الخميس 18 ذو القعدة 1441ﻫ 9-7-2020م
الرئيسية | شعاع | الجمعية …كمشروع أخروي/ حسن خليفة

الجمعية …كمشروع أخروي/ حسن خليفة

ثمة أكثر من سؤال يتبادر إلى الأذهان ولكننا ـ كمسلمين عموما وكأعضاء في الجمعية بصفة خاصة ـ … قلّ أن نطرحه بصوت عال مسموع، فضلا عن أن نناقشه ونتدارسه ونجتهد في بحث تفاصيله ودروبه ومساراته، وما يمكن أن يُسلمنا إليه البحث الصريح في هذا الموضوع وهو “هل يمكن للجمعية أن تكون مشروعا أخرويا ؟” نعمل له بكد وجد واجتهاد وإفراغ وسع في حياتنا لنلقى به ربّنا عز وجلّ وقد أدّينا ما علينا أو أكثر ما يجب علينا . ما يسلمُنا إليه كبير وعظيم وقد يكون وسيلة النجاة والنجاح في الدنيا والآخرة إن خلصت النوايا وزكت الإرادات وانبعثت الهمم واشرأبت الأعناق إلى المعالي وصناعة المجد الثقافي الديني في هذا الوطن الغالي العظيم .

وأما القول “في شكل مشروع” فالمقصود هنا ..مشروع حقيقي نجمع فيه كل جهودنا في الدعوة والتوجيه والتهذيب والإصلاح والتربية، على مستوى الأفراد، كما على مستوى المجموعات (الشُّعب) وعلى مستوى المؤسسة الكبيرة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من خلال هيئاتها العاملة : المكتب الوطني، الهيئة الاستشارية، الشعب بمكاتبها الولائية ومكاتبها الموسعة إلى الناشطين في الميدان، مع الانفتاح على العلماء والدعاة من كل مشرب وفصيل .

ليس من السهل الإجابة عن مثل هذا السؤال الكبير الذي نكرره ونعيد بشأنه ونبديء ..” هل الجمعية مشروع أخروي” ؟

ولكن لا بد من الإجابة؛ فإن الإجابة هي مفتاح الكثير من الحلول لمشكلات تتهدد عملنا ، وتجعله على النحو الذي هو عليه : متراوحا، متباطئا، متراخيا، متكاسلا، غير منتظم، وغير منسق أو هكذا أتصورُه شخصيا على الأقل، وقد أكون مخطئا، وهنا أرجو بيان الصواب .

ما يحملني على طرح هذا الإشكال هو تصوّري أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي صيغة مثالية قابلة للاستثمار الذهبي في مجال الإصلاح والصلاح، ومن ثم  هي ـ فعلا ـ أنسب ما تكون وأقرب إلى “المشروع الأخروي” الذي يجب أن يحمل كل واحد منّا نفسه عليه حملا حقيقيا ثقيلا، لا توانيّ فيه ولا تراخي.

كيف ..ليس ثمة من هو اليوم أقرب إلى تحقيق مرضاة الله تبارك وتعالي، في خدمة الدين وخدمة البلاد والعباد، كالجمعية (ومثيلاتها كثيرات ولكن لها خصوصية وامتيازـ كما سنرى )

الجمعية واسعة الحقول، متعددة الميادين التي تحتاج إلى العمل، فهي أشد حاجة إلى ذلك اليوم أكثر من أي وقت مضى، في الميدان والواقع.

إن كل جانب من جوانب حياتنا يحتاج إلى العمل والإصلاح، وفتح الورشات للتقويم والتهذيب والتحسين والرقيّ، وذلك يعني ببساطة أن الجمعية قادرة على استيعاب أكثر الطاقات والكوادر من الرجال والنساء العاملين والعاملات ذوي الوعي والخبرة والفكر والاستقامة..

