الخميس 18 ذو القعدة 1441ﻫ 9-7-2020م
الرئيسية | في رحاب الشريعة | أُمَّةُ الجمعة أمة الاجتماع والجماعة والإجماع

أُمَّةُ الجمعة أمة الاجتماع والجماعة والإجماع

بقلم: محمد مكركب

مما تمتاز به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى فضلها وكرمها بأشرف كتاب وأشرف نبي وأشرف الأيام وأشرف الليالي، ومن التشريف أن يوم عيدنا الأسبوعي يوم الجمعة، وشرع لنا ربنا فيه من أقدس العبادات صلاة الجمعة، فكان يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس، والهدف من هذا هو كيف؟ وبم؟ ينال المؤمن شرف هذا اليوم ويزداد كل جمعة ارتقاء معنويا وهداية وتوفيقا؟ كثير من المسلمين يصلون الجمعة كل أسبوع ولكنهم ظلوا يراوحون مكانهم في خصوماتهم ونزاعاتهم وأميتهم المعلوماتية والفكرية، بل وظل كثير منهم في تفرقهم الطائفي والحزبي والسياسي، وهم يعلمون أو يجب أن يعلموا أن مقتضيات صحة صلاة الجمعة وثمراتها ومقاصدها أن يجتمع المسلمون في جماعة واحدة، ويُجْمِعوا أمرهم على ما يرضي خالقهم، فأمة الجمة مجتمعة غير متفرقة، وجماعة واحدة وليست جماعات متحزبة، وأمرهم جميعا إجماعا يجمعهم. هل رأيتم وعلمتم ما هي مقاصد الجمعة لو أقمناها قياما صحيحا؟

أولا: من آداب يوم الجمعة: الغسل، والتبكير، وعدم تخطي الرقاب، واجتناب اللغو، وقت الخطبة، والاستماع والإنصات للخطبتين بكل تركيز واهتمام، والتوجه نحو الإمام.

 متى يأتي المؤمنون لصلاة الجمعة؟ إذا استطاع المصلي أن يذهب إلى المسجد لصلاة الجمعة بقدر ما يصل ساعة قبل الخطبة فهو الأولى، فإن لم يستطع فربع ساعة على الأقل، قال الله تعالى:﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البَيْعَ﴾[الجمعة:9] يأتي المصلون إلى المساجد قبل الأذان الذي هو نداء للإعلام بدخول الوقت، والنداء هو إعلان عن بدء الذكر مع بداية الخطبة، يعني بدء الذكر الذي أمر الله تعالى بالسعي إليه، فعندما يخرج الإمام ويصعد المنبر يكون المطلوب أن كل من تجب عليه صلاة الجمعة قد حضر، قلت: والأفضل أنه يحضر بساعة من قبل لينال خير البشارة التي بشر بها النبي  عليه الصلاة والسلام تكريما لأهل الجمعة الحقيقيين. ففي الحديث:[مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ](البخاري:881). تدبر الحديث لتعلم أن من يتأخر حتى يجد الإمام على المنبر كم ضيع من الأجر، وكم ارتكب من المخالفات، وكم كان قدوة في التخلف والمخالفة والاختلاف، ولذلك غضب عمر رضي الله عنه عن ذلك الذي تخلف ولم يكن حاضرا قبل خروج الأمام من المقصورة.

ورد في الخبر [أن عمر بن الخطاب، بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضا، وقد علمت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل](البخاري:878) قال له: (أية ساعة هذه) يعني لم تأخرت حتى هذه الساعة ولم تأت في الساعة الأولى كما ورد الخبر في نصيحة رسول الله!؟ فهو إنكار على المتأخر لتأخره حتى صعد الخطيب المنبر. والمفروض أن المعني بالصلاة يأتي قبل أن تبدأ الخطبة، وإذا أراد التقرب بمثل البدنة فليبكر، فعلى كل من كان على يقين في إيمانه وتصديقه للنبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي الجمعة قبل ابتداء الخطبة ولو بنصف ساعة فقط، وعندما قال المتأخر في جوابه لأمير المؤمنين: (فلم أزد أن توضأت) قال له الإمام أمير المؤمنين: (والوضوء أيضا) أي واقتصرت على الوضوء فقط وتركت الغسل الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم:[ فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ] فإذا خرج مثلا من المقصورة ودخل المسجد وصعد المنبر للخطبة حضرت الملائكة، أي: دخلت المسجد وتركت كتابة من يأتي بعد ذلك فتفوته فضيلة التبكير. [إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وَقَفَتِ المَلاَئِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ] (البخاري:929). هل استشعرت أو هل تصورت وتخيلت صورة الخبر[وَقَفَتِ المَلاَئِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ] في أية مرتبة تريد أن يكتب اسمك؟ مع من يقربون البدنة والبقرة، أم مع من يقربون البيضة، أم مع المتخلفين لا هذه ولا هذه؟.

