السبت 14 شوال 1441ﻫ 6-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب الشريعة | الخلافات الزوجية تُنتِج في نفوس الأولاد أخطر العقد النفسية

الخلافات الزوجية تُنتِج في نفوس الأولاد أخطر العقد النفسية

الشيخ محمد مكركب أبران

خير ما نستهل به هذا البحث الوجيز في شئون الأسرة قول الله تعالى في الجانب الروحي والفكري من حياة الزوجين: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:21)

ثم نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام. عن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟، قال:[أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوِ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ [ص:245] إِلَّا فِي الْبَيْتِ]، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: في معنى: (وَلَا تُقَبِّحْ) أَنْ لا تَقُولَ: قَبَّحَكِ اللهُ] (أبو داود:2142) ومن الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف نعلم أن الرفق والمودة والرحمة لتحقيق التآلف بين الزوجين أهم ضمان لحفظ الشخصية المتوازنة للأولاد. كما أن الخلافات بين الزوجين تؤثر على الأولاد وتنتج في نفوسهم عقدا نفسية خطيرة.

1 ـ الخلافات الزوجية مرض نفسي: وهذا المرض يصيب أهل الغفوة من الأميين فكريا وفقهيا، ويبدأ الخلاف بالشك المقلق، عندما يبدأ أحد الزوجين يشك ويرتاب في سلوك الزوج الآخر، ويبدأ بالسؤال المتكرر عن تصرفه، إما شَكُّ الزوجة في زوجها، أو شَكُّ الزوج في زوجته. والمسؤول الذي يُوَجَّهُ لَهُ السؤال قد يرفض الإجابة، أو يُكَذِّب، أو يكْذب، أو يغضب، أو يهدد ويتوعد، ثم تبدأ الحرب النفسية الشرسة، في حين كان المفروض أن يسود حُسْنُ الظن، والصراحةُ، والكلمة الحلوة، لِتظلَّ جسورُ المودة والرحمة ممتدة بينهما، وحسن الظن يغلق مداخل الشيطان، ويسد نوافذ الوسواس ويشفى الظنان. قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾  وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال:[ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا] (البخاري:5143)

2 ـ أحسنوا الظن ولاتختلفوا فيختلف الأولاد: الخلافات الزوجية معاول هدم تضرب كيان الأسرة، وتقضي على راحتها وتهدد مستقبل الأولاد، نعم إن المتضررين من الخلافات الزوجية هم الأولاد وأولاد الأولاد، ثم المجتمعُ بأكمله، لأن كلَّ ضررٍ يصببُ خليةَ الأسرةِ يصيب المجتمعَ الوطني ثم المجتمع الإنساني العالمي. الخلافات الزوجية التي تظهر على الزوجين في شكل توتر وقلق  تنتج في نفوس الأولاد  أمراضا عصبية وعقدا نفسية يصعب علاجها إن طالت مع الأيام.

1 ـ إذا استمر التذمر والحقد والكراهية بين الزوجين، يزرع في نفوس الأولاد بذور الكآبة والانطواء والحساسية الغامضة، ويتحول سلوك الطفل ثم الغلام ثم الشاب من مشاكسة عفوية عصبية، إلى تمرد، أو توحد، أو انزواء ومحاولة انتحار، وقد يكون انتحارا معنويا عندما يرفض متابعة الدراسة، أو تتردي نتائج التعلم عنده، أو يسقط في رفقة الضائعين.

2 ـ إذا كان بين الزوجين  صراخ وعتاب بأصوات عالية أمام الأولاد، فإن هذا يورث الأولاد العنف النفسي وضعف الشخصية والانفجار بالبكاء في صغرهم، ثم يصابون بمرض خطير يمتد معهم وهو النظرة السوداء لكل ما حولهم، لأنهم يفقدون الثقة في الوالدين وهما أقرب الناس إليهم، ويصبحون لا يثقون في المجتمع، ومن حيث لايشعرون يصيرون معارضين للغير مهما كان هذا الغير.

3 ـ  أما إذا انتقل الخصام أو الخلاف إلى الضرب أو  الطلاق، فإن هذا ينقش في نفوس الأولاد اليأس رغما عنهم، إلا من يحفظهم الله بحفظه سبحانه، فإذا كان الولد كبيرا حينها يتأزم ويفقد قدراته المعنوية وقد ينهار. وإذا كان صغيرا فإنه يُخَزِّن في مكبوتات اللاشعور وتبرز في سن المراهقة وما بعدها، وقد يسقطه ذلك في مخالب الآفات الاجتماعية.

فالأصل أن الزوجين المؤمنين المتفقهين يتسلحان بالصبر والتسامح والحب العقلي، والتضحية في سبيل حفظ مستقبل الأولاد، ولكن لن يصلا إلى فهم هذا الكلام إلا عن طريق ندوات تدريبية مركزة هادفة وهادئة وهادية، من قبل متخصصين في علم النفس القرآني والسني.

3 ـ التماسك الأسري قوامه  المودة والرحمة: كيف يتم علاج الخلافات الزوجية من أجل أن يسود التماسك الأسري بدوام المودة والرحمة.؟ إنه سؤال أساس في معرفة التحصينات الوقائية من مرض الخلافات الزوجية. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ودوام الرحمة والمودة بفعل أسباب، واجتناب أسباب.

أولا: ما ينبغي فعله:

1 ـ  اليقين الإيماني، منذ البداية يعلم الرجل المتزوج أن مصيره مرتبط بزوجته التي خطبها ورضيها بإرادته، لأول مرة، وأنه ارتبط بها بميثاق غليظ فهي أمانة إن أساء إليها فقد خان الأمانة، وهي كذلك إن عصته ونشزت وفعلت مالا يرضيه فقد خانت الأمانة. وأن يقيما علاقتهما على الحب العقلي إن أحسا ببرودة الحب العاطفي، وعادة فإن الحب العاطفي الذي قوامه إشباع الرغبات النفسية كالاستعباد، والجمال المطيع، والمال الوفير بعير حساب، والحرية الأنانية إلى حد استباحة ما ترغب فيه النفس، فهذا الحب المادي لن يتحقق لأحد. وإنما الذي يدوم وهو من صفات الرجولة هو الحب العقلي، الذي يجعل الزوج أو الزوجة كل منهما ينظر إلى صاحبه بعين العقل، ويعامله بالقيم الإيمانية، وليس بالقيم المصلحية. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء:19) ففي الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي:{قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أَيْ: لِدَمَامَةٍ، أَوْ سُوءِ خُلُقٍ، مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ فَاحِشَةٍ أَوْ نُشُوزٍ، فَهَذَا يُنْدَبُ فِيهِ إِلَى الِاحْتِمَالِ، فَعَسَى أن يول الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ مِنْهَا أَوْلَادًا صالحين. قال القرطبي: قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ] أَوْ قَالَ (غَيْرُهُ). الْمَعْنَى: أَيْ لَا يُبْغِضْهَا بُغْضًا كُلِّيًّا يَحْمِلُهُ عَلَى فِرَاقِهَا. أَيْ: لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَغْفِرُ سَيِّئَتَهَا لِحَسَنَتِهَا وَيَتَغَاضَى عَمَّا يَكْرَهُ لِمَا يُحِبُّ.] (القرطبي:5/98)

2 ـ أن يلغي كل من الزوج والزوجة من ذهنهما التفكر في الفراق مهما كان الأمر أبدا. فأنت أيها الزوج إذا كنت خطبت بإرادتك، وكنتِ أنتِ أيتها الزوجة قبلت بإرادتك، فمصيركما معا طول حياتكما، فبهذه النية يسهل الله لكما العقبات ويفتح لكما البركات، وإن اختلفتما فبسبب تقصير منكما وخلل من خطئكما، والله تعالى قال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ من تساهل في طلب الفراق، كان ذلك دليلا على انهزامه، وضعف شخصيته، وأن الشيطان انتصر على رجولته. وهل يستحيل إصلاح ذات البين بين الزوجين إن وقع خلاف؟ مهما كان هذا الخلاف؟ والجواب: لا، فكل مشكل له حل، إن أراد الزوجان المتخاصمان إصلاحا.

3 ـ أن تكون الصراحة الأدبية بينهما، حيث يشرح ويفتح كل منهما قلبه لصاحبه، يعيشان حياة الصداقة الأمينة والمتينة، صداقة مخلصة قوامها الحب العقلي والود الإيماني، وبصداقة ملؤها الدعابة والفكاهة والمؤانسة.

4 ـ التعاون الجدي بينهما، تعاون بالتضحية والإيثار، خصوصا في تربية الأولاد، فالزوج يعتبر أن تربية الأولاد من مسئوليته وحده، وكذلك الزوجة تعتبر نفسها أنها هي وحدها المسئولة عن رعاية الأولاد. والزوجة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن ماله وبيته وأولاده.

ثانيا: ما ينبغي تركه:

1 ـ  ينبغي ترك كثرة السؤال والعتاب: لا ينبغي مواجهة الزوجين بعضهما  بالأسئلة التحقيقية، والعتاب المتكرر. وإن سئل أحدهما من طرف صاحبه فليصارح بما يقنع السائل، وأن لا يكذب، وأن لا يرفض استنكافا، وإن كان الأمر يتعلق بأسرار المهنة فليقل: بأنه كان ذلك بسبب القيام بواجب المهام في حدود ما يطمئن.

2 ـ ينبغي أن لا يصل الأمر بين الزوجين إلى التجسس والتحسس وتفتيش متاع الآخر، ولا ينبغي الاطلاع على هاتف الآخر أو المحفظة، أو التصنت عليه.

3 ـ ينبغي ألا يستعمل الزوجان شبكة التواصل الاجتماعي مع أجانب أبدا إلا لمن كان معروفا لدى الطرفين. ولا يجوز  تسجيل أرقام أجانب أبدا إلا لمن كان في اتصاله  يمكن أن يجيبه أحد الزوجين بكل احترام.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أمجـــاد رمضـــان

أ. د. ليلى محمد بلخير/    إن لرمضان وقعاً مؤثراً في قلوبنا، نحبه ونشتاق إليه، …