الرئيسية | كلمة حق | متى ترفع هذه الأمية الدينية؟

متى ترفع هذه الأمية الدينية؟

بقلم: أ.د. عمار طالبي

 

نرى بعض النّاس هذه الأيام يصلون جماعة خارج المسجد، وداخله، ويصرّون على ذلك إصراراً، يمكن حمل هؤلاء على نية حسنة إذ تراءى لهم أن ترك الصلاة جماعة أمر غير مألوف، سواء في صلاة الجمعة أو في الصلوات الخمس، وكأن الصلاة جماعة عادة اجتماعية لا يمكن التخلي عنها مهما يكن أمر الكوارث والأزمات أو أنّ الحماسة الدينية وقوة التّدين الشكلي أو غير ذلك دفعتهم إلى هذا.

ورغم الفتاوى الصادرة من جهات علمية موثوقة، وأيمة ذو رؤية مقاصدية للشريعة في نصوصها وروحها، من المقصد الشرعي في الحفاظ على النفس إذا ألمّ بالنّاس وباء أو حرب أو طاعون، وأن الحذر مطلوب في السلم والحرب وأن توقع الضرر أو وقوعه يحذر منه ويزال، وأنه لاضرر ولا ضرار، وأنّ من أجريت عليه عملية جراحية مثلاً يتنقل من الوضوء بالماء إلى التيمم إذا خاف أن يزيد مرضه، أو أن ينتكس، وأنه ليس على المريض حرج إذا عجز عن الذهاب إلى صلاة الجماعة في المسجد وأنه يفطر في رمضان إذا كان الصيام يضره ويقضى تلك الأيام التي أفطر فيها إذا شفي ، وإذا لازمه العجز والخطر فإنه يمكن له أن يطعم المساكين.

يمكن أن يقال إنّ هؤلاء لا ثقة لهم في الأيمة والعلماء، ولا ينصاعون لهذه الفتاوى، لكن هل هؤلاء الأيمة الثقاة أفتوا بذلك لمصلحتهم الخاصة أو استجابة لسلطان سياسي، أو رغبة أو رهبة، إنّ بعض هؤلاء أحرار لا سلطان عليهم مثل الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين وجمعية العلماء المسلمين، وكثير من من الايمة والدعاة والفقهاء، فلو أنهم أخطأوا لهبّ بعض العلماء للردّ عليهم واثبات خطإ هذه الفتاوى بالحجة والبرهان، إلاّ أننا لم نسمع أحداً ردّ عليهم، وما دام الأذان يقام في المساجد إذ لا ضرر يلحق المؤذن لانفراده، وتبقى المساجد مفتوحة لمن أراد أن يؤدي الصلاة منفرداً فالآذان شعار الإسلام، ووسيلة الإعلام بأوقات الصلوات لا يترك وجمهور العلماء لا يوجبون صلاة الجماعة في غير صلاة الجمعة.

وهذه المسألة مشتركة بين الأطباء والفقهاء، فقد أدى الفقهاء مسؤوليتهم وبينوا للنّاس أنّ الشرع يدعو لترك ما يتوقع من ضرر أو يتحقق منه.

ثمّ إنّ الأطباء أجمعوا في العالم كلّه وفي العالم الإسلامي وهم أطباء مسلمون ويجمعون أحياناً بين الطب والفقه والتدين أيضا، أجمعو على أن التجمع يؤدي إلى انتقال المرضى وأنه يجب لزوم المنازل، والبعد عن الاختلاط بالنّاس، بل وأنّ السفر والانتقال بدون سبب ضروري.

إنّ هذا الإصرار من بعض النّاس يدل على أمية دينية في المجتمع الإسلامي، وعدم إدراك وإلمام بالضروري من الدين، وأنّ التدين أصبح عادة شكلية لا فقه فيها ولا فهم لدى طائفة من المجتمع واسعة.

وهنا يأتي نظام التعليم والتربية، وما يبدو فيه من خلل في التكوين الديني والمدني، وكذلك الوعي الديني الشرعي في المساجد إذ أصبح كثير من الأيمة يقتصر على آداء صلاة الجمعة وخطبتها، أو إما عن الجماعة في الصلوات الخمس ثم يذهب إلى شؤونه .

أما محتوى الخطبة أو محتوى بعض الدروس فقد تكون بعيدة عن مشكلات المجتمع وحاجاته، وعن إفهام النّاس مقاصد الشريعة وغاياتها العليا، وخاصة في عصرنا هذا الذي أخذت الثقافات غير الإسلامية تسطو على المجتمع الإسلامي، وتهز أركانه من الداخل ولا نحسن الدفاع عن ثقافتنا، ولا نبث حقائق ديننا بأسلوب معاصر، وبثقافة معاصرة، أما أن تكون خطبتنا مجرد “كليشيهات” تردد وعبارات تتكرر بدون إفهام، ولا مخاطبة للعقل والنفس مخاطبة واضحة يدركها عامة الناس ، فهذا من العبث .

إننا في حاجة لتجديد هذا الخطاب وأسلوب الدعوة إلى الله، لتبليغها إلى النّاس مبينة توقظ الوعي، وتحيي الضمائر والبصائر.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ما هذه المآسي في سوريا؟

بقلم أ. د. عمار طالبي إن ما يحدث في سوريا عامة، وما يقع في إدلب …