 عن أنس بن مالك، قال: [كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة](البخاري:905) كانوا يبادرون إلى الصلاة في أول الوقت، ويقيلون ينامون وقت الظهيرة بعد الصلاة. واعلم أن التَّأْذِين الشرعي المعلِن عن دخول وقت صلاة  الجُمُعَةِ هو حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ على المنبر.

ثانيا: الأدب الرفيع قبل بداية الخطبة: من آداب كل المساجد وفي كل وقت قبل أوقات الصلاة.

1 ـ الصمت والسكينة. وإذا قرأ المؤمن القرآن أو ذكر وسبح فبالسر خفية حتى لا يشوش على الناس.

2 ـ إذا كان في المسجد أو دخل ووجد الإمام في الوعظ أو التفقيه أو التفسير فإنه ينظم إلى الحلقة العلمية، دون إحداث حركات نشاز في المسجد. ففي الحديث الشريف، عن أبي واقد الليثي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما: فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث: فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه](البخاري:66). وكم من متنطع غافل أو متميع جاهل، يدخل المسجد ويجد الفقيه يعلم الناس فلا يجلس إلى الحلقة ويبقى بعيدا، وبعضهم أتعس وأشقى أنه يكون في المسجد فإذا بدأ الإمام يفسر القرآن خرجوا، فهم ممن أعرضوا فأعرض الله عنهم.

3 ـ ومن آداب المسجد أن الداخل يأوي إلى الصفوف الأولى ويملأها الأول ثم الثاني وهكذا ولا يجلس في آخر المجسد والصفوف الأولى غير مملوءة.

4 ـ من أراد أن يقرأ في مصحف من المصاحف الموجودة في المسجد أن يرجعه هو بيده إلى مكانه الذي أخذ منه بالضبط، وأن يرتبه كما كان، وأن لا يقرأ بجهر حتى لا يسمعه من بجانبه، وإذا بدأ الإمام الدرس، فالكل ينضم إلى الحلقة متصلين في حلقات متراصة أمام المدرس. ومن آداب المسجد بعد الصلاة عدم إقامة صلاة النافلة في ممرات المسجد، وأبواب المسجد، أي يترك فسحة للخارجين من المسجد ويتخذ مكانا في الأمام، بل إن صلاة النافلة تكون في البيت أفضل [فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ](البخاري:731). ومن آداب المساجد المحافظة على النظافة، وهذا التذكير للمصلين، وللقائمين على المسجد في آن واحد، ومن ذلك تنظيم مكان وضع الأحذية، أن تكون رفوف النعال مثبتة على الدوام في مكان مناسب ومرقم، وكاف حسب مداخل وأبواب المسجد، ولا يكون تغيير مكان النعال مرة في الباب الخارجي، مرة في الباب الداخلي، مرة على اليمين، ومرة على الشمال، ومرة تبعد الرفوف، والنعال على الأرض، ومرة توضع الرفوف أو تزحزح من مكانها، كما هو الحال حتى في بعض المساجد الكبرى في العالم الإسلامي مع الأسف.

 ثالثا: الجمعة دعوة إلى الاجتماع (الوحدة): المسلمون يجتمعون كل جمعة وراء الأمام ولا تجتمع قلوب الكثير منهم، لماذا لا يزال المسلمون منقسمين؟ في انتظار الجواب يجتمع الأحباب بفضل العزيز الوهاب.

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل آن أوان اليأس من مشروع الجزائر الجديدة

الشيخ نــور الدين رزيق / عقب المؤتمر الاسلامي الذي إنعقد في 07 ربيع الأول 1355هـ …