الرئيسية | في رحاب الشريعة | جمعية العلماء المسلمين الجزائريين …منارة العلم والنور/ د. يوسف جمعة سلامة

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين …منارة العلم والنور/ د. يوسف جمعة سلامة

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم :{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ  * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ *   الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*  عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(1).

إن الإسلام منذ أن أشرقت شمسه  ثورةٌ على الجهل ، ودعوة إلى العلم،  ومن الواجب على أبناء الأمة أن يتعرّفوا على سِيَرِ علمائهم؛ ليطّلعوا على تراث أمتهم وإرثها العلمي والحضاري من جانب، وليقفوا على الجهود الهائلة التي بذلها علماء الأمة في الدفاع عن دينهم وأمتهم ومقدساتهم، فأمتنا في أشدّ الحاجة بين حين وآخر إلى تنشيط ذاكرتها، وتعريف الأجيال بِسِيَرِ علمائها ومواقفهم المُشرّفة في الدفاع عن قضايا الأمة؛حَفْزاً لِلْهِمَمِ وتقوية للعزائم وتواصلاً مع الأجيال وسلوكاً على نفس الدّرب.

الجــزائر … والقضيـــة الفلسطينيـــة

من الجدير بالذكر أن اهتمام الجزائر بالقضية الفلسطينية كان منذ أيامها الأولى ، على الرغم من أن الجزائر وقتئذ كانت تحت الاحتلال الفرنسي، فبالرغم مما كانت تتعرّض له الجزائر من مِحَنٍ وتحديات إلا أَنَّ هذا لم يقفْ حائلاً أمام شعور الشعب الجزائري وعلمائه بواجبهم تجاه قضايا أمتهم وفي مقدمتها قضية فلسطين، فقد قامت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بدورها في هذا المجال على أكمل وجه، هذه المؤسسة الرائدة التي نشرت العلم والنور في ربوع الجزائر وحافظت على القيم الدينية والثوابت الوطنية، وما شعارها (الإسلام ديننا ، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا) عنا ببعيد، ونحن هنا نشير إلى ما قاله
أ. د. عبد الرزاق قسوم- رئيس الجمعية الحالي-: “ومن نعم الله على الجزائريين، أن بعث فيهم ومن أنفسهم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي منذ ولادتها استهلت صارخة ببغض الاستعمار وأذنابه، وكافرة بالفساد وأربابه، ومبشرة بالحراك وأسبابه، نحمدك اللهم، أن يَسَّرتَ لنا ابن باديس وأترابه، فَحَصَّنوا الجزائري بحصانة التغيير وبمبادئ الثورة والنفير، وإضاءة الطريق لِحُسْنِ السَّيْرِ والمَسِير” (2).

وتُعَدُّ صحيفة البصائر – صحيفة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين – لساناً يصدحُ بالحقّ دفاعاً عن الحقّ الإسلامي والعربي والفلسطيني في فلسطين تاريخياً وعقدياً وحضارياً، فهي منذ تأسيسها إلى اليوم تتوالى أعدادها ومقالاتها تُدافع عن القضية الفلسطينية دفاعاً شريفاً كلّه عزيمة وبطولة وإيمان.

المواقف المشرفة لرؤساء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

إن مواقف رؤساء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبر التاريخ مواقفُ مُشَرّفةٌ تُكتب بمدادٍ من نور؛ لأنها تُعَبِّر عن مواقف المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر بعض هذا المواقف المُشرفة لرؤساء الجمعية وعلمائها الأفاضل تجاه فلسطين ومقدساتها وأهلها وقضيتها العادلة؛ لإيمانهم العميق بأن فلسطين وقدسها  ومقدساتها وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى ومسرى نبيهم محمد – صلى الله عليه وسلم- مِلْكٌ خالصٌ للعرب والمسلمين وحدهم ، وليس لغير المسلمين حقٌّ فيها، ومن هؤلاء العلماء الحكماء :

 *الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس- رحمه الله –:

الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس- رحمه الله –  مؤسس  ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقائد النهضة الجزائرية ورائد إصلاحها الديني والاجتماعي والثقافي، كان يُؤكد دائماً على  أن القضية الفلسطينية بصفة عامة وقضية القدس والأقصى بصفة خاصة لهي قضية العرب والمسلمين قاطبة، فهي مسرى النبي –صلى الله عليه وسلم– ومعراجه، وأولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، حيث قال في مجلته الشهاب بتاريخ جمادى الثانية1357هـ الموافق لشهر (أغسطس) 1938م: “رحابُ القدسِ الشريف مثلُ رحابِ مكة والمدينة، وقد قال الله في الآية الأولى من سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (3)؛ لِيُعَرّفنا بفضل تلك الرّحاب ، فكلُّ ما هو واقعٌ بها كأنه واقعٌ برحابِ المسجد الحرام ومسجد طَيْبَةَ”(4).

لقد فهم الشيخ ابن باديس – رحمه الله – من الآية السابقة مكانة المسجد الأقصى المبارك ، فمن المعلوم أن  الله سبحانه وتعالى قدْ ربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في الآية السابقة التي افْتُتِحَتْ بها سورة الإسراء، وذلك حتى لا يفصل المسلم بين هذين المسجدين، ولا يُفَرّط في واحدٍ منهما، فإنه إذا فَرَّطَ في أحدهما أوشك أن يُفَرّط في الآخر.

وقدْ سَارَ خلفاء الإمام ابن باديس في رئاسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على نهج إمامهم الراحل – رحمه الله تعالى- .

* الإمام/ محمد البشير الإبراهيمي – رحمه الله – :

لقد كان فضيلة الإمام / محمد البشير الإبراهيمي – رحمه الله – نصيراً لقضية فلسطين، وكانت خطبه ومحاضراته تشتمل دائماً على الدعوة إلى المحافظة على أرض فلسطين، حيث قال -رحمه الله- : “أَيُّهَا العَرَبُ، أَيُّهَا المُسْلِمُونَ ! : إنَّ فلسطينَ وديعةُ محمدٍ عنْدَنا، وأمانةُ عُمَر في ذِمَمِنا، وَعَهْدُ الإسلامِ في أَعْناقِنا، فَلئِن أَخَذَهَا اليهود مِنَّا – ونحنُ عُصبةٌ – إنا إذاً لَخَاسِرُون”(5).

وما موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برئاسة الإمام الإبراهيمي عنا ببعيد، حيث دعت إلى وجوب نُصرة القضية الفلسطينية، كما شَكّلت الهيئة الجزائرية لإغاثة فلسطين، وقد التقى الإمام الإبراهيمي – رحمه الله – بمفتي فلسطين الراحل فضيلة الشيخ/ أمين الحسيني – رحمه الله –، الذي شكره على دعم الجزائر علماء وقادة وشعب لأشقائهم في فلسطين.

*فضيلة الأستاذ الشيـخ/ عبد الرحمن شيبــان- رحمه الله – :

لقد كان فضيلة الأستاذ الشيخ/ عبد الرحمن شيبان – رحمه الله – مُحِبًّا لفلسطين وأهلها، وأكبر دليل على ذلك مقالاته المتعددة، وخطبه وبياناته العديدة ، حيث ذكر بعضها في كتابه ( الجزائر وفلسطين بين قوة الحقّ وحقّ القوة ) .

وعند قراءتنا لهذا الكتاب القيّم نجد أن فضيلته قد ضَمَّنَهُ العديد من المقالات والخطب والكلمات والبيانات التي تتبنى الدفاع عن الحقوق الفلسطينية التاريخية والدينية في أرض الإسراء والمعراج، كما عرض فضيلته بعضاً من كلمات أسلافه رؤساء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وحكمائها وعلمائها الأفاضل بدءاً من الإمام المؤسس الشيخ/ عبد الحميد بن باديس وانتهاء بفضيلته – رحمهم الله جميعاً-، وكلها تُؤكد على أن القضية الفلسطينية والقدس والأقصى هي قضية العرب والمسلمين الأولى.

