الرئيسية | قضايا و آراء | – قراءة في شعر سمير خلف الله-المجد الحضاري الأندلسي في الشعر الجزائري/ د- وليد بوعديلة

– قراءة في شعر سمير خلف الله-المجد الحضاري الأندلسي في الشعر الجزائري/ د- وليد بوعديلة

صدر عن دار المثقف للنشر والتوزيع بالجزائر مجوعة شعرية موسومة بـ”ترانيم عاشق الحمراء”-2019- للشاعر المبدع سمير خلف الله.
ويأتي اسم قصر الحمراء المشهور بغرناطة موشحا للعنوان ومنسجما مع الكثير من القصائد الشعرية التي احتفت بكل جماليات المكان في إسبانيا زمن الوجود العربي الأمازيغي الإسلامي بها، وهناك الكثير من الموضوعات التي تستوقف القارئ بأساليب فنية خاصة بالشاعر.
الشعر والأندلس
اختار الشاعر خلف الله الرحيل لكثير من العناصر والرموز الحاضرة مع المكان الأندلسي، وجدنا هذا في قصيدته “أنا الأندلسي”، من الشعر الحر، وفيها نجد التماهي بين الشاعر والمكان والعودة لزمن الحوار بين الديانات، وتجليات الشعر والفنون، وتلاحق الأمراء والملوك وقادة الجيوش…
وتحضر أخبار المحبين وحكاياتهم في النص، وكأن شاعرنا لم يرد أن يغامر بنص أندلسي الهوى دون مكاشفة شعرية لمن شكل التاريخ والهوية والجغرافية بإسبانيا المسلمة، وختم قصيدته: “أنا لن أبكي يا عائشة الحرة/ ملكا مضاعا كما تبكي النساء/ فأنا أندلسي وعائد غدا/ لأرض الأجداد والآباء”(ص49).
ويعود للأندلس عندما يتأمل جمال منطقة جرجرة الجزائرية في قصيدة: أميرة من جرجرة”، شعر حر، فالزمن الجزائري يذكره بالزمن الأندلسي، ومن ثمة فكل مشهد جميل رائع، هو وثيقة سفر شعري لفتح أوراق ذاكرة أندلسية جميلة جليلة جريحة، نقرأ في بنية استهلال النص توقف عند الجمال الحاضر وإحالة للجمال الغائب: “تذكريني بمن فيما مضى/ أحببتها/ ومن كل حنايا فؤادي عشقتها /أميرة أندلسية/ كانت كالسحر ترفل في حدائق الزهراء/ وقرطبة”(ص94).
ويوظف المبدع في هذا النص الكثير من الرموز الأسطورية مثل عشتار وسيزسيف، كما يعتمد تكرار الكلمات والتراكيب الخاصة بالألم والضياع والذاكرة ليرسّخ معانيها عند القارئ.
وفي قصيدة “غرناطة”، شعر حر، يزيل المكان الغرناطي الحزن عن فؤاد الشاعر/النص، ويلهمه الإبداع الجميل، كما يزيل الأرق والقلق، ويخاطب المكان-غرناطة كما يخاطب الإنسان-المرأة، بكل السحر والبهاء والغنج، لكنها (غرناطة-المحبوبة) بعيدة وقبل الوصول لها هناك العوائق والقيود، مع ملاحظة أن المشاعر والأفكار كانت أكبر من التعبير الفني، فوجدنا طغيانا للتعبير النثري المباشر، وهو ملمح يميز النص الشعري عند سمير خلف الله في بعض نصوصه، ونحن نميل للنصوص التي تعتمد التكثيف والترميز ومراوغة القارئ في المبنى والمعنى، لكن يبقى هذا اختياره الشعري الذي يشكّل تفرده عن غيره من الشعراء.
وفي نص”ترنيمة عشق المورسيكي الأخير” نقرأ للشاعر ابن منطقة بن مهيدي بالطارف قوله الشعري: “غرناطة/ هي فردوسنا الأولى والثانية /ومن بعدها خراب/ ويباب وأرض قاحلة” (ص124).
وسيجد المتلقي أن غرناطة هي الجمال والحضارة، وغيرها ليس إلا القبح والتخلف والصحراء القاسية، كما سيجد التأثر بالأسلوب القرآني وصوره ومعجمه (التناص مع آيات سورة الحاقة).
