السبت 14 شوال 1441ﻫ 6-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب الشريعة | منهج النبي الكريم في التربية والتعليم من آيات الذكر الحكيم (2)

منهج النبي الكريم في التربية والتعليم من آيات الذكر الحكيم (2)

الشيخ محمد مكركب أبران

بَيَّنَا في القسم الأول من منهج النبي في التربية والتعليم، مبدأين: وجوب تعميم التعليم، ووجوب إلزامية التعليم. وفي هذا القسم نبين إن شاء الله تعالى المبادئ التالية:

 مبدأ وحدة المنهج التربوي الشامل في المصادر والمضامين والأسلوب البيداغوجي العام: ومعنى وحدة المنهج التربوي أن يتعلم كل المسلمين من مشرب واحد من عيون القرآن والسنة والإجماع، كي لا تتعدد المذاهب والأفكار المدلسة. ففي الحديث: [دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ] (البخاري:7288) تدبر قول النبي: [إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ]فوحدة المنهج التربوي لأبناء المجتمع الواحد تعني أن يتربى النشء كلُّه بنفس القيم والفكر والمبدأ، وهذا يقتضي وحدة النظام التربوي على مستوى كل الوطن، إذْ ماكان الاختلاف بين المسلمين إلا عندما اختلفت مناهج ومنهجيات التربية والتعليم.

ولذلك أمر الله تعالى المؤمنين أن يأخذوا من الكتاب ولايتبعوا غيره أبدا. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:3) ومنهج النبي في التربية والتعليم هو الكتاب المبين، كما أكدت ذلك من قبل، وفي الحديث. عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، أنه سمع العرباض بن سارية، يقول: وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم – موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال:[قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ] (ابن ماجة:43) (على البيضاء) أي الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلا. حتى لا يقول شيخ مغرور أو متعلم متنطع (هذا منهجنا وحدنا نتميز به عن باقي المسلمين) فكل المسلمين يتبعون منهاجا واحدا هو القرآن وما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم:31،32)

ومن المبادئ التربوية النبوية التلازم بين العلم والإيمان: هذا أصل كبير في التربية والتعليم في المجتمع المسلم، لأن المدرسة عند المؤمنين لاتُعَلِّم للدنيا من أجل الدنيا وإنما تعلم للحياة الدنيا من أجل الآخرة، فيتخرج جيل يريد الآخرة ويسعى لها سعيها وهو مؤمن. بدءا من التعليم الابتدائي يتعلم الولد بأن مأمور بالتدين بأنواع من العبادات والأخلاق، وبدءا من التعليم المتوسط من السن العاشرة يلزم بالتطبيق، الصلاة، والحياء العملي بناء على الحديث:[استحيوا من الله حق الحياء] (الترمذي:2458)كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم الغلمان والشباب والرجال والنساء، يعلمهم الإيمان، والإسلام، والإحسان، والقيم الإيمانية، كالأخوة، والتواد، وفعل الخير، والتحية، والتطاوع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإماطة الأذى عن الطريق، والنظافة، وغير ذلك من القيم.

 عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ الله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ يَوْمًا، فقال: [يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ.]

(الترمذي:2516)

من مبادئ التربية النبوية: التربية الإيمانية: وهي تطهير القلب من الكراهية والحسد والأنانية والعجب، وسائر الأمراض، وملئه بالحب، بحب الله وحب رسوله وحب المؤمنين وحب الوطن، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (التغابن:11) ألا يجمل بالمؤمنين أن يتعلموا الحب في الله؟ الحب العقلي الإيماني، وليس حب المصلحة ولا الحب العاطفي الشهواني. عن قتادة، عن أنس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:[ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] (البخاري:15)

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: [لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ] قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: [إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ.] (مسلم:91)

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف:28)

 ثمرات هذه المبادئ التربوية في تعزيز وحدة المجتمع: وأذكرك بالمبادئ التي ذَكَرْنَاهَا وهي: تعميم التعليم، والإلزام به على الجميع لأن التعلم واجب قبل أن يكون حقا، ووحدة المنهاج الذي يجمع الأفكار والتوجهات على الصراط المستقيم، والتلازم بين العلم والإيمان، والتربية الإيمانية   بتطهير القلب من الأمراض وملئه بالقيم الروحية.

1 ـ الثمرة الأولى: إخراج الناس من فوضى الجاهلية إلى نظام الشريعة الحكيمة: لأن الهدف من التربية والتعليم في الإسلام أن يستقيم الإنسان كما أمر في الشريعة، ومن جملة فوضى الجاهلية التي يجب أن يتعلم الناس كيف يتخلصون منها: التفرق الطائفي والتعصب الْفِرْقِي المبتدع والحساسيات العرقية الجهوية المفتعلة كتلك التي كانت تدور بين الأوس والخزرج قبل الهجرة، إلى سماحة وعظمة الوحدة الأخوية الإنسانية الإيمانية. جاء النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم منهج تربوي ليقول للمتنازعين والمتعصبين: [دعوها فإنها منتنة] وليقول لهم: [المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا] كل المقاصد الحسنة نبلغها بالمناهج التربوية القرآنية.

2 ـ الثمرة الثانية: إخراج الناس من تقليد الزعامات البشرية إلى الاعتصام بالرسالة السماوية. فكانت تربية النبي عليه الصلاة والسلام بالقرآن. ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.﴾ (النحل:43،44)

الثمرة الثالثة: تخليص المجتمع من الأمية بكل ألوانها: الأمية القرائية والكتابية، والأمية المعلوماتية، والأمية الفكرية الإنتاجية، والأمية الحضارية. فالأمية القرائية: تعني الذي لايحسن القراءة والكتابة، وهذا هو معنى المصطلح المعروف والمتداول في فهوم العامة من الناس. والأمية المعلوماتية: وتعني الذي لايملك معلومات علمية، كالذي يحسن القراءة والكتابة، ولكن لو تسأله عن مساحة وحدود وطنه، قد لا يعلمها، أو تسأله عن مدن وعلماء وطنه، قد لا يعلم، أوعن تاريخه، أو عن القرآن والحديث وغير ذلك. والأمية الفكرية: تعني ذلك الذي يملك المعلومات ولكن لايحسن توظيفها لأنه أمي الفكر. والأمية الحضارية تعني ذلك الذي يفكر وينتج بفكره ولكنه ينتج الأفكار المستهلكة أي الفكر التقليدي، ويفكر للتحرك مثل الآلة، ليس له فكرا حضاريا مبدعا ونافعا ورافعا، لا يضيف للمدنية شيئا جديدا مفيدا ينفع الإنسانية.

فمتى يصل كل مسلم  إلى مرتبة أولى من العلم أنه يقرأ القرآن ويستطيع أن يعبر عن إسلامه  ومبادئه، بلغة القرآن، ويعلم الأحكام الأصلية لكل عبادة، ثم هو مثقف بخصوص مهنته أو حرفته أو المهام التي يقوم بها، يعلم تأصيلها من القرآن والحديث، ويعلم شروط العمل المتفق عليه.؟ هل هذا صعب أو مستحيل؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

أمجـــاد رمضـــان

أ. د. ليلى محمد بلخير/    إن لرمضان وقعاً مؤثراً في قلوبنا، نحبه ونشتاق إليه، …