ويؤكد فضيلته في كتابه على وجوب دعم فلسطين وأهلها، حيث يقول – رحمه الله – : ” إعانة فلسطين فريضة مؤكدة على كل عربي وعلى كل مسلم، فَمَنْ قام به أَدَّى ما عليه من حقّ لعروبته ولإسلامه، ومن لم يؤده فهو دَيْنٌ في ذمته لا يبرأ منه إلا بأدائه، ومن سبق فله فضيلة السّبْق، ومن تأخر شفعت له المعاذير القائمة حتى تزول،  فإذا زالت تعلق الطلب ووجب البدار”(6).

 *فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد الرّزاق قسوم (الرئيس الحالي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين):

وسيراً على هدى سيرة رؤساء جمعية العلماء السابقين يسير فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق قسوم الرئيس الحالي للجمعية- حفظه الله- ، مُتَوكلاً على ربه، مُتّبعاً منهج نبينا – صلى الله عليه وسلم – ومُسْترشداً بسيرة الأئمة الأعلام الذين سبقوه في حمل لواء الدعوة وخدمة قضايا الأمة، فجزى الله الجميع خير الجزاء .

ويُعَدّ فضيلته – حفظه الله – من المتابعين للقضية الفلسطينية بكل دقائقها، فقد انبرى – حفظه الله-مُدافعاً عن فلسطين وقضيتها – بقلبه ولسانه وقلمه -، ونذكر هنا ما قاله فضيلته بعد الإعلان عن صفقة العصر ، حيث وصفها فضيلته بنكبة الدهر ولعنة العصر وصفعة العصر، فقال عنها : ” إنّ لعنة العصر هذه، التي تَقْضي على مرأى ومسمع من الضمير الإنساني على المبدأ التاريخي للعرب في فلسطين، وعلى الحقّ الإلهي الثابت للمسلمين في القدس الشريف، لتمثل عدواناً على الفلسطيني وعلى العربي وعلى المسلم وهم عُصْبَةٌ، لصالح الصهاينة وهم عِصَابَةٌ، أَلاَ سَاءَ ما يحكمون!” (7).

إن المتأمل في المواقف المُشَرّفة لرؤساء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلمائها الأجلاء، لَيُدْرِك بما لا يَدَعُ مجالاً للشكِّ مدى تمسك الأمتين العربية والإسلامية بأرض فلسطين؛ لِمَا لَهَا من مكانة سامية في قلوب العرب والمسلمين، وبما يُؤكد قدسية هذه الأرض وبركتها، وارتباط الأمة بها عقدياً وتاريخياً وسياسياً وحضارياً وثقافياً .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم

الهوامش:  1- سورة العلق الآية (1-5)           

2- أ.د. عبد الرزاق قسوم، جمعية العلماء والحراك الشعبي، البصائر عدد 961، الاثنين 8 رمضان 1440هـ الموافق 13/ مايو/2019م

3- سورة الإسراء الآية (1)            4- مجلة الشهاب – الجزائر، جمادى الثانية1357هـ الموافق (أغسطس) 1938م.

5- البصائر: السنة الثالثة عد22، بتاريخ9/2/1948.    6- الجزائر وفلسطين بين قوة الحقّ وحقّ القوة، للشيخ شيبان، ص15

7- أ.د. عبد الرزاق قسوم، نكبة الدهر… ولعنة العصر، البصائر عدد 997، الاثنين 9جمادى الثانية 1441هـ الموافق 3/ فبراير/2020م

عن المحرر

شاهد أيضاً

الانتماء الذي يجمعنا بأبناء وطننا وشعوب أمتنا وعالم إنسانيتنا

أ. محمد مكركب لقد نهى الله تعالى عن التفرق والانقسام، وأن من سعى لتقسيم مجتمع …