الرئيسية | قضايا و آراء | أثر الإعلام المعاصر في توجيه الأفكار

أثر الإعلام المعاصر في توجيه الأفكار

د . إبراهيم نويري

تشير الكثير من الدراسات الميدانية والمقالات والبحوث المتخصّصة إلى أن حقول دراسات الإعلام والاتصال في الوقت الراهن، قد تشعّبت وتفرّعت إلى حدّ كبيرٍ وواسعٍ جداً، الأمر الذي بات يتطلّب ضرورةَ تنويع المهام وتوزيع الأدوار على المتخصّصين والمشتغلين والمهتمّين والمتابعين لقضايا الإعلام ومشاربه الفكرية والإيديولوجية والاجتماعية وغيرها، بغيةَ القيامِ بمتطلّبات كلّ حقل من تلك الحقول وتغطية أنشطتها، ومتابعة تطوراتها المختلفة بمنهجية علمية رصينة تحسن ربط النتائج الموضوعية بمقدمات الصحيحة …

هذه الحقيقة الواضحة المؤكدة، جعلت من الإعلام علماً من أخطر العلوم الاجتماعية والإنسانية والاتصالية، وأكثرها قدرةً على النموّ والتطورِ المتحرك السريع السيّال، العابرِ للحدود والسدود … حتى أن حقولاً أخرى مجاورة من العلوم الاجتماعية والإنسانية أضحتْ تقلّدُ “علوم الإعلام والاتصال” في كثير من التفصيلات والجزئيات وتستفيدُ منها .. لاسيما فيما يتعلق بمنهجيات التعامل مع الموروث الثقافي، وأساليب التأثير على الاتجاهات والمنازع المختلفة، وصناعة الرأي العام، وتوجيه المسار الثقافي والاجتماعي ورصد المستجدات، وطرق التعامل مع الثابت والمتغيّر في منظومة الأعراف والتقاليد والأنماط السلوكية والاجتماعية … إلخ.

ولاشكّ أن هذه الميزة أو الخاصية، إنما تولّدت بفعل أثر الإعلام في النفوس في حياتنا المعاصرة، فهو يُعدّ لدى الكثير من أهل الاختصاص: (الوالد الثالث) أو   (المحضن الثالث) .. إذ إنه بات يأتي بعد الوالديْن في التأثير وتشكيل الرؤى والتصورات المختلفة عن الحياة والعلاقات العامة، أو هو المحضن الثالث في التربية والتوجيه والترشيد، بعد محضن الأسرة والمدرسة، بل إن وسائل الإعلام والاتصال باتت ـــ في الكثير من المجتمعات الإنسانية ـــ تتقدّم في التأثير على المحاضن المذكورة، بما تبثه في العقول والنفوس من آراء ومفاهيم وسلوكيات، تُسهم في صنع الشخصية وصبغها بصبغة معيّنة، وفي صياغة الأفكار وتحديد التوجّهات، والتعرّف على أنماط السلوك والمنازع والتوجّهات؛ ولا يكاد يسلم أحدٌ من هذا التأثير، خاصة الناشئة، الأكثر عرضة لهذا التأثير، بل والأكثر قدرةً على التمثّل والاستجابة والتقليد، بحكم عدّة عوامل، منها البحث عن كلّ جديد، وحب الاستطلاع والتعرّف، وما إلى ذلك من عوامل .

لذلك نودّ التأكيد على خطورة هذا الحقل المعرفي، وحضوره الدائم في الحياة المعاصرة، وأثره الملموس في بناء الإنسان وصياغة فكره ووجدانه .. الأمر الذي يستوجب التخطيط لهذا الحقل، والإفادة من زخم تطوّراته السريعة، وجعل مضامينه ومحتوياته معضِّدة ومؤازرة لقيم الإسلام ومرجعياته في النفوس والعقول والأفئدة، وتحييد الآثار السلبية على الهُويّة الإسلامية قدر المستطاع، فالتخطيط وحسن التحكم في المعطيات هو السبيل الأنجع لتحقيق هذا الهدف الحيوي بالنسبة للأمة المسلمة ومصالحها ومستقبلها .

إن تضاعف منسوب تأثير وسائل الإعلام والاتصال على نفوس الناشئة خلال هذه المرحلة، يقتضي أيضاً ــ من الناحية المنطقية ــ مضاعفة الشعور بالمسؤولية في دول وأقطار العالم الإسلامي، من أجل حماية الأجيال الجديدة، وتحييد الآثار السلبية لمواد ومضامين الإعلام المفتوح في عصر تطور تقنيات الاتصال، وهي مهمّة ينبغي أن تتعاضد وتتعاون فيها كلّ الجهات والمؤسسات، وفي مقدّمتها: الأسرة والمسجد والمدرسة ووسائل الإعلام بكلّ أجهزته سواء منها المسموعة أو المرئية أو المقروءة .

والله وليّ التوفيق والسداد .

عن المحرر

شاهد أيضاً

متنفَّس عبرَ القضبان

بقلم: المحامي حسن عبادي بدأت مشواري التواصلي مع أسرى أحرار يكتبون رغم عتمة السجون؛ زرت …