الرئيسية | حوار | حوار مع الأستاذ الدكتور والأديب حسن الأمراني …/ حاوره: أ. حسن خليفة

حوار مع الأستاذ الدكتور والأديب حسن الأمراني …/ حاوره: أ. حسن خليفة

* لا يمكن أن نخدم الأدب الإسلامي بالضحالة والسطحية

* الأمة المسلمة ولود .. والمستقبل للإسلام بكل تأكيد

الحديث مع الدكتور حسن الأمراني ممتع ومفيد؛ فهو رجل أدب وفكر ودعوة، قدم على مدار عقود من الزمن الكثير لدينه ووطنه ولغته، وما يزال عطاؤه قائما ممتدا . أحببنا في هذا الحوار المعرفي الأدبي أن يتعرف القارئ الجزائري(والعربي) على بعض المناحي ذات الصلة بالأدب الإسلامي الذي أدى له الدكتور الأمراني خدمات جليلة.. ودون إطالة إلى الحوار:

 نبدأ بسؤال رئيس .. نريد نبذة عن حياتك ومسارك العلمي والمهني حتى الآن، ليتعرّف عليك القاريء الجزائري؟

بدأ الدكتور الشاعر حسن الأمراني حديثه معنا بقوله :”أشكر لكم أولا دعوتكم الكريمة، وأرجو للجمعية الرائدة مسيرة موفقة، ومجموع مطبوعاتها رصيد جيد في مجال خدمة الثقافة الإسلامية، فالبصائر تذكرنا بجريدة البصائر الأولى التي كان يشرف عليها العلامة محمد البشير الإبراهيمي، والتي قامت برسالة عظيمة في نشر الوعي الصحيح. وغيرها من المطبوعات أيضا تؤدّي أدوارا مهمة في تعميق الوعي ونشر الفضائل والفكر السليم .

بالنسبة للتعريف بشخصي ما أظنّكم بحاجة إلى تعريف رسمي، مما تجدونه في المواقع المتوافرة بين أيدي الناس. ولكني أحسب أن المهم في مسيرة حياتي إنما هي المراحل التي شكلت شخصيتي، ومساري المهني والفكري والأدبي.

ولدت في 1949، فأنا إذن أنتمي إلى جيل الهزيمة، جيل الانسحاق الحضاري، جيل الانكسارات المتتالية. ففي 1948 كانت نكبة فلسطين، وقبلها في شهر ماي 1945 كانت المجزرة الوحشية التي قامت بها قوات الاستعمار الفرنسي ضد الجزائريين الذي احتفلوا بانتصار الحلفاء، ظنا منهم أن فرنسا ستفي بوعودها وتعلن استقلال الجزائر. وكانت النتيجة 45000 شهيد. وكانت مشاهد الغطرسة الاستعمارية متوالية تحت أعيننا ونحن صغار.فكان ذلك مما شكل أوليات الوعي في نفوسنا، وبروز الحرية، وما يتصل بها من وجوه المقاومة، كقيمة جوهرية في حياتنا.  ثم كانت نكبة 1967، التي ضاعت فيها القدس، وأجزاء كثيرة من البلاد العربية المجاورة لفلسطين. أحداث كثيرة كنا نعيشها، أو تصلنا أخبارها، فتشكل وعينا الحضاري الغض.

وقد كانت الحرية مطلبا حضاريا مشتركا، حيث ولّدت رغبة في التحرر من كل شيء. وكانت حركة الشعر الحرّ وجها من وجوه تلك الرغبة. ولدت قصيدة نازك الملائكة (الكوليرا) عام 1949، مبشرة “بكسر” البنية التقليدية للقصيدة العربية، وكان المقطع المهيمن في القصيدة يعبر عن حالة الأمة قاطبة، لا عن ضحايا الكوليرا فحسب:

الموت، الموت، الموت

هذا ما فعلت كفّ الموت.

فقد كان الموت يحيط بنا من كلّ مكان. في ذلك العمر الغضّ شاهدت، مع جيلي، صورة من صورة الموت البشع في مدينتي التي ولدت وترعرعت فيها، وجدة، ألا وهو عدوان الطيران الفرنسي على مخيم اللاجئين الجزائريين في حيّ “كلوش”. هناك اختلطت دماء الشعبين، المغربي والجزائري، وهناك نُكب بعض من أصدقاء الطفولة في عدد من معارفهم وأحبابهم. إذن فقد نُكبت أنا أيضا. لقد كنت أزور ذلك الحي رفقة أصدقائي الأطفال الجزائريين، وكنت أشاركهم أحيانا الحليب الذي كان يوزع في (الكار = إناء معدني).