ويمكن أن يكون موضوع التجلي الأندلسي في شعر سمير خلف الله من الموضوعات الأكاديمية الهامة، بأقسام الأدب واللغة والفنون، ونصوصه تحتاج باحثين ونقاد مقتدرين ليعانقوا الخصوصيات الفنية والفكرية لهذا التجلي، فهناك الكثير من النصوص، فمن يقرأها ويحاور دلالاتها وملامحها وهويتها من طلبتنا وباحثينا في الجامعات الجزائرية؟
نصوص وعوالم من الأفكار
يمكن تقسيم باقي موضوعات المجموعة الشعرية إلى ما يلي:
1- نجد النصوص الشعرية التي تفاعلت مع الحراك الشعبي السلمي ونقلت التجربة والصوت والتعبير من ميادين الثورة السلمية، فأبدع مطولة شعرية وسمها بـ “شكرا لأحرار ثورة الابتسامة”، كما وجدنا قصيدة موسومة بـ “هذا هو شعب الجزائر”، وهي عن النضال الجزائري السلمي (عام 2019 وبعده) في مواجهة الاستبداد والفساد، نجد فيها معاني العزة والشهامة والروح الوطنية، ودعوات الالتزام بالوحدة ونبذ التفرق الجهوي العرقي.
ومنها نقرأ بطريقة عمودية، عن المسيرات الشعبية:
طلائع من نور تجوب المدائن
كعطر ورود الزنبق المتناثر
2- عاد الشاعر للقضية الفلسطينية وأنشدها حبه، في قصيدة “إليك فلسطين” بشعر عمودي، وفيها آمال للتحرر والعودة، ومنها:
سنرجع أقصانا عروسا بهية
بدير وقدّاس لنا تتزيّا
وترفع آذانا قباب علية
فتشدو سماوات ونجم الثريا
3- كما عاد للثورة التحريرية الجزائرية، وممارسات الاستعمار ونضالات الشهداء، مثل نص “هكذا غنى نجل الجزائر” ونص “لنا ثورة التحرير”، حيث يتغنى شاعر بالبطولات ويدعو للشهداء ويكشف الهمجية الفرنسية…
4- سافر المبدع سمير خلف الله في قصائد الحب والهوى، وهو ملمح يتكرر في المجموعة، مثل نصوصه: حبيتي أحبك حينما نغني، أعشقك، لأجلك حبي، مهلا عليك حبيبي…وغيرها.
ونسجل هنا ملحوظتين:-بعض النصوص ترتقي للصوت الرومانسي عند جبران وخليل مطران- بعض النصوص سقطت في التقرير والنثرية.
نقرأ من نص “مهلا عليك حبيبي” هذا القطع العمودي:
و آه لمن يبقى طريدا شريدا
بأرض الهوى يرتاد دربا طويلا
كليلا يعود القلب يسعى ذليلا
وربّ الورى هل عانق المستحيلا؟
براه الذي ما من إله سواه
وما كان صوت الحب فيك دخيلا
وترتقي نصوص الحب عنده أحيانا لعوالم قدسية جليلة، فيها التوظيف الصوفي، وتلاحق أسماء الأعلام والشخصيات من التراث الديني والأسطوري…، مع معاني الفداء والتضحية والحلول …
لنتأمل هذا المقطع الجميل من إحدى القصائد ذات الأداء الموسيقي التقليدي:
تحن إليه الروح قبل البصائر
ويهفو له سمعي ولمس الأنامل
سأنحت من شعري له ما يماثل
زخارف في الحمراء أو برج بابل
ومن فيض حسن أو جمال يعانق
سأكتب ما ينسي قصيد الفطاحل
وهناك موضوعات أخرى مختلفة في نصوص الشاعر، مثل المديح النبوي، النص الوجودي الفلسفي…
إن تجربة الشاعر متميزة في السياق الجزائري والعربي، ونستغرب عدم معرفة الكثير من المختصين في الأدب الجزائري بهذا الاسم، وقد يعود هذا لزهده في الأضواء الإعلامية والمناسبات الثقافية الرسمية، رغم أن نصوصه تقول الجودة والإجادة والتمكن من البحور الخليلية، مع حوارية فنية خاصة مع التراث الشعري العربي، وانفتاح عميق وبهي على المسائل الراهنة في السياسة والفكر والدين، ثم توظيفها جماليا لقول النص الشعري المتمرد، الصادم، المتحدي…
في الأخير
يحتاج الديوان