الخميس 18 ذو القعدة 1441ﻫ 9-7-2020م
الرئيسية | كلمة حق | فقدنا عالِمَيْن عظيمين

فقدنا عالِمَيْن عظيمين

  •  أ. د. عمار طالبي
  • انتقل إلى رحمة الله هذه الأيام عالمان من علماء المسلمين أحدهما سني وهو الدكتور محمد عمارة، والآخر شيعي وهو سيد هادي خسرو، فقد خدم محمد عمارة الإسلام، ودافع عنه، وناقش المناوئين له مناقشة علمية، وكان صديقا للشيخ محمد الغزالي يحترمه ويجله، وإذا كان محمد عمارة بدأ يساريا، وإن شئت علمانيا، وقد استمعت إلى بحثه الذي قدمه إلى مؤتمر ابن رشد في نادي الصنوبر في الجزائر بمناسبة مرور ثمانمائة سنة على وفاته، وكنت مقررا لهذا المؤتمر، وفهمت منه هذا الاتجاه، وكذلك من كتابه عن ابن رشد الذي حوّله بعض اليساريين إلى كونه ماديا، في قراءة إيديولوجية، ولكن تحوّل إلى منافح عن الإسلام قدير، وإلى جندي من جنوده، مقاوما للعلمانية أي مقاومة، مناقشا مناظرا لأحد أعمدة اليسارية وهو الدكتور فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس بالقاهرة، كما ناقش وناظر غيره من الكتاب، في رؤاهم الدينية والسياسية، وقد اجتمعت به عدة مرات، في مؤتمرات مثل مؤتمرات معهد آل البيت للفكر الإسلامي في عمان الأردن مع الشيخ محمد الغزالي أيضا وكانا عضوين في هذه المؤسسة، وتشهد مؤلفاته الغزيرة بسعة ثقافته وفهمه لشؤون هذا العصر بذكاء وبمنهج تحليلي نقدي واضح.

    فقد فقدنا برحيله عن ساحة الفكر الإسلامي مقداما لا يخشى في قول الحق لومة لائم، وهذا هو الجهاد الأفضل في الصدع بما يراه حقا سواء في مجال السياسيين أو المفكرين وهو كما نعلم ليس موظفا في أي وظيفة استقل بنفسه وفكره لم يضع نفسه تحت أية سلطة إدارية أو سياسية، وهذا ما أوصى به الشيخ حمدان لونيسي الشيخ عبد الحميد بن باديس أن لا يتوظف، فإن ذلك يفقده استقلاله الأخلاقي، فرحم الله هذا الشجاع في قول الحق، وتحمله لأعباء الحياة بحرية وصبر، وغفر له ولنا، وأسكنه جنات الفردوس لما قدم من الصالحات الفكرية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أما العالم الثاني الذي انتقل إلى رحمة الله فهو سيد هادي خسرو شاهي، الذي عرفناه ملازما لحضور ملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر مع الشيخ محمد علي التسخيري ذكره الله بخير، وكان في ذلك العهد شابا نشطا، وكنت حضرت جلسته مع الشيخ الفقيه أبو زهرة في ملتقى الفكر الإسلامي بتيزي وزو، واستمعت بنكاته وظرفه مع سيد هادي خسروشاهي، ولطفه وذكائه، وذكر لي سفيرنا بإيران سابقا سعادة الأستاذ عبد القادر حجار أنه كان في لجنة مساعدة الثورة الجزائرية مع الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني رحمه الله، وكان سياسيا محنكا، واستمعت إليه في عدة مؤتمرات التقريب، فأدركت قيمته السياسية والعالمية.

    ثم كتب الله له بعد الثورة الإسلامية في إيران أن يكون سفيرها بروما، ثم سفيرها بجمهورية مصر العربية، وكان له نشاط سياسي وثقافي ملحوظ في التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومن المعلوم أن دار التقريب هذه كانت بمصر بمبادرة من الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر، والشيخ الإمام البروجردي رحمهما الله تعالى، ثم انتقل هذا التقريب إلى طهران، ويعقد مؤتمره كل سنة، وكنت عضوا في هذا المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

    وقد زار وفد من الأزهر الشريف بمناسبة تكريم الإمامين الكبيرين الإمام محمود شلتوت والإمام البروجردي برئاسة وكيل الأزهر الشيخ محمود عبد الغني عاشور وسماحة المفتي الدكتور فريد نصر واصل فزار هذا الوفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية رُسُلا للوحدة ودعاة للتقريب بين المذاهب الإسلامية وتوثيقا للصلات بين الأزهر الشريف والحوزات العلمية بقُم.

    وقد كتب شيخ الأزهر الشريف الدكتور محمد سيد طنطاوي خطابا إلى الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في ذلك العهد شاكرا له خطابه، وما يحمل من مودة وتقدير للأزهر وعلمائه، المذكوران، ويشكره على ذلك التكريم الذي كرم به الإمامان، مذكرا بإمامة الأزهر ومكانته في الحفاظ على تراث الإسلام وعلومه، وكذلك دور الحوزات العلمية، وعناية كل منهما بدرس المذاهب الإسلامية المختلفة.

    وقد كتب سيد هادي حشروشاهي رحمه الله كتابا في خواطره، أشار فيه إلى ترجمة بعض مؤلفات سيد قطب إلى الفارسية مثل: العدالة الاجتماعية في الإسلام، ومستقبل هذا الدين وغيرهما.

    وقد جمع آثار جمال الدين الأفغاني ونشرها في عدة مجلدات.

    وفي زيارتي منذ مدة إلى قم مع وفد جزائري، التقينا بهذا العالم في بيته بقم، فرحب بنا وفرح فرحا شديدا وأكرمنا بضيافته اللطيفة، ولقائه الجميل، وقد طعن في السن، ولزم بيته، ولم ندر أن هذا آخر لقاء له، إنه ممن كان يرجو لقاء ربه راضيا مرضيا، وكان قد طلب إلي أن نرسل له ما طبع من مجلدات ملتقى الفكر الإسلامي في الجزائر، فرحمه الله رحمة واسعة، وأكرم مثواه، وأسكنه أعلى جناته.

عن المحرر

شاهد أيضاً

متــــى تـنـتـهــي الـمــــؤامـــــرات علـى ليـبـيــــــا؟

أ د. عمار طالبي / إنّ المصالح أعمت وأصمّت هذه الدول التي تظن أنّها دول …