إن للمكان سلطته، بما يشمله هذا المكان من أبعاد ومكونات شتى. كانت وجدة مدينة تمثل همزة وصل بين المغرب والمشرق، ولاسيما بين المغرب والجزائر. وكنت أشهد وأنا في سنّ مبكرة غطرسة المستعمر الفرنسي واقتحامه بيوتنا علينا، وأنا طفل صغير، فنقش ذلك في أعماقي، مما ولّد عندي شعور المقاومة بمفهومها الشامل لكل ما هو استعماري. وكان أكثر أصدقائي، من أطفال الجزائر، بحكم الحي الذي كنت أسكن فيه، وكان يسكن فيه أو يزوره قادة حرب التحرير الجزائرية، من أمثال أحمد بن بلة، وهواري بومدين، وعبد العزيز بوتفليقة.

وكان رفقتي في المدرسة عدد من التلاميذ الجزائريين الذين انعقدت بيني وبينهم أواصر الصداقة التي لم تنقطع بعد رجوعهم إلى الجزائر إبان استقلالها. وما تزال هذه الصداقة قائمة حتى اليوم مع بعضهم. وقد كان لبعض هؤلاء شأن، أذكر منهم الأستاذ عاصمي الذي كان يرفع الأذان على أمواج الإذاعة الجزائرية. ومنهم الأستاذ الإعلامي أبو القاسم بن عبد الله، الذي كان يعدّ برنامجا أدبيا لتشجيع الأصوات الناشئة. وقد كنتُ من مراسليه، أعرض عليه أعمالي الأولى. ومنهم الدكتور الأخضر بن عبد الله، الشاعر وأستاذ الأدب المقارن الشهير. وأسرة بن عبد الله في الحقيقة كلها لها مكانة في قلوب ذلك الجيل، ومنها الشقيق الأكبر إدريس بنعبد الله.

كما أن من جيراننا، يوم انتقل الوالد رحمه الله إلى حي جديد، أسرة جزائرية معروفة، هي أسرة “فاضلة” التي كان أحد أفرادها ضمن البعثة الدبلوماسية الجزائرية في الأمم المتحدة. كان بيننا وبين هذه الأسرة مودة خاصة، وهي التي دعتني، أنا وأخي الأكبر إلى زيارة وهران، وكان نتيجة تلك الزيارة قصيدتي: “الليل في وهران”، رغم أن علاقتنا الأسرية بوهران بخاصة، وبالجزائر بعامة قديمة، حيث كانت لي أخت مقيمة في وهران مع زوجها. وعموما كان من عائلتي من يسكن وهران وبشار الخ..

هل استطردت؟ كلا! لأن مرادي أن أبين سرّ الحضور القوي للجزائر في شعري، منذ قصائدي الأولى، حتى إصداري: “سيدة الأوراس”، و”أشجان النيل الأزرق” الذي فيه للجزائر نصيب كبير. ولم ينقطع هذا الأثر، حيث كتبت قصيدة “باتنة” عام 2013.

وكان مما أثر في مسيرتي الفكرية والأدبية حضوري المبكر، أي منذ كنت طالبا في الجامعة، عدد من الملتقيات الفكرية والأدبية في الجزائر، حيث حضرت في سنوات الطلب الأولى (1970) ملتقى الفكر الإسلامي الرابع بقسنطينة، ثم الملتقى السادس (1972) بالجزائر العاصمة. وهناك لقيت أعلام العلم والفكر والأدب، وعلى رأسهم الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، الذي أخذنا إلى زيارته صديقه أستاذنا الدكتور عبد السلام الهراس، الذي كان سببا في ترجمة كتب الأستاذ مالك بن نبي إلى العربية، فهو الذي عرف الدكتور عبد الصبور شاهين رحمه الله بمالك بن نبي في القاهرة واقترح عليه ترجمة كتب الأستاذ بن نبي. وهذا ذكره لي أستاذي الدكتور الهراس، وأكده لي الدكتور عبد الصبور شاهين عندما التقيت به. كما قدر الله لي أن أرى الشاعر الكبير مفدي زكريا، وهو ينشد (ملحمة الجزائر) في قصر الأمم بالجزائر. وممن لقيتهم وانعقدت بيني وبينهم أواصر مودة الأستاذ المفكر والشاعر أبو القاسم سعد الله، حيث حضرنا معا عدة ملتقيات، ومنها ملتقى عقد بمناسبة يوم العلم في قسنطينة، وشاركنا معا في بعض الندوات والملتقيات، ومنها ملتقى مغاربي في فرنسا. ولكثرة حضوري إلى الجزائر، قال يوما الدكتور عبد اللطيف عبادة رحمه الله لزملائه من باب المداعبة: لقد صار الأمراني جزائريا.

كل ذلك يفسر بعضا من قوة حضور الجزائر، واقعا وحضارة، في أشعاري.

 حدثنا عن مسيرتك الأدبية .. ليعرف القراء والباحثون ما ينبغي أن يُعلم منها؟

كان ذلك هو منطلق مسيرتي الأدبية. بدأت وأنا في سنوات الطلب الجامعية أنشر أشعاري في بعض المنابر المشهود لها، مثل مجلة “أقلام”، وجريدة “الاختيار” المغربيتين، ثم بعض المنابر في الجزائر وتونس، مثل مجلة الفكر المشهورة. وكانت رحلتي الثانية بعد الجزائر هي تونس، حيث حضرت ــ في سنوات الطلب دائما، عام 1971 ــ ملتقى الأدباء الشباب، الذي كانت تشرف عليه الإذاعات الثلاث في المغرب والجزائر وتونس. وهناك نسجت صلات مع بعض أدباء تونس، شعراء وقصاصين.

كانت المنابر الأدبية السائدة في العالم العربي كله في معظمها، لعقود، ذات طابع يساري، وأكثرها خاضع للأنظمة، مثل “الأقلام” و”الطليعة” في بغداد، وبعضها كان يتلون بتلون الحكام، مثل “الكاتب” و”الهلال” المصريتين. أمام هذا الواقع الذي يمثل نوعا من الحصار الخفي، كنت وزملائي، من أصحاب الهمّ الحضاري، مدعوين إلى اقتحام أبواب هذه المنابر. وهكذا شرعنا ننشر فيها بلا حرج. وقد نشرت شخصيا في “الأقلام” و”الطليعة” و”الثقافة” العراقية، و”الآداب” البيروتية، و”الكاتب” المصرية، و”الفكر” التونسية، و”الفصول الأربعة” الليبية، بالإضافة إلى بعض المجلات الدعوية المستقلة التي كانت تجعل نصيبا للأدب، وإن كان نصيبا متواضعا، مثل “المجتمع” الكويتية” و”الإرشاد” اليمنية، الخ…

 

  • ارتبط اسم الأستاذ حسن الأمراني بـ”الأدب الإسلامي” ما هي حقيقة  طبيعة العلاقة بينك وبين الأدب الإسلامي ..حتى الآن؟.

 

السمة الإسلامية في شعري كانت فطرية، لم أتلقها من أحد، ولم تكن توجد منابر خاصة بالأدب الإسلامي، إلا ما كان من بعض المنابر الرسمية الصادرة عن وزارات الأوقاف، ولم يكن ما ينشر فيها “أدبا إسلاميا”، بالمعنى الإصطلاحي، وإن كان “أدبا دينيا”، والفرق بين اللونين قائم.

كما أنه لم يكن يصل إلى يديّ شيء مما كتبه أو كان يكتبه بعض أعلام الأدب الإسلامي في المشرق، من أمثال نجيب الكيلاني وبهاء الدين الأميري، رغم أن الأميري كان في سبعينيات القرن الماضي قد اتخذ من المغرب دار إقامة له. وكل ما كان يصلنا من أشعار كان ذا اتجاه يساري خالص، يمثله كبار شعراء المدرسة الحديثة، من أمثال السياب، والبياتي، وصلاح عبد الصبور. وكانت أشعار نازك تصلنا، ولكنها وإن كانت مناهضة لليسار، إلا أن السمة الإسلامية في شعرها لم تبرز بوضوح إلا مع ديوانها: “للصلاة والثورة”. وكأبناء جيلي، تتلمذت، شعريا، على يد هؤلاء جميعا، بالإضافة إلى بعض شعراء القصيدة الأصيلة الكبار، من أمثال عمر أبي ريشة، وبدوي لجبل، وأحمد الصافي النجفي. ولم يكن الجواهري من بين هؤلاء، على الأقل عندي.

أمام هذا الواقع، عزمت أنا وبعض الزملاء على إصدار مجلة أدبية تجمع حولها من يؤمن بالأدب الحضاري، وجعلنا “الثقافة البانية” شعارا لها. وقد استمر التفكير في هذا حوالي ست سنين، من عام 1977 إلى 1983. وفي هذه السنة صدرت العدد الأول من مجلة “المشكاة” من وجدة، وطبع بمدينة تطوان، حيث أشرف على طبعها ومتابعتها فنيا الأديبان محمد المنتصر الريسوني والدكتور حسن الوراكلي، رحمهما الله. وإذا كان صدور المشكاة قد استفز أدباء اليسار، فإن جمهور القراء، وبعض المنابر الثقافية المتزنة، رحبت بها وتلقتها بالقبول الجميل، داخل المغرب وخارجه. وقد كتبت عنها مجلة “الأمة” القطرية، المأسوف عليها، كلاما جميلا ومشجعا، وسمتها: “مجلة الأدب الإسلامي”، رغم تحفظها على ما أسمته: “الشعر الحر”.

ومما يسجل للتاريخ أن أكثر الرسائل التي كانت تصل المشكاة، إما للاشتراك وإما للمشاركة الأدبية، كانت من الأقطار المغاربية: موريتانيا والجزائر وتونس. ولأول مرة سمعت شخصيا ببعض المدن، مثل مدينة “أطار” الموريتانية، و”تطاوين” التونسية. لابد من أن نستحضر الواقع الثقافي والإعلامي يومذاك، حيث كان الشحّ في المعلومة، جغرافيا وثقافيا، كي نفهم سر الفرح الكبير الذي كان يغمرنا ونحن نتواصل مع القراء من هذه المدن.

وتحت ظل المشكاة استطعنا التعارف مع عدد من الأدباء الشباب في العالم العربي.كما أنه عُقد عدد من الملتقيات والمؤتمرات العالمية، باسم المشكاة، أو بتعاون مع المشكاة، ومنها الملتقى الدولي الأول للأدب الإسلامي، الذي عقد في سبتمبر 1994، بوجدة، وكان ملتقى مشهودا  حضره كبار أدباء العالم الإسلامي، من أمثال الشيخ أبي الحسن الندوي، الذي قال عنه: “على كثرة ما حضرت من مؤتمرات، لم أشهد مؤتمرا كهذا”. وممن حضر الملتقى الدكتور مصطفى هدارة، وعمر بهاء الدين الأميري، وأحمد بسام ساعي، ومحمد التهامي، وعلية الجعار، وعبد الله الطنطاوي، وعصام الغزالي، بالإضافة إلى عدد مهم من أدباء المغرب العربي.

كما أنه لابد من الإشادة بملتقى الفن الإسلامي الذي عقد في قسنطينة عام 1990، وكان ملتقى مشهودا، حضره عدد كبير من الأدباء الكبار، من أمثال نجيب الكيلاني، والفنانين العالميين، مثل الفنان البريطاني العالمي يوسف إسلام “كاتستيفنس”، وعدد من المنشدين العرب، منهم أبو راتب والترمذي، وقدر صالح من الشعراء الذي وجدوا في الملتقى فرصة للقاء بجماهير الذوق الرفيع. لقد أشرت إلى هذا الملتقى لأنه كان فرصة ثمينة تعارف فيها عينيا الأدباء والفنانون، بعد اللقاء النصي والسمعي.

  • تعد رابطة الأدب الإسلامي العالمية خيمة وسيعة وفسيحة للأدب الإسلامي بكل أشكاله وفنونه.. هل يمكن أن يعرف القارئ منك حقيقة هذه المؤسسة (الرابطة) منذ نشأتها ؟

من المفيد الإشارة إلى أن مجلة “المشكاة” كانت أول مجلة متخصصة في الأدب الإسلامي، وقد صدرت قبل أن تنشأ رابطة الأدب الإسلامي العالمية التي أسست في الهند، في يناير/جانفي1986، وكنت بفضل الله ممن حضر المؤتمر التأسيسي، قادما إلى الهند من باريس التي كنت مقيما بها، أحضر شهادة الدكتوراه.

وما ذكرتم من أن رابطة الأدب الإسلامي العالمية تعدّ خيمة وسيعة وفسيحة للأدب الإسلامي بكل أشكاله وفنونه، كلام صحيح. فقد كان من أهداف الرابطة، منذ نشأتها، مدّ جسور التواصل بين أدباء الإسلام في العالم كله، للتعرف على طبيعة هذا الأدب من جهة، ثم للتعريف به ثانيا. فنحن عندما نتحدث عن أدب ما، بقولنا إنه أدب فرنسي، أو روسي، أو حتى عربي، نكون قد نسبنا الأدب إلى لغة معنية، أو إلى بقعة جغرافية معينة، وكل ما هو خارج هذه اللغة لا يمكن أن ينسب إليه. أما عندما نقول: “الأدب الإسلامي” فإننا نتحدث عن أدب شاسع واسع، ممتد في الزمان وفي المكان، وهو أيضا أدب كتب بلغات متعددة جدا، مما يزيده اتساعا من جهة، ويجعله همزة وصل حضاري بين الشعوب التي أنتجت ذلك الأدب من جهة أخرى. فنحن عندما نتحدث عن نجيب فاصل، ومحمد عاكف، وعلي نار، وهم يكتبون بالتركية، لا ننسبهم إلى اللغة التي يكتبون بها فقط، بل ننسبهم أيضا إلى أمة ذات عمق حضاري لا نكاد نجد له شبيها، هي أمة الإسلام، وحضارة الإسلام. وكذلك هو الشأن مع محمد إقبال، وطفيل مدني،وكملا ثريا، لا ننسب أدبهم إلى قارتهم، الهند، ولا إلى اللغة التي كتبوا بها، بل ننسبهم إلى تلك الحضارة العالمية الفريدة.

ومن هذا المنطلق لم يكن لازما أن تنشأ رابطة الأدب الإسلامي العالمية في بلد عربي، باعتبار اللغة العربية هي اللغة الأولى للأدب الإسلامي، بل روعي أن يكون قائد هذه الرابطة رجلا أديبا و”عالميا”، ولم يكن هنالك من هو أنسب للقيام بهذه المهمة من الشيخ أبي الحسن الندوي، الذي جمع ما تفرق في غيره. فهو شخصية إسلامية مجمع على فضلها، وشخصية أدبية وفكرية مشهود لها في الغرب، وشخصية جامعة وموحدة. وهناك عامل آخر يفسر لنا إنشاء الرابطة خارج العالم العربي، وهو أنه لم يكن هناك نظام عربي قادر على استيعاب الفكرة، واستقبال أصحابها، دون أن يسعى إلى توجيهها والهيمنة عليها. وأمام أعيننا نماذج لذلك. فرابطة العالم الإسلامي مثلا كانت توجه من قبل الدولة التي هي مقر لها، مما جعل كثيرا من قراراتها غير ذات فعالية.. وهكذا. كل ذلك التضييق وتلك العرقلة تتم بالرغم من أن رابطة الأدب الإسلامي نصّت في قانونها الأساسي منذ المؤتمر التأسيسي على الابتعاد عن الخلافات السياسية والحزبية والمذهبية.

وهذا يفسر لنا شيئا آخر، وهو تأخر إنشاء مكاتب للرابطة في كثير من البلاد العربية، ولذلك كان أول مكتب إقليمي للرابطة قد أسس، أسس فيد بلد غير عربي،وهو تركيا، رغم أن القيادة التركية آنذاك كانت قيادة عسكرية غير ديمقراطية، ولكن ما ساعد على إنشاء المكتب نظام الوقف الذي ظل مؤسسة مستقلة في تركيا. وبعد ذلك بفترة تأسس للرابطة مكتب إقليمي بالمغرب العربي وغرب إفريقيا، وقد اتخذ وجدة مقرا له، باعتبار رئيسه عضوا مؤسسا للرابطة وعضوا في مجلس الأمناء.

 ماذا حققت (الرابطة) بالضبط .. في المجالين الأدبي والنقدي (إصدارات ـ مؤتمرات ـندوات ـ الخ) ؟

أما أنشطة الرابطة على مستوى خدمة الأدب الإسلامي فمتعددة، رغم أن أنشطة الرابطة، على المستوى المركزي، قد تقلص بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، وذلك لسببين هما:

أ ــ موت رئيسها الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله، عام 1999، ومرض خلفه الدكتور عبد القدوس أبو صالح شفاه الله.

ب ــ الأوضاع السياسية المضطربة عموما في البلاد العربية، وهو ما صعّب من التواصل بين الأدباء، ولاسيما تحت ظل رابطة ترفع شعار “الأدب الإسلامي”، مما جعل الأنشطة الأدبية تتركز في المكاتب الإقليمية، كل مكتب بحسب قدرته وظروفه. وأكثر المكاتب حضورا في العالم العربي مكتبا الأردن والمغرب، أما خارج العالم العربي فمكاتب الهند، وتركيا، وباكستان، وبنغلاديش، ويوجد للرابطة مكاتب أخرى، مثل مكتب أندونيسيا.

وقد أنجزت الرابطة عبر مسيرتها الطويلة عددا من الأهداف الهامة. ومن ذلك عقد عدد من المؤتمرات والملتقيات، وإصدار مجلة خاصة بالرابطة، هي مجلة “الأدب الإسلامي”،  بالإضافة إلى مجلات أخرى للأدب الإسلامي، أنشأتها المكاتب في تركيا، والهند، وباكستان، وبنغلاديش. كما أن الرابطة نشرت قدرا صالحا من المنشورات.

وهذا بيان موجز لبعض تلك الأنشطة:

أهم المؤتمرات والندوات في رابطة الأدب الإسلامي العالمية:

  • مؤتمرات الهيئة العامة كل ثلاث سنوات: 8 مؤتمرات.
  • دورات مجلس الأمناء كل سنة: 17 دورة.
  • الملتقى الدولي للأدب الإسلامي في المغرب كل ثلاث سنوات: 6 ملتقيات.
  • الملتقى الدولي للأديبات الإسلاميات: ملتقيان.
  • مؤتمرات الأدب الإسلامي وندواتها في الهند 38 مؤتمرا وندوة.
وتجدر الإشارة إلى أن ملتقيات الأدب الإسلامي في المغرب كان لها صدى طيب داخل العالم العربي وخارجه. ففي ملتقى الدار البيضاء، الذي احتفى بالمفكر العالمي المهدي بنعبود، تلقى الملتقى برقية تهنئة، وتحية للمحتفى به، من الزعيم التاريخي الحسين آيت أحمد رحمه الله، رفيق المهدي بنعبود في النضال من أجل استقلال المغرب العربي.

كما أنه كانت تعقد ندوات، بعضها تخصصي، على هامش كل مؤتمر من مؤتمرات الرابطة، ومن ذلك على سيبل المثال:

ندوة أدب الأطفال، في إستانبول بتركيا في المدة 10-16/1/1410هـ، الموافق  11-17/8/1989م.

– وندوة (تقريب المفاهيم في قضايا الأدب الإسلامي)، في إستانبول في المدة 5-8/3/1414هـ، الموافق 22-25/8/1993م.

ــ ندوة الأدب الإسلامي والموقف من الآخر،القاهرة، من 14-15/7/1426هـ، الموافق 19-20/8/2005م.

أما دورات مجلس الأمناء فقد عقدت في كل من استانبول، والقاهرة، وعمان، والمدينة المنورة، وفاس.

وأما الملتقيات الدولية للأدب الإسلامي فقد عقدت في كل من وجدة، والدار البيضاء، وأكادير، وفاس، ومراكش، وتطوان.

وأما الندوات الدولية فقد بلغت 28 ندوة، في كل من الهند، ومصر، وتركيا، والمغرب، وعمان، وباكستان، والسعودية، واليمن، والنيجر، وتشاد، وبريطانيا.

كما عقدت أسابيع للأدب الإسلامي في كل من السودان، والمغرب، والأردن.

ومن أوجه أنشطة الرابطة أن كل مكتب إقليمي يعقد أنشطة أدبية خاصة به، إما شهرية وإما أسبوعية، كل بحسب ظروفه.

 وأما منشورات الرابطة فهذا ملخص عنها:

وهذه قائمة بأهم منشورات رابطة الأدب الإسلامي العالمية

مجموعة البحوث والدراسات الأدبية والنقدية 25 كتابا مجموعة الشعر 15 كتابا

مجموعة القصة والرواية والمسرحية 16 كتابا

مجموعة أدب الأطفال قصص وشعر ومسرحية28 كتابا

المجموع الكلي للإصدارات 84 كتابا

  • مجلة الأدب الإسلامي الفصلية (ورقيا) 104 أعداد
  • مجلة الأدب الإسلامي الإلكترونية 94 عددا
  • مجلة الأدب الإسلامي التركية 64 عددا
  • مجلة المشكاة 56 عددا
  • مجلة كروان أدب ( تصدر في الهند باللغة الأوردية)
  • مجلة قافلة الأدب الإسلامي (تصدر في باكستان باللغة الأوردية)
  • مجلة الحق تصدر في بنغلاديش باللغة البنغالية
  • نشرات دورية في مكتب مصر

 

  • يعرف المشهد الأدبي العربي طغيانا كاسحا للحداثة بكل “حمولاتها” في المجالين الإبداعي والنقدي التنظيري ..كيف تقرأ ذلك كأديب وكاتب ومهتم من منظور إيماني وإسلامي؟

إذا تحدثنا عن الحداثة كمذهب فكري شامل، يمس كل مناحي الحياة، فإنه يكون لزاما علينا البحث عن الجذور. وعندها سنجد أن “الحداثة”، بهذا المعنى، مذهب غربي قديم، تعود جذوره إلى نهايات القرن الخامس عشر، ثم شرعت تمر بمراحل متعددة، من العهد اللوثري إلى عهد فرويد إلى الثورة الفرنسية فما بعدها، لتستقر في القرن التاسع عشر مذهبا فكريا وجماليا، يعطيه الشاعر الفرنسي بودلير والشاعر الأمريكي إدغار آلان بو مفهومه التطبيقي، لتصبح الحداثة بعد ذلك حداثات متباينة، قبل بزوغ مذهب ما بعد الحداثة. وفي كل الأحوال فإن الحداثة بكل صورها إفراز رأسمالي، عكس قلق هذا المذهب. ولكن الحداثة عندما انتقلت إلى العالم العربي لم تحمل، في معظم وجوهها، إلا جانبها السلبي المتمثل في بعض المقولات الداعية إلى القطيعة المعرفية، والانسلاخ عن الماضي بكل معطياته الإيجابية والسلبية، بما في ذلك الدين، عاكسة القولة الشهيرة: “انظر خلفك في غضب”. ومن الغريب أن دعاة الحداثة في العالم العربي يحملون تناقضا غريبا، فهم من جهة يبشرون بالحداثة، كما أفرزها المجتمع الرأسمالي، وهم من جهة أخرى يتبنون الفكر اليساري الذي هو وليد النظرية الماركسية، دون أن يلاحظوا هذا التناقض. ولعل الجامع بين القطبين هو مناهضة الدين، لا إهمال الدين، على ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي ألبير كامي الذي دعا إلى الانتقال من اللادينيةla non religion  إلى مناهضة الدين l^anti religion. فليست الحداثة في العالم العربي إلا تقليدا سيئا لما هو في الغرب. والحال أن الحداثة في تاريخنا جزء من المكون الحضاري. والإسلام كان دائما ضد التقليد والتبعية، وضدّ منطق: “إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مقتدون”، ورد على عبّاد التبعية بقول القرآن الكريم في سورة الأنبياء:{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}. ولذلك فالحداثة عندنا ليست شيئا طارئا. ولكي لا نبقى أسارى التقليد الأعمى ينبغي ألا نناهض الحداثة كمفهوم، شرط أن تكون لنا حداثتنا. لنا حداثتنا ولهم حداثتهم. لنبحث عن “الحداثة الراشدة” كما بشر بذلك بعض الباحثين الجزائريين، لأن ما كتبه أعلام الأدب الإسلامي هو أدب حداثي، بهذا المفهوم، يناهض التبعية والتقليد، ومن هنا كان التمييز بين الأدب الديني والأدب الإسلامي. قد نتحدث عن الأدب الديني مثلا عند الشاعر الفرنسي بول كلوديل، ولكنه لا يستقيم أن يختلط علينا الأمر فنعتبر شعر محمد إقبال أو نجيب فاضل أو نجيب الكيلاني أدبا دينيا. نعم، مرتكزه الدين، ولكن بالمفهوم الشامل الذي يغطي كل مناحي الحياة، وبرؤيته النافذة التي توحد بين الغيب والشهادة.

  • كيف تفسّر اكتساح الأدب غير الهادف للساحة الإبداعية العربية ..؟ (الأدب الداعي إلى الرذيلة والفحش وإسقاط الطابوهات).
  • نحن نعيش، في عالمنا العربي، زمن الرداءة .. الرداءة في كل شيء.. في الأدب، وفي الموسيقى، وفي الرسم، وفي السينما، وفي الثقافة بصفة عامة، فانظر هل ترى شيئا يسرّك؟ فكيف يمكن أن يجد الأدب الباني، الطاهر، الرسالي، موقعا في هذا العالم؟ لقد اشتكى نزار قباني مثلا في أواخر حياته ضمن حوار معه من هذه الرداءة الشاملة.. مما قد يسدّ باب الإبداع الجميل.. وعندما نتحدث عن أسباب هذا التردّي نجدها كثيرة، أولها انعدام الحرية، بالمفهوم الإيجابي، ومنها حرية الفكر والإبداع، إذ هناك هيمنة الأنظمة المستبدة على جميع وسائل التواصل، من دور النشر، إلى الصحافة، إلى الإذاعة والتلفزيون، وهي تعمل على ترسيخ الفن الرديء، لأنه يفقد الأمة مناعتها، وصلابتها، التي بها تواجه الاستبداد.

ونحن لا نريد أن نعلق كل قصورنا على مشجب الحكام المستبدين. فلا شك أن هناك أسبابا أخرى، منها أن الذوق العربي العام “تكلس” وفسد، بحكم سياسة الاستبداد المتتابعة، ومنها أيضا قصور أهل الأدب والفكر، ممن يؤمنون بالمشروع الإسلامي، وكسلهم، فكثير منهم تولى يوم الزحف، أو وقع في فخ “الاقتراب من الجمهور”، فراح ينتج أدب هزيلا لا عمق فيه، مما فتح الطريق أمام بعض ضعاف المواهب ليقتحموا الساحة، باسم الفن الإسلامي، فينتجوا فنا ضحلا، لا يكاد يلامس الأعماق. فأصبح الجمهور حائرا بين قطبين متوازيين: قطب يغلب على أدبه الإبهام والضلالة، وقطب يغرق في الضحالة والسطحية. وقد ضربت يوما مثلا بين الأنشودة في العالم العربي والأنشودة في الغرب (وأنا أتحدث دائما عن الأنشودة الإسلامية)، إذ نجد الفرق شاسعا بين أنشودة عالية الكعب، تهز الوجدان، وتبنيه بناء جديدا، مثل أناشيد الكندي داود وارنزبي، وبين نشيد ما يزال يقتصر على ترديد (طلع البدر علينا) في المناسبات.. إنه الكسل الفكري والفني المذموم.

وأمام السياسة العامة المتبعة في العالم العربي صرنا نشاهد كاتبا منحطا، مثل المسمى يوسف زيدان، يلمّع، وتقام له الندوات في معظم البلدان العربية، من أجل نشر غسيله الموبوء على الناس. بينما يموت الأصلاء كمدا.

  • تحدثت في بعض كتاباتك عن “الأدب الذي يصنع التطرف” وقصدت به ذلك النوع من الأدب المنفلت المعادي للمقدسات.. هل يمكن أن تشرح للقارئ هذا الأمر مع الأمثلة والأسماء …؟
  • يتحدث المؤرخ والفيلسوف الإنجليزي تُويْنبي عن قانون التحدي والاستجابة، وهذا القانون يستطيع أن يفسر لنا ظاهرة التطرّف والتطرّف المضاد. فهذه الأمة، رغم كل ما تعرضت له في العصر الحديث من عوامل الانسلاخ الحضاري، تظل أمة مسلمة، وحتى بعض المتهاونين في القيام بشعائر الدين لا يقبلون أن يمسّ دينهم، ويغضبون غضبا شديدا إن حدث شيء من ذلك. ولك أن تستحضر المظاهرات والاعتصامات التي شهدها العالم الإسلامي بعد صدور بعض الأعمال الأدبية أو الفنية المنحرفة التي تنال من الدين. لنستحضر على سبيل المثال المظاهرات التي قامت في باكستان ضد رواية (العار) لتسليمة نسرين، حتى كادت تهلك، لولا منحها اللجوء السياسي في الغرب. إن سلوك بعض المتظاهرين سلوك متطرّف من دون شك، فالفكرة في الإسلام ينبغي أن تقارع بالفكرة، والحجة تواجه بالحجة، ولو ووجهت الكاتبة بنقد علمي رزين لربما دعاها ذلك إلى التفكير بروية، وربما الرجوع إلى المنهج القويم. لكن ما ووجهت به من أسلوب فظ جعل منها بطلة، رغم أن روايتها فنيا ضعيفة جدا، وربما كانت ستموت في مهدها لو أهملناها. ومثل ذلك رواية “وليمة لأعشاب البحر” الهزيلة. نشرت قديما ولم يلتفت إليها النقد. ولكن من عرض لها بالنقد الجارح بعد ذلك أعطاها فرصة الخروج من جحرها. ومثل ذلك يقال عن “آيات..” سليمان رشدي… وغير ذلك من الأعمال التي أثارت جدلا كبيرا. صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين يوم أحد: “قولوا لهم كما يقولون لكم”، وتأسيسا على هذا، كنا نودّ لو تصدى بعض الأدباء الإسلاميين إلى تأليف نصوص أدبية رفيعة تواجه ذلك الأدب الرديء، بدلا من المنهج الخاطئ الذي اتخذ لمواجهة ذلك الأدب المنحرف.

وإذا كانت قد ظهرت بعض الحركات المتطرفة باسم الدين في عالمنا، حتى إنها جندت بعض الشباب لارتكاب جرائم قتل، فلأن أهل الضلالة كانوا متطرفين فيما يكتبون، فأساءوا إلى الدين وإلى المجتمع. فهم بهذا المعنى مسؤولون عن ذلك التطرف، الذي مسّ فئة من الناس تملك غيرة على دينها، إلا أنه لا حظّ لها من العلم، إلا ما تتلقاه عبر بعض الأشرطة. من كان سيتجرأ على قتل فرج فودة مثلا لولا “تطرفه” في معالجة قضايا الامة؟ هذا ليس تبريرا للجريمة، بل هو تفسير لها.. ليس تبريرا للقتل.. فالقتل أكبر جريمة يمكن أن يقدم عليها الإنسان..لكنها دعوة إلى العقلاء من أبناء هذه الأمة، من كل التيارات، فالقلم لا يواجه إلا بالقلم. وأسوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة خصومه. عندما سلط المشركون شعراءهم على الدعوة وصاحبها عليه السلام، استنفر النبي صلى الله عليه وسلم شعراءه للرد على المشركين، فكان من نتائج ذلك نصر مبين، حتى إنّ قبائل بكاملها أسلمت بتأثير من شعر أولئك الجنود الذي دافعوا عن الإسلام بألسنتهم.

 

 

 

ؤ

عن المحرر

شاهد أيضاً

مدير الـمركز الوطني للبحوث في الدراسات الإسلامية والحضارة الدكتور مبروك زيد الخير في حوار للبصائر/ حوار فاطمة طاهي

– “الاستراتيجية العلمية للمركز مرتبطة بالبحث في الواقع المعيش لتطوير مظاهر الحياة” – ” مواجهة …