الرئيسية | أقلام القراء | البحث عن السلام-2- محمد الحسن أكيلال

البحث عن السلام-2- محمد الحسن أكيلال

 

 

 

مقابل السلام الأرض

 

حين انطلقت ذات يوم مساعي البحث عن السلام بين الفلسطينيين والصهاينة من أيام أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وكأنها نزلت من السماء فكرة شفافة ملونة مغرية لكثير من العرب والفلسطينيين – القادة خاصة – كان في البداية يفاوض بها الفلسطيني على أساس القبول بالاحتلال الصهيوني في الجزء من الأرض الفلسطينية المحتل عام 1948، الغريب أن الحكومة الصهيونية منذ البداية لم تبد أية استجابة، ولو إشارة كدليل على حتى مجرد قبول الفكرة؛ لكن الطبول والمزامير لم تتوقف عن العزف في آذان الفلسطينيين الذين اعتقدوا أن الغرب فعلا جاد في البحث عن السلام المردوم تحت أنقاض الدمار الذي ألحقته آلة الدمار الشامل الصهيونية بمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 1982 والإبادة الجماعية لآلاف الأطفال والنساء والشيوخ فيها، ومع ذلك اعتقد القادة الفلسطينيون أن العالم قد تغير، وأن الغرب بقيادة أمريكا بلغت فيهم الحضارة مستوى أخلاقيا يجعلهم يتخلون عن تلك الجرائم التي اعتادوا اقترافها ضد العرب والمسلمين منذ بداية الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في كل الوطن العربي والعالم الإسلامي، من آسيا شرقا إلى شمال إفريقيا والأندلس غربا.

لقد انجرّ القادة الفلسطينيون ووراءهم الحكام العرب المعتدلون المقتنعون بالفكرة يدفعونهم دفعا بكل وسائل الإغراء لمدة عقدين كاملين من الزمن، ومع أنهم متأكدون من النوايا الحقيقية للعدو الصهيوني، ضاعفوا جهود الدفع بالفلسطينيين إلى مواصلة التفاوض لا للبحث عن السلام، بل لقبول الاستسلام المهين الذي لا طائل من ورائه إلاّ الوصول بهم ذات يوم إلى قبول فكرة الترانسفير الأخير لهم إلى أرض أخرى غير فلسطين المحتلة بالكامل خلال العقدين الماضيين من التفاوض. ولقد بلغ التباهي بهؤلاء الحكام أمام الغرب على أنهم دعاة سلام إلى درجة اقتراح مبادرة السلام كخيار استراتيجي، وصادقت عليه قمة عربية في بيروت عام 2002، ورفضتها الحكومة الصهيونية منذ اليوم الأول، وكان الرفض فصيحا بليغا بمنع الرئيس الفلسطيني “ياسر عرفات” رحمه الله من حضور المؤتمر واكتفى بالحضور عن بعد بواسطة الإنترنت، لأنه محاصر في مقر سلطته في رام اللـه بالدبابات الصهيونية التي دكت أسواره وأجزاء من مكاتبه.

لقد كان التفاوض قمة العبث والاستهزاء والضحك على الذقون من طرف الإدارة الأمريكية خاصة باعتبارها الراعية الأولى والوسيطة لعملية السلام التي انتهت كما أرادت لها الحكومة الصهيونية الواثقة كل الثقة من الجهة التي كانت وما تزال تدعمها وتحميها في أمريكا والغرب الأوروبي عامة.

لقد تمادى المتباهون من الحكام العرب في مزايدتهم على إخوانهم بكونهم الأكثر تقدما وتطورًا وقربًا من الحضارة الغربية المعاصرة بما بنوا من أبراج وناطحات سحاب وبنى تحتية متقدمة جدًّا وثروات طائلة مكنتها من اقتناء كل ما تريد من وسائل العيش والدفاع على عكس الأقلية من الحكام الرافضة المتمسكين بهم التحرير وقبضة المقاومة التي أصبحت في أيامنا هذه متهمة من الجميع بالإرهاب وتهديد السلم والأمن في العالم، رغم وضوح القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة في حق الشعوب في الحرية وحماية الأرض والعرض من أي غزو أجنبي؛ لكن ما حدث لبعض الحكام من هؤلاء ابتداء من الملك “فيصل” و “هواري بومدين” و “ياسر عرفات” و “صدام حسين” و “معمر القذافي” رحمهم الله جميعا أعطى المتباهين بالاعتماد على الغرب وأمريكا حججا ومواصلة الضغط على الباقين وعلى رأسهم السلطة الفلسطينية وقادة المقاومة للقبول بالأمر الواقع والاستسلام للقدر المحتوم والقدر بريء مما يقولون ويفعلون.

