الثلاثاء 10 شوال 1441ﻫ 2-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | وراء الأحداث | بين الفيروس المستجد والرئيس المستبد

بين الفيروس المستجد والرئيس المستبد

عبد الحميد عبدوس /

بسرعة كبيرة تحول فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19” ( بسبب تغير تركيبته الجينية) إلى فيروس مستبد، حيث استطاع بعد بضعة أشهر من ظهوره لأول مرة  في مدينة يوهان الصينية في نهاية العام المنصرم، إلى إحداث حالة طوارئ عالميه، وأجبر معظم الناس على الحد من حرياتهم، وتقليص تحركاتهم، وتغيير عاداتهم. وجاءت سرعة انتشار الوباء  بسبب ظاهرة العولمة والترابط العالمي الوثيق بين البشر وسهولة السفر بين البلدان، ووصل الرعب من تفشي وباء فيروس كورونا إلى حد تعليق الطواف والصلاة في الحرمين وبيت المقدس والصلوات في المساجد والكنائس والمعابد ومنع الأعراس والحفلات وغلق المطاعم والمقاهي والمسارح والمنتزهات،

ولأن فيروس كورونا المستجد (19-COVID) مازال يستعصي على العلاج بسبب عدم التوصل إلى اكتشاف لقاح فعال مضاد له، فإن الجهود والإرشادات الطبية موجهة حاليا إلى أساليب الوقاية منه بمنع الاختلاط، وتفادي التجمعات التي ينخرط فيها المرضى المحتملون والأصحاء من البشر، واتخاذ تدابير مكافحة العدوى، مثل غسل اليدين بالماء والصابون وتغطية الفم والأنف عند السعال بالمناديل الورقية أو قطعة من القماش، والتخلي عن العادات الشائعة بين معظم الناس كالمصافحة والمعانقات، وإخضاع جميع الحالات المشتبه فيها بقوة إلى الفحص الطبي، وعزل أولئك الذين ثبتت إصابتهم الإيجابية، مع تتبع اتصالات هؤلاء الأفراد الذين اقتربوا من تلك الحالات المؤكدة وإخضاعهم بدورهم في حالة العثور عليهم  للفحص أو العزل الطبي لاحتواء الفيروس.

ومع أن بعض الأشخاص الذين يصابون بالعدوى لا تظهر عليهم أية أعراض ولا يشعرون بتوعك، ويتعافى معظم الأشخاص (حوالي 80٪) من المرض دون الحاجة إلى علاج خاص، رغم ذلك يؤكد خبراء الصحة أن فيروسات كورونا أثبتت، بعد عقود من محاولات القضاء عليها، أنها عدو صعب المراس. إذ ينتمي فيروس كورونا المستجد إلى فصيلة فيروسات كورونا أو الفيروسات التاجية، التي تسبب مجموعة من الأمراض الأكثر شيوعا وصعوبة في علاجها، مثل نزلات البرد، التي لم  يوجد لها لقاحا فعالا أو علاجا شافيا حتى الآن، وكذلك متلازمة التهاب الجهاز التنفسي الحادة والفتاكة (سارس)، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية.

وصول عدوى فيروس كورونا إلى الجزائر كان عن طريق مسافرين قدموا إليها في  الغالب من فرنسا، وقد اتخذت السلطات الجزائرية  منذ البداية إجراءات وقائية لا بأس بها لمواجهة الوضع المستجد، وتكفلت بصورة سريعة بإعادة رعاياها من الصين، ثم من دول أخرى إلى الوطن، وتكفلت بنقلهم وإيوائهم خلال فترة العزل الصحي في فنادق فخمة، ولكنها تأخرت في اقتناء الأجهزة الطبية الخاصة بمواجهة هذا الوباء، مثل نقص أو انعدام  غسول اليدين، والقفازات، والكمامات الطبية، ومادة الكحول الجراحي، وهي المواد التي عرفت تهافتا كبيرا في الإقبال على اقتنائها، إضافة إلى ذلك كان هناك تخبط في إرشاد المواطنين إلى كيفية التعامل مع هذا الوباء المستجد، كأن يستمع المواطن ـ على سبيل المثال ـ في قناة تلفزيونية واحدة وفي أوقات متقاربة إلى معلومات أو تعليمات متضاربة عن كيفية الوقاية من الوباء  بين أطباء أو متحدثين يقولون للمواطن بأنه لكي يحمي نفسه من الفيروس لابد له  من ارتداء القفازات والكمامات، ثم يأتي بعده  طبيب أو متحدث آخر يخبره أنه يمكن الاقتصار على غسل اليدين فقط  وليس من الضروري ارتداء القفازات أو الكمامات لأن هذا الإجراء يخص فقط المصابين بالفيروس الذين تظهر عليهم أعراض الإصابة، ومن المتحدثين كذلك حول الفيروس من يقول للمواطنين أن الفيروس سيختفي تلقائيا بداية من شهر أفريل مع ارتفاع درجات الحرارة ثم يأتي بعده من يؤكد أن حياة الفيروس لا علاقة لها بحرارة الجو، بل أن ذروة انتشار الفيروس قد تبدأ في شهر أفريل وما بعده بعد ظهور العدد الحقيقي لحاملي الفيروس الذين انتقلت إليهم العدوى، أي أن الأسوأ  سيصل إلينا في قادم الأيام …وغير ذلك من الأخبار والتوجيهات الخاطئة عن طبيعة الفيروس وكيفية التصدي له.

