الرئيسية | قضايا و آراء | الحجر الصحي إبداع الحضارة الإسلامية

الحجر الصحي إبداع الحضارة الإسلامية

نجيب بن خيرة

عدم‮ ‬توفير الطب لمجموع الناس‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى ضرر محقق،‮ وإزالة الضرر في‮ ‬المجتمع من واجبات الدولة لقوله‮ (‬صلى الله عليه وسلم‮) «‬لا ضرر ولا ضرار‮» ‬حديث حسن.
‮ ‬وأقر رسولنا الأكرم‮ (‬صلى الله عليه وسلم‮) ‬مبدأ الحجر الصحي‮ ‬وقاية من الأمراض المعدية،‮ ‬وظهر ذلك جلياً بشأن ‬مرضى الطاعون‮ والجذام‮. ‬
‮ – ‬قال عليه الصلاة والسلام‮ «‬الطاعون رجز أرسل على طائفة بني‮ ‬إسرائيل وعلى من كان قبلهم،‮ ‬فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه،‮ ‬وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً‮ ‬منه‮» (‬أخرجه البخاري‮ ‬ومسلم ).
‬وقال صلى الله عليه وسلم: (الفار من الطاعون كالفار من الزحف ومن صبر فيه كان له أجر شهيد) رواه أحمد.
فإذا قيل لرجل صحيح منذ مائتي عام فقط، وهو يرى صرعى المرض الوبائي يتساقطون حوله، وهو بكامل قواه وقيل له: امكث في مكانك لا تخرج، لاعتبر هذا الكلام جنوناً أو عدواناً على حقه في الحياة، ويفر هارباً بنفسه إلى مكان آخر خال من الوباء، وقد كان المسلمون هم الوحيدون بين البشر الذين لا يفرون من مكان الوباء منفذين أمر نبيهم ولا يدركون لذلك حكمة وكانوا محط سخرية من غير المسلمين لذلك التصرف حتى اكتشف أن الأصحاء ذوا المناعة الأقوى؛ الذين لا تبدو عليهم أعراض المرض في مكان الوباء هم حاملون لميكروب المرض الوبائي، وأنهم يشكلون مصدر الخطر الحقيقي في نقل الوباء إلى أماكن أخرى إذا انتقلوا إليها، ولأنهم يتحركون ويختلطون بالأصحاء بلا حذر أو خوف فينقلون لهم جرثومة الوباء المدمرة فهم أخطر من المرضى الحقيقيين لتجنب الناس لهم. فمن أطلع محمداً صلى الله عليه وسلم على هذه الحقيقة؟
‮ – ‬واستناداً إلى الحديث النبوي‮ ‬الشريف فقد فرض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي‮ ‬الله عنه الحجر الصحي‮ ‬على مناطق في‮ ‬بلاد الشام،‮ ‬وذلك حينما انتشر مرض الطاعون والذي‮ ‬عرف بطاعون عمواس نسبة إلى عمواس في‮ ‬فلسطين التي‬ اكتشف مرض الطاعون لأول مرة فيها‮. ‬
‮ – ‬قال عليه الصلاة والسلام عن مرض الجذام‮: ‬«فرّ‮ ‬من المجذوم فرارك من الأسد‮» ‬
‮ ‬وقد أنشأ الخلفاء والأمراء في‮ ‬العصور المتعاقبة المستشفيات لمعالجة المرضى وحجزهم في محاجر صحية خاصة، مع صرف العلاج اللازم لهم رجالاً ونساءً‮ ‬من‮ ‬غير أجرة‮ «‬أي‮ ‬أن العلاج‮ ‬يكون مجاناً‮» ‬مهما كان جنسهم أو دينهم أو مذهبهم‮: ‬أغنياء أو فقراء‮. ‬وكان كل مستشفى من هذه المستشفيات‮ ‬ينقسم إلى قسمين‮: ‬قسم للرجال‮ ‬وقسم للنساء،‮ ‬وتؤثث هذه المستشفيات بأحسن الأثاث وتجهّز بأفضل الأدوات بالإضافة إلى الغطاء والكساء والطعام والخدمة،‮ ‬وكانت تضم أشهر الأطباء المسلمين الذين تفوقوا على أطباء العالم وقتئذ،‮ ‬وكان‮ ‬يتولى إدارتها في‮ ‬معظم الأحيان،‮ ‬أحد الأمراء أو الأشراف أو عظماء الدولة لبيان أهمية الخدمات الصحية،‮ ‬وللتأكد من أن الدولة ترعى الشؤون الصحية‮، و‬كان بعض الناس‮ ‬يتمارضون رغبة منهم في‮ ‬الدخول إلى المستشفى والتنعم بما فيها من رعاية ومأكولات نظيفة.
ولم تعرف أوروبا هذا النوع من الحجر الصحي قبل القرن السابع عشر الميلادي، وعليه فلا وقت للاستخفاف بالأوبئة الجائحة والاستهانة بها ، وغيرنا يتخذ الأسباب لوقاية نفسه منها ، ونحن لا نزال نردد مقولات الشعوب البدائية في مواجهة الأمراض والأوبئة والكوارث.

عن المحرر

شاهد أيضاً

كورونا .. التسمية وسبب الظهور

د. كدير مراد إن تسمية كورونا corona الدارجة في الخطاب الإعلامي والشعبي وحتى السياسي الرسمي …