الأربعاء 17 ذو القعدة 1441ﻫ 8-7-2020م
الرئيسية | شعاع | ثقافة الحسد

ثقافة الحسد

حسن خليفة

الحسد “جرثومة” فتاكة تنطلق من بعض النفوس الخبيثة في شكل شحنات سالبة  فائقة التركيز خطيرة الوقع، تتبعها ميولات مَرَضية ونزعات شريرة وأعمال سيئة رديئة تسعى سعيا حثيثا ـ خفية أو جهرا ـ إلى إيذاء الناس بأعمال خبيثة قد تكون سحرا محرّما، وقد تكون أعمالا كيدية ومحاولات للإضرار بالمحسود أو المحسودين ـ المحسودات بأي شكل كان، وهنا تكمن خطورة هذا الشرّ المستطير أي وصوله إلى الإضرار الواضح بالغير ..

مناسبة هذا الحديث هي استنطاق لواقعنا الاجتماعي الموبوء، فالكثير من الشرور في المجتمع  كالفُرقة، والتمزق، والصراعات المؤلمة، والعداوات المستديمة، وسواها من الأمراض الفتاكة التي تنخر جسم المجتمع وتحرق نسيجه منشؤها ومأتاها من هذا “الحسد”.

ولستُ أريد الحديث عن الحسد والحاسدين وسوق الأشعار المعبرة التي كُتبت فيهم منذرة وفاضحة، وما أكثرها، فضلا عن الآيات والأحاديث والحكم والأقوال، وهي في عمومها تعبّر عن حقيقة هذا الورم الخبيث في بعض النفوس وإنما مرادي هو إطلاق صيحة  لإدراك المجتمع الغارق في الاختلالات والآفات الروحية التي لا تقلّ في فداحة خسائرها عن الآفات الاجتماعية، ولا عن العلل والأمراض الجسمية، والكل يعلم أن مجتمعنا فيه نسب مرتفعة من المرضى فهم بالملايين في بعض الأمراض الشائعة الخاصة بالجهاز الهضمي، أو السكري، أو ارتفاع الضغط أو…

بل إن قطاع الصحة كله مريض بشهادة الرسميين وبرهان ما تكتبه الصحف وتذيعه القنوات وتنشره المواقع، ويكفي للدلالة هنا ما عرضه الشريط الذي قُدم أثناء اجتماع الحكومة مع الولاة، فقد كان “فاضحا ” بما يكفي..ولا أزيد.

أن المقصود هنا عن ” ثقافة الحسد” هو التنبيه إلى ضرورة وأهمية بناء منظومة تكاملية في مجال الثقافة الدينية والإيمانية، بل والثقافة العامة والتربوية، من أجل الحدّ من انتشار هذه الآفة الشريرة ومثيلاتها، والعمل على تغطية كل الحقول والوصول إلى كل الشرائح في سبيل “تجفيف” الحسد والكره والغيرة والعداوات الباطنية…أو إثم الباطن.

إن استئصال هذ الورم وما هو في حكمه يحتاج إلى عناية بشيء كبير مهم يمكن تسميته بـ”التزكية” وبالأخص الفردية منها، فضلا عن التزكية الجماعية التي ينبغي أن تبثّها مختلف المؤسسات، ومسؤولية جمعية العلماء في ذلك كبيرة وكبيرة جدا؛ لأن من أهدافها الرئيسة: أخلقة المجتمع وتزكية الأنفس (أفرادا وأسرا وجماعات)، وتهذيب الطبائع وتربية النفوس والعقول على المبادئ والضوابط ، ذلك كله من ضمن أهدافها ومرمى اشتغالها وغاية أعمالها.

وينبغي أن تقوم بهذا الواجب على النحو المطلوب بالإعداد الطيب للجهاز الدعوي/ الإيماني، من الرجال والنساء والشباب والشوابّ، بالتكوين والتحصيل العلمي والتزكية الجادة وتعميق البعد الروحي الأخروي في أعضائها ولجانها وشعبها وفضاءاتها؛ حتى يتهيأ جيل ربّاني أخروي يشرئب إلى أفق الآخرة وما فيها، دون أن ينسى الدنيا التي هي طريق عمران الآخرة.

وأما المقصود بالتزكية الفردية، كما سبقت الإشارة، فهو أن يرتفع مستوى الفرد عندنا إلى أفق آخر يصير فيه الاهتمام  منه بـ “النفس” اهتماما تزكويا، يسعى فيه إلى تطوير نفسه، ويعكف على ذلك بشكل منتظم، ليحقق الارتقاء الإنساني الذي هو مدار الاستقامة والصلاح في الأفراد والجماعات، وبدونه لن تذهب أي حركة أو دعوة بعيدا.

ومما يؤسف له في هذا الخصوص أن حركات كثيرة في الغرب تجتهد في هذا كل الاجتهاد، باتباع أنماط خاصة من التأمل، والتشافي الروحي، والارتقاء الإنساني، والتقليل من البعد المادي في فهم الحياة … بينما نغرق نحن المسلمين أكثر فأكثر في الماديات والملموسات،  ونهمل أو نكاد هذا الأمر الذي هو أحد أهم الأبعاد في مجال العبادات ومجال الإيمان كله.

لا تكمن خطورة انتشار هذه الأمراض المعنوية/ الروحية في حرقها للأخضر واليابس فقط ؛ بل إن خطورتها تكمن في أنها تكبر مع الإهمال وقلة الاهتمام وضعف الحرص على  الارتقاء بالمجتمع إلى أفق السموّ الروحي والخُلقي، وللأسف لا نجد لهذا الأمر وجودا في البرامج السياسية والثقافية والمجتمعية في وطننا .. إلا فيما ندر.

نفتح هذا القوس التذكيري هنا في انتظار أن يُفتح قوس مجتمعي كبير تتعاون فيه الإرادات من أجل صيانة الدين والإنسان والأخلاق والروح ..

وإن باطن الإثم وعلل الروح وآفات القلوب هو حقل العمل الكبير الذي يجب أن نشتغل فيه دون توقّف ودون هوادة، ببرامج تربوية تزكوية تمسّ جميع الشرائح، وتغطي كل القطاعات بغرس مقياس” التزكية الروحية ” في النفوس فيعكف كل واحد على نفسه الأمّارة يربّيها ويقوّمها ويزكّيها ويصلحها ويقودها إلى مدارج الرقيّ، ثم يشيع ذلك في المجتمع في كل مؤسساته، فتنضبط حركته (المجتمع) وتستقيم أموره، ويسمو أفراده، ويرقى أبناؤها وبناته ..

أما آن لنا أن نشتغل بصدق وعزم في هذا الأمر؟…نعم لقد آن الأوان …

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمعية العلماء… من منظور الشيخ الدكتور أحمد الرفاعي شرفي -رحمه الله-

يكتبه: حسن خليفة / الانشغال والاهتمام بـ «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» كهيئة دعوية ـ إصلاحية …