إن التفاوض لإقامة السلام يقتضي تساوي موقعي المتفاوضين وحياد الوسيط والراعي، وما حدث ويحدث هو انحياز هذا الوسيط الراعي كل الانحياز إلى جانب المعتدي وتدعيمه بكل الوسائل للاحتفاظ بموقعه وفرض شروطه التعجيزية ثم اتهام الآخر بكونه يرفض التفاوض والسلام.

آخر ما وصلت إليه الإدارة الأمريكية الجديدة بعد إعلانها عن التخلي عن صيغة حل الدولتين باعتبارها مستحيلة التنفيذ هو إرسال وفد يرأسه صهر الرئيس (كوشنر) لمرات عديدة للتوسل لرئيس حكومة تل أبيب (نتانياهو) للقبول بمواصلة التفاوض من أجل التفاوض حفظا لماء الوجه أمام العالم عامة والقوى المؤيدة للسلام في أمريكا خاصة ثم إعلان الرئيس “ترامب” شخصيا على أن الدول العربية المعتدلة هي التي يجب أن تعمل على إيجاد حل، وهذا طبعا للضغط على السلطة الفلسطينية بالشروط الإسرائيلية.

الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريس” المحسوب على اليسار الأوروبي المعروف بتعاطفه مع اللاجئين الفلسطينيين قام في الأسبوع الماضي بزيارة إلى فلسطين المحتلة وتباحث مع كل من “نتانياهو” و “محمود عباس”، كما زار قطاع غزة المحاصر، لكنه عاد بخفي حنين ولم يستطع إلاّ الإدلاء بتصريح فيه الكثير من التوسل في طلب رفع الحصار عن قطاع غزة الذي أصبحت الحياة فيه لا تطاق حسب تعبيره.

حين يطلب الرئيس الأمريكي من حكام العرب المعتدلين العمل على إيجاد حل للقضية الفلسطينية، فهو يعي جيدا ما يقول، لأن هؤلاء هم الحلفاء الجدد للصهاينة في المنطقة بحكم تنفيذهم لكل مخططاتهم الإستراتيجية ابتداء من غزو العراق وتدميره أرضا وشعبا ودولة وتصفية لرئيسه الرافض للتطبيع، مرورا بليبيا فاليمن فسوريا حاليا والبقية تأتي، لذلك فالمفروض أن هذا التحالف مع العدو يعطيه الطمأنينة والثقة لمواصلة التفاوض والبحث معه على إيجاد حل سلمي للقضية على أساس الأرض مقابل السلام بالفهم الصهيوني، ليس بالفهم الفلسطيني، لأن ما بقي من الأرض المحتلة في فلسطين بعد زيادة عدد المستوطنات المتفاقم لم يبق من 1/16 من الأراضي الباقية ما يكفي لإقامة دويلة فلسطينية ذات سيادة كما يحلم بها الشعب الفلسطيني.

إن شراء الاستسلام من السلطة أصبح غير ممكن حتى ولو حشرت هذه السلطة كما هو حالها في الوضع الذي هي فيه في رام اللـه، لأن البقية الباقية من روح المقاومة المتمثلة في بعض الفصائل والقيادات لا تستطيع أن تتحمل أخلاقيا القبول بهذا الاستسلام حتى ولو عوقبت بالتجويع والقتل اليومي وإخراج المواطنين من بيوتهم لإسكان المستوطنين فيها، فالاستسلام خط أحمر بالنسبة للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، فعلى الحكام المعتدلين أن يبحثوا مع حليفهم الجديد حلا آخر أقل كلفة لضمائرهم.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحراك والبعد الثقافي/ عبد القادر قلاتي

ما نمر به اليوم من أحداث مؤشر على عملية تحوّل حقيقي، قد لا يفضي إلى …