وأي جمعية كجمعية العلماء في اتساع أفق الخدمة وتنوّع مجالات البذل والعطاء  فيها : تربية وتعليما، ومحو أمية، وتعليم صنائع، وتوجيها، وتهذيبا، وتثقيفا، وإرشادا وإفتاء، وصناعة صلح، ومرافقة أبناء وبنات من الروضة إلى الجامعة (طلبة وشباب)..ومع كل ما يُقدم، وهو كثير متنوع، ولكن الحاجة قائمة إلى المزيد ..المزيد، مما يعني أنها أقرب من غيرها إلى الاستقطاب وتعظيم حجم العاملين والعاملات، وهذا أحد أوجه التميّز والاستثناء فيها؛ فهي أوسع من غيرها، وهي أقدر وأكثر استيعابا للدعاة والعاملين من الرجال والنساء من غيرها، أو هكذا يجب أن تكون ..

أيضا ثمة شيء يميز الجمعية وهو أصالتها وماضيها الوضيء حتى قال القائل من المتابعين والدارسين: إن عمل الأولين الماهدين هو الذي مهّدَ وما يزال يمهد ويفتح الطريق للجمعية وأعضائها في الحاضر والمستقبل، وأحد الدلائل على ذلك أنه كلما ذُكرت الجمعية، في أي محفل رسمي أو شعبي إلا  انفتحت الأبواب، فوهجها التاريخي ورصيدها الدعوي ما يزال يثمر ويعمل وينتج، وهو وسيلة تسويق معرفي وتاريخي ودعوي كبير. وما أعظم ذلك؛ في الدلالة على صدق وإخلاص المؤسسين الماهدين الذين حفظ الله أنفاسهم وجهودهم وترجمها إلى قَبول منتظم  فعّال دائم ، و دلالته في تسهيل الأمور على القائمين على حاضر الجمعية لا ينبغي أن يُنكر…فهو قيمة مضافة ووسيلة تيسير للقبول والثقة والتحفيز والتشجيع، مما لا يمكن التغاضي عنه حين اعتماد فكرة “المشروع الأخروي” المشار إليها أعلى هذه السطور. والمعنى أن من يعمل بصدق وإخلاص واستفراغ جهد سيُنصركما. نُصر الأولون الذين حقق الله تعالى لهم النجاح فيما ندبوا إليه أنفسهم من خدمة دينهم ووطنهم، فضلا عن الذكر الحسن، والصيت الطيب، والتوفيق إلى الأعمال الصالحة التي أنقذت شعبا ووطنا من براثن أبشع استدمار عرفه التاريخ .

ثمة الكثير مما يمكن أن يُضاف في هذا المقام ولكني أكتفي بهذا القدر في إثارة هذا الموضوع الذي أرجو أن نناقشه في الجمعية ونصوّب ونسدد ونقارب بشأنه بما يجعلنا نجمع أمرنا كله على الانتقال إلى الفكرة “الجمعية مشروع أخروي” مربح ومفيد ونافع ومستوعب لكل جهد، مع النظر إلى ذلك كتيسير من الله تبارك وتعالى لمن أراد أن يخدم آخره ويهيء لها من خلال هذه النبتة الطيبة المباركة وهذه الهيئة الدعوية التي تحتاج إلى تداعي الإرادات وتظافر الجهود، وتكاتف العقول والنفوس وتهيئة الظروف والمناخات لإقلاع حقيقي نهايته في الآخرة طمعا في رضوان الله تبارك وتعالى واحتسابا للأجر عنده سبحانه، وبدايته في عمل متواصل منتظم مدروس في واقعنا الصعب الممزق المتشرذم، مستلهمين منهج النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن سار على دربه في الدعوة بالتي هي أحسن، وصناعة التآخي والتعاون والتآزر والتعاضد …مع التركيز على هذا البعد الرائع “البعد الأخروي”.

فاللهم اجعل نياتنا صافية وأفكارنا مستقيمة وقلوبنا طيبة بذكرك وحسن عبادتك وجميل التقرّب إليك .

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمعية العلماء من منظورالشيخ أحمد الرفاعي شرفي -رحمة الله عليه- بــرنامج التزكيـــة الإيمانــية الذي يقتــرحه الجزء الثاني

يكتبه: حسن خليفة / هذا هو الجزء الثاني من «شعاع» وقد خصصناه ـفي الأسبوع الماضي …