غير أن التخبط في مواجهة فيروس كورونا المستجد لا يقتصر على الجزائر فقط، بل تعداه إلى الدول المتقدمة، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رئيس أقوى دولة في العالم كان في البداية يقلل من خطورة الفيروس، ويقول إن خطورته منخفضة، وأنه ليس أخطر من الانفلونزا الموسمية وسيختفي في أحد الأيام… وخاطب الأمريكيين بالقول: “سيذهب، ابقوا هادئين فقط، سيذهب”، وبعد أن كان يتهم خصومه الديمقراطيين وكبرى وسائل الإعلام الأمريكية بالمبالغة في إثارة الهلع، والتهويل في تخويف المواطنين، أصبحت بلاده تعتزم تخصيص مبلغ خرافي يقدر بتريليون دولار لمواجهة فيروس كرونا، كما أعلن يوم الخميس19 مارس 2020 أنه صادق على استخدام دواء الملاريا لعلاج كورونا، وقبل ذلك أكدت المجموعة الفرنسية المختصة في الصناعات الدوائية “سانوفي” استعدادها لتوفير ملايين الجرعات من دواء “بلاكنيل” المضاد للملاريا، ولكن رئيس فريق إدارة مخاطر العدوى بمنظمة الصحة العالمية أكد أن:” منظمة الصحة لا تنصح بتناول دواء بعينه لعلاج الفيروس، وأن لقاح “بلاكنيل” المضاد للملاريا الذي أعلنته شركة فرنسية كعلاج فعال لكورونا لا دليل علمي يثبت فاعليته، وكذلك فاعلية الأدوية المضادة للفيروسات أو عقاقير الملاريا ضد كورونا”.

وإذا كان فيروس كورونا وباء عالميا ينتقل من الحيوان إلى الإنسان، وقد ينتقل من الإنسان إلى الحيوان، يتعاون العلماء في أنحاء العالم للتصدي له والحد من انتشاره والبحث عن علاج له، فإن الرئيس الأمريكي لم يتورع عن اتهام الصين بالتسبب في تفشي ما أسماه “الفيروس الصيني”  لأنها تسترت عليه أولا، كما لم يوافق على رفع أو تعليق العقوبات التي تفرضها بلاده على إيران رغم خطورة الأوضاع الصحية في هذا البلد الذي يحتل المرتبة الثالثة عالميا في عدد الإصابات والوفيات من جراء هذا الوباء العالمي، ورغم دعوة بعض الدول له لرفع هذه العقوبات التي تحد من قدرة الحكومة الإيرانية على اقتناء وتوفير التجهيزات الطبية اللازمة لمواجهة فيروس كورونا المستجد، مما يجعل تصرفه هذا يدخل في إطار الجرائم ضد الإنسانية، وتشاركه في هذه الجريمة حليفته إسرائيل التي مازالت سلطاتها تفرض حصارا قاتلا على أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

ويبقى التخلص من هذا الوباء ورفع البلاء هو في الاعتماد على رحمة الله تعالى ولطفه والتمسك بالصبر واللجوء إلى الدعاء. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رمضـــــان وفــيـــروس كـــورونـــا الـمستــجـــــــد

أ. عبد الحميد عبدوس / مر الأسبوع الأول من شهر رمضان المعظم الذي صامه الجزائريون …