الرئيسية | قضايا و آراء | إلى رحمة عالمية الكتاب يا من شقيتم في عولمة قانون الغلاب/ محمد مكركب

إلى رحمة عالمية الكتاب يا من شقيتم في عولمة قانون الغلاب/ محمد مكركب

 

 

       أجمع العالم العاقل منذ أول إنسان على هذه الأرض أن سعادة الناس في رحمة الله، وأن رحمة الله تعالى في اتباع رسالات السماء، ومنذ آلاف السنين، وقف موسى بن عمران، الرسول المسلم، عليه الصلاة والسلام، يكلم ربه قائلا:﴿فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنافكان جواب الرب الرحمن الرحيم:﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَثم فسر الله رب العالمين من هم الذين يسعدون بعولمة الكتاب الخاتم للكتب السماوية، فقال:﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِمن هنا طريق الأمن والسعادة، يا من تنفقون ثلث جهدكم، ونصف أموالكم في تحقيق الأمن لأنفسكم، ولن يتحقق لكم ذلك إلا باتباع عالمية القرآن، ففي ذلك الأمن والأمان، يا بني الإنسان.

إن من يسمونهم بالدول العظمى زورا وبهتانا، والذين يفرضون مواثيقهم الظالمة على الضعفاء، ينفقون أموالا طائلة في صناعة السلاح النووي وما بعد النووي، والملايير الممليرة في تمويل الجيوش والقواعد الحربية، والأساطيل البحرية والجوية والبرية، يزعمون أنهم يحاربون الإرهاب، ويحفظون السلم، وليس الغرابة في زعم الأقوياء الذين يعيشون بعرق الضعفاء، وإنما الغرابة في أن الضعفاء المتخلفين يصدقون عولمتهم الغابية، ويتركون العالمية الربانية.

لقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام، ولمن معه من بني إسرائيل: بأن سعادتهم في اتباع خاتم النبيين محمد بن عبد الله، وفسر لهم ذلك، لماذا؟ فقال:﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الأعراف:157).

ولا نتعجب من اليهود والنصارى الذين كذبوا بالرسالة الخاتمة المحققة للعولمة العادلة، فإن الله تعالى أخبرنا عن سبب كفرهم، وصدهم عن سبيل الله، فإنهم يعلمون أن سعادة العالم في رسالة القرآن، وأن عولمة الرحمة، هي عولمة الإسلام. ولكنهم ودوا لو يكفر الناس كما كفروا، حسدا من عند أنفسهم، عرفوا الحق، في قرارة أنفسهم، وكذبوا بألسنتهم. ثم من بعد ما اعترفوا على حد قول عباقرتهم في العصر الحديث، بأن محمدا صلى الله عليه وسلم أول العباقرة في العالم، ومع ذلك لم يصدقوه، ولم يتبعوه. فهم يعترفون ولا يصدقون عقولهم. فهل هناك سفاهة أحقر من هذه السفاهة ﴿ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل:14).

فهؤلاء الكفار، الذين استكبروا واستنكفوا، وأنكروا تصديق آيات الكتاب، بألسنتهم علنا، رغم أن قلوبهم قد استيقنتها، عَلِمُوا في قرارة نفوسهم أنها حق، من عند الله تعالى، فخالفت ألسنتهم قلوبهم، ظلما للآيات.

لكن أين أنتم يا معشر المسلمين، لماذا لا تقيمون عالمية الكتاب على مستواكم، لماذا تهجرون بعضكم، وتوالون من استدمروكم، واستعبدوكم، وأكلوا أموالكم، وهم على كفرهم. لماذا تقاطعون بعضكم، وتؤيدون عدو الله وعدوكم؟﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾(سورة الممتحنة).

منذ سقوط الخلافة والشعوب الإسلامية، مرة تتكتل مع الشرق، ومرة مع الغرب، ومرة رضوا لأنفسهم غباء، بأن سموهم العالم الثالث، ثم قالوا لهم ليلعبوا على رؤوسهم: تعالوا إلى عدم الانحياز؟ وقبلوا اللعبة، بكل صبيانية وسذاجة.

فإننا ندعوهم إلى ما دعانا الله إليه، تعالوا إلى رحمة عالمية الكتاب، يا من شقيتم بعولمة الغاب، ومواثيق الغلاب، تعالوا إلى عولمة الرحمة الإلهية﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (الأنعام:71).

هل علمتم أيها المسلمون، يا من تقاطعون إخوانكم، وتتعاونون مع أعداء دينكم. هل علمتم ما معنى قول الله تعالى:﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى﴾؟ فكيف تتركون هدى الله، وتتعاملون عصبية مع من يكفر بالله؟

لا يزال المسلمون في شقاء يعانون الفتن والأزمات حتى يعودوا إلى ما وصى به الله سبحانه وتعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم، حتى تكون كل هذه الشعوب الإسلامية، تابعة لاتحاد واحد، أمة واحدة من دون الناس. وبقاؤهم متفرقين متقاطعين يعتبر اعترافا منهم بأنهم يريدون الشقاء لأنفسهم، وأمتهم، وخدمة لأعداء دينهم. إن الأمر في ذكر الله أمر بالعالمية الملزمة، ومن خالف كان معتديا. والله تعالى يقول:﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾.

ترك المسلمون الخلافة فضعفوا واستكانوا، فاقتسمهم المفترسون من شرق وغرب، وتركوا الجهاد فذُلُّوا، فاحتل أرضهم الأعداء، وما خرجوا من أراضيهم حتى راحوا يملون عليهم قوانينهم الجائرة، ومنها أن لا تذكروا كلمة الجهاد في مناهجكم، ولا تعلموا العلوم بلغة كتابكم، وخذوا عنا المناهج والمخططات، واعطونا ثرواتكم، وافتحوا لنا أسواقكم، واقترضوا من صندوق النقد الدولي القروض فإننا نساعدكم، كما هو في الظاهر، ونمتص دماء اقتصادكم بالديون في الخفاء. وقبل المتخلفون الساذجون هذه التوجيهات، التي تملى عليهم من فوق البوارج البحرية.

قال محاوري: ولكن المسألة ليست بالسهولة، فالغرب الآن يملك القوة التي لا تقهر، واليهود بيدهم كل شيء؟ قلت: فماذا تركت لله تعالى؟ فاستغفر الله عز وجل، وتب إليه. على ما أخطأت في تعبيرك. فأين الغرب الذي يملك القوة التي لا تقهر؟  هل نسيت [ لا حول ولا قوة إلا بالله] أم أنك فقدت اليقين بتوحيد رب العالمين؟ والله تعالى بيده ملكوت كل شيء، فكيف تقول: اليهود بيدهم كل شيء؟ هل تظن أن سنن الله تغيرت، في نصر من ينصره؟ يعني هل في زمن الصحابة فقط كانوا إذا نصروا الله نصرهم على أعدائهم؟. راجع فهمك، وإيمانك، فإن من ينصر الله ينصره على أعدائه، في كل زمان ومكان.﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(آل عمران: 175).

قال محاوري: لماذا هذه الشعوب العربية الإسلامية تعلم أن سعادتها في إقامة عالمية الإسلام، التي أمر الله تعالى بها، ولم تعمل بذلك عن عمد؟ قلت: هم الذين ينبغي أن يجيبوا عن السؤال، وهذا هو الهدف من  هذا المقال، نخاطبهم، وندعوهم، ونطرح عليهم السؤال:[ لماذا أنتم أيها الملوك والأمراء والسلاطين تتقاطعون ولا تتعاونون، مع أنكم تتعاونون مع أعداء دينكم؟ وتُضْعِفُون إخوانكم، أجيبوا…] ألم تقرؤوا قول الله تعالى:﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾(105) أي: ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين تفرقوا في الدين وكانوا شيعا، تذهب كل شيعة منها مذهبا يخالف مذهب الآخر، وتنصر مذهبها وتدعو إليه، وتخطّئ ما سواه، ولذا تعادوا واقتتلوا، وكانت بينهم الحروب.

ولو كان فيهم أمة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعتصم بحبل الله وتتجه إلى غاية واحدة، تدبر ( تتجه إلى غاية واحدة) لو اتحدوا في عولمة إيمانية لما تفرقوا ولا اختلفوا فيه، ولما تعددت مذاهبهم في أصوله وفروعه، وما قاتل بعضهم بعضا، والمعنى: فلا تكونوا مثلهم فيحل بكم ما حل بهم، بل اتحدوا ولا تختلفوا.

نعم، قد تقول: فما العمل؟ أقول لك دائما، إن الجواب في الكتاب والسنة. فلا تذهب بعيدا عن الكتاب والسنة. ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾.إذا كان الأصل في بناء المجتمع الوطني، أنه لابد من اجتماع الأفراد، ليكونوا المجتمع المدني، ومن هنا جاء قولهم: الإنسان مدني بالطبع. أي لا يستطيع أن يعيش منفردا وحده. فإنه في عصرنا الآن، فإن الدولة دولية عالمية بالطبع. إذا أن الحدود الجغرافية للوطن حاليا هي العالم الأرضي كله. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثبة التحوُّل وعلاقتها بالخصوصية الحضارية/ د . إبراهيم نويري

هناك تيار عريض من الناس في أمتنا – بما فيهم الكثير من المثقفين – يقع …