأ إليك، من هؤلاء المنحرفين عن القوم الحقيقيين ممن لبسوا الصوف على الصّفا، وأطعموا البطن طعام الحفا، وتركوا الدنيا خلف القفا، وسلكوا سبيل المصطفى!

واللهم إننا نبرأ إليك، ممن اشتكت منه الجيوب، والقلوب، والدروب إلى علاّم الغيوب! وعجبنا أكثر، من صمت معظم أرباب الزوايا المستقيمة، مما يفعله باسمهم أصحاب الزوايا المنحرفة العقيمة، التي بدل أن تستتر خجلا، بعد أن ابتلت، تحت طائل الإغراء والإغواء، ها هي تتطاول على المصلحين الأصفياء، الشرفاء، وهم ينهون عن المنكر وينأون عنه.

ثم تعالوا بنا إلى دعاة الديمقراطية المزيفة، والحداثة المظلومة، هؤلاء الذين ملأوا الدنيا صراخاً، وعويلاً، دفاعاً عن حرية الإنسان، وحقه في التعبير عن رأيه ومعتقده، فهم يدافعون –باسم الديمقراطية المزعومة- عن الكركرية، والأحمدية، وباقي التيارات المنحرفة، ويضيقون ذرعاً بتدين الأغلبية، وما أولئك بالديمقراطيين.

ومأساة بعض إعلاميينا، وبعض مثقفينا، وحتى بعض متدينينا، أنهم أصابتهم الذبذبة الإيديولوجية، والضحالة الفكرية، والحرباوية السياسية، والانتهازية الثقافية، فلا هم من أهل اليمين، ولا من أهل اليسار، لأنهم لا يلتزمون بقيم أية فئة، وتلك هي الآفة الكبرى.

نحن نسجل في ختام كلمتنا هذه، أن معالي الوزير الأول، السيد أحمد أويحيى، قد انتصر للحق والحقيقة، عندما اعتبر حذف البسملة خطأً مطبعياً، وليكن! ومعنى هذا الالتزام بإعادتها إلى مكانتها، وتصحيح الخطأ المطبعي، في الطبعات القادمة.

ونحن مع الوزير الأول، بل لعلنا سبقناه إلى عدم التشكيك في معتقدات الناس أو تكفيرهم لمجرد الاختلاف معهم، ورائدنا في هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[سورة سبأ/ الآية 24]

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

جزائرنا، يا بلاد الجدود، إلى أين؟ /أ د. عبد الرزاق قسوم

  لقد طمّ الكيل، وفاض السيل، وعمّ البلاء والويل. تنوعت أساليب تعابيرك المستترة والظاهرة، يا …