الرئيسية | في رحاب الشريعة | بلادنا المباركة فلسطين…عربية إسلامية / د. يوسف جمعة سلامة

بلادنا المباركة فلسطين…عربية إسلامية / د. يوسف جمعة سلامة

أخرج الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ، لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأَوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ).

عند دراستنا للحديث الشريف السابق نتعرف على فضل بلاد الشام عامة، وفلسطين خاصة، حيث بَيَّنَ رسولنا -عليه الصلاة والسلام- بأن الخير سيبقى في هذه الأمة، كما أثنى – صلى الله عليه وسلم –  على المسلمين المقيمين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس وأنَّ منهم الطائفة المنصورة، إن شاء الله تعالى، فبيت المقدس سيبقى إن شاء الله حصناً للإسلام إلى يوم القيامة على الرغم من المِحَن التي تعصف بالأمة، ومن المعلوم أن رسولنا – صلى الله عليه وسلم – قد رَغَّبَ في السكنى والمرابطة في هذه البلاد المباركة الطيبة، فبيت المقدس ثغرٌ من ثغور الإسلام، وللرّباط فيه أجرٌ كبير، وللإقامة فيه وعدم مغادرته والهجرة منه ثوابٌ عظيم، وهذه كلها من ثمار بركة بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، فخير الجهاد الرّباط، وخير الرّباط رباط عسقلان، كما جاء في الحديث الشريف عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ– رضي الله عنهما-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “…فَعَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ أَفْضَلَ جهادِكُمُ الرِّبَاطُ، وَإِنَّ أَفْضَلَ رباطِكُمْ عَسْقَلانُ“.

إن أرض فلسطين المباركة هي أرض الإيمان والرّباط والجهاد، لذلك فقد وَجَّه الإسلام أنظار المؤمنين إليها للمرابطة فيها، حيث بَيَّنَ نبينا- صلى الله عليه وسلم – فضل الرّباط في سبيل الله، كما جاء في الحديث عن سهل بن سعد الساعديِّ – رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: “رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا…”، كما رُوِيَ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السَّمِطِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ“، وجاء في حديث آخر عن النبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أنه قال: “كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ“.

 

 فلسطيــن وطننــــا

انطلاقاً من قول رسولنا – صلى الله عليه وسلم- وهو يخاطب وطنه مكة المكرمة: (وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)، فقد أحبَّ أبناء شعبنا الفلسطيني بلادهم المباركة فلسطين وقلبها مدينة القدس ولؤلؤتها المسجد الأقصى المبارك، اقتداء بنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم– الذي عَلَّم الدنيا كلّها حُبَّ الأوطان والأماكن المباركة والوفاء لمسقط الرأس، حيث يُظهر – صلى الله عليه وسلم – حُبَّه لوطنه مكة، وحرصه على البقاء فيها لا يبرحها، لولا أنه–صلى الله عليه وسلم – أُخرج منها مضطراً مرغماً.

أجل، فما من الوطن بُدٌّ، وما للإنسان عنه من مُنصرف أو غنى، في ظلِّه يأتلف الناس، وعلى أرضه يعيش الفكر، وفي حماه تتجمع أسباب الحياة، وما من ريب أن ائتلاف الناس هو الأصل، وسيادة العقل فيه هي الغاية، ووفرة أسباب العيش هو القصد مما يسعون له ويكدحون، ولكنّ الوطن هو المهد الذي يترعرع فيه ذلك كله، كالأرض هي المنبت الذي لابُدَّ منه للقوت والزرع والثمار.

وهل ينسى الإنسان وطنه؟ وهل ينسى الأرض التي وُلد على ثراها، وأكل من خيرها، وشرب من مائها، واستظل بظلِّها؟ فحُبُّ الوطن من الإيمان، والعيش فيه مع قسوة الحياة يُعَدُّ نعمة عظيمة لا يعرفها إلاّ من فقدها.

القدس عاصمتنا … والأقصى مسجدنا

من الأمور المبشرة بالخير، والدالة على تمسّك شعبنا الفلسطيني ببلادنا المباركة فلسطين وعاصمتنا مدينة المقدس ومسجدنا الأقصى المبارك والمسجد الإبراهيمي وجميع مقدساتنا، ما نراه يومياً من مواقف مشرفة لأهلنا في المدينة المقدسة  وفي مدينة الخليل، الذين يعمرون المسجد الأقصى المبارك والمسجد الإبراهيمي، فقد أثبتوا أنهم مع أهلنا من فلسطينيي الداخل وجميع أبناء شعبنا الفلسطيني على قدر المسؤولية، وأنّهم يستحقّون هذا الشرف الذي تحدّث عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في العديد من الأحاديث الشريفة حول الطائفة المنصورة في فلسطين والقدس والأقصى.

إن هذه المواقف المشرفة لأهلنا في القدس والخليل وفلسطينيي الداخل وشعبنا الفلسطيني المرابط هي صفحة مُشرقة تُضاف إلى الصفحات المُشرقة لنضالات شعبنا عبر التاريخ، فقد علّمت المحتل درساً بأن إجراءاته الظالمة لن تمرّ على شعبنا ولن يُوافق عليها إطلاقا، وفي طليعته الفئة المؤمنة في المدينة المقدسة التي لا تقبل بأي إجراءات للاحتلال، فالقدس مدينة عربية إسلامية، والمسجد الأقصى المبارك مسجد إسلامي خالصٌ ليس لليهود أيّ حق فيه، وصاحب السيادة عليه هي الأوقاف الإسلامية .

القدس في وجدان الأمـــة

إننا نستذكر تاريخ المدينة المقدسة، وهي تحكي قصة الفاروق عمر  الذي أخذ المدينة بعهدة عُمَرية علَّمت الناس من بعده كيف يكون التسامح مع الآخرين، وكيف تُحترم حقوق الناس وتُصان أعراضهم، فقد اهتم المسلمون عبر تاريخهم المشرق منذ عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم –  وعهد الخلفاء الراشدين من بعده بفلسطين عامة ومدينة القدس والمسجد الأقصى بصفة خاصة، كما اهتم الأمويون والعباسيون والأيوبيون والمماليك والعثمانيون بعمارة  المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة المشرفة والساحات والممرات والأسوار والأروقة، ولا ننسى الفتح الصلاحي لهذه المدينة وتحريرها من الإفرنج الصليبيين على يد القائد صلاح الدين الأيوبي، ومن الجدير بالذكر أن  مدينة القدس قد احْتُلّت عبر التاريخ مرات عديدة، ولكنها لفظت المحتلين، وستلفظ هذا المحتل إن شاء الله.

إن مسئولية الدفاع عن مدينة القدس والأقصى والمقدسات ليست مسئولية الشعب الفلسطيني وحده وإن كان هو رأس الحربة في الذَّوْد عنها وحمايتها، إنما  هي مسئولية العرب والمسلمين جميعاً في العمل على تحرير المدينة المقدسة والمحافظة عليها.

لذا فإننا نناشد الأمتين العربية والإسلامية والمؤسسات الدولية بضرورة الوقوف مع أبناء الشعب الفلسطيني في قضيته العادلة لمواجهة صفقة القرن، والعمل على إنقاذ المسجد الأقصى المبارك، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية في مدينة القدس، والتي تهدف إلى تهويد هذه المدينة المقدسة التي عاش أهلها حياة آمنة مطمئنة في ظلّ التسامح الإسلامي، كما نطالبهم بضرورة تقديم الدعم للسكان المقدسيين ومساعدتهم في البقاء على أرضهم والصمود أمام المحاولات الإسرائيلية الهادفة إلى اجتثاثهم وترحيلهم من أرضهم، فالقدس بحاجة إلى خُطوات فعلية تُسْهم في المحافظة على عروبتها وإسلاميتها.

تمسّك شعبنا الفلسطيني بوطنه ومقدساته

إن أبناء شعبنا الفلسطيني متمسّكون بوطنهم ومقدساتهم، فتاريخ شعبنا المرابط حافلٌ بالتضحيات الجِسَام التي قدّمها أبناؤه دفاعاً عن أرضه ومقدساته، وَبَدا ذلك واضحاً وجليًّا منذ وعد بلفور المشئوم وما تبعه من أحداث عظيمة، أظهر فيها شعبنا الفلسطيني المناضل تمسّكه بوطنه وأرضه ومقدساته، وقدّم في سبيل ذلك الغالي والنفيس، ومازال شعبنا إلى يومنا هذا يُثبت في كل يوم بسالةً وقوة وتضحية وتصديًّا للمحتل البغيض، في دفاع منقطع النظير عن أرض فلسطين المباركة، أرض الإسراء والمعراج ومهد الرسالات، وما إجماع شعبنا الفلسطيني بكل قواه وفصائله ومكوناته في الداخل والخارج على رفض صفقة القرن وضرورة التصدي لها إلا دليلٌ واضحٌ على ذلك.

إننا نهيب بأبناء شعبنا والفصائل الفلسطينية بضرورة العمل بشكل جِدّي وسريع من أجل إنجاز المصالحة الوطنية الفلسطينية، فلا سبيلَ إلى تحرير بلادنا وقدسنا ومقدساتنا إلا بالوحدة، لنتمكن سويًا من مواجهة صفقة القرن والتصدي لمخططات الاحتلال الإسرائيلي والوقوف في وجهها صفًا واحدًا، عملاً بقول رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا).

ونحن على ثقة ويقين بالله سبحانه وتعالى أولاً، ثم بأبناء شعبنا الفلسطيني المرابط أنهم سيفشلون صفقة القرن ومخططات الاحتلال الإسرائيلي ضِدّ بلادنا المباركة، وستظل بلادنا فلسطين عربية إسلامية خالصة إن شاء الله تعالى.

نسأل الله أن يحفظ شعبنا ومقدساتنا وبلادنا وسائر بلاد المسلمين من  كل سوء

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الانتماء الذي يجمعنا بأبناء وطننا وشعوب أمتنا وعالم إنسانيتنا

أ. محمد مكركب لقد نهى الله تعالى عن التفرق والانقسام، وأن من سعى لتقسيم مجتمع …