الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | كيف بدأت الكتابة/ محمد الصالح الصديق

كيف بدأت الكتابة/ محمد الصالح الصديق

سألني صحافي عن بداية كتابتي، عندما أقيم حفل في المكتبة الوطنية لتكريمي، بحضور شخصيات فكرية وأدبية وسياسية، فأجبته بقولي:

كنت طالبا بزاوية الشيخ عبد الرحمن اليلولي سنوات (1939-1945) أدرس على العالم الزهري الشهير الشيخ الرزقي الشرفاوي، ومرة كلفنا بتحرير موضوع إنشائي حول هذا البيت الشعري لأبي الفتح البستي:

زيادة المرء في دنياه نقصان    

وربحه غير محض الخير خسران

وكنت أحب قراءة الكتب الأدبية مع قلة من يقتنيها، ولكني إذا رأيت كتابا أدبيا عند طالب من طلبة الزاوية توددت إليه، واستعرته منه وقرأته بنهم، وربما أتيت على آخره في ليلة واحدة، إذا كان صغير الحجم.

حررت الموضوع الذي كلفنا به الشيخ الرزقي، وقدمته إليه، وأنا خائف أن لا ينال رضاه، وفي نهاية الأسبوع، أعاد الموضوعات إلى الطلبة، وعندما جاء دوري، ركز الشيخ بصره في وقال لي وإشراقة البسمة تتهلل على محياه:

ما كنت أظن أنك في هذا المستوى: فكر خصيب، وخيال واسع، وأمل مشرق، وأسلوب بياني فصيح، إذ واصلت جهادك في هذا الميدان كان لك مستقبل زاهر.

وهذا الموضوع هو أول كلمة حررتها على الوجه القريب من المطلوب، إعدادا، وتفكيرا، وتحريرا.

وانطلقت بعد ذلك في طريقي، وكلمات الشيخ ترن في أذني على الدوام.

وهنا سألني الصحافي النبيه:

إن الكتاب في مختلف البلدان العربية أصناف وأنواع وبعض كتابتهم لا قيمة لها، بحيث لا تعدو أن تكون تضييعا للورق الذي شغلته وكتبت عليه، فما هو الكاتب الحق في نظرك؟

فقلت له: لعل من الحسن المجدي أن أذكر لك ما قاله الأستاذ أحمد لطفي السيد في جوابه عن مثل هذا السؤال، وفيه:

من الكتاب من هو ضنين بشخصيته لا يدعها تفي بيئة الكاتب، فلا يتكلف تقليد غيره، ولا يكتب للكتابة، وإنما يكتب إذا قامت في نفسه أغراض واضحة، يجب أن يبرزها للناس في الثوب الذي يناسبها، ويرضي الأذواق الحاضرة على حسب الفصل الزمني للأفكار.

إن الجدير بهذا الوصف للكاتب، وهو الذي يضع فيها من أثره الفكري والقلمي صورة نفسه ومضطرب آماله، ومسرح أحلامه، وهذا النوع من الكتاب هو الذي يحفظه التاريخ، ويظل يذكره في القلوب وعلى الألسنة مدى الحياة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

جلسة لا تنسى/ محمد الصالح الصديق

زارني بصحبه كل من الدكتور محمد يذير مشنان والأستاذ كمال سعد الله، وكانت الزيارة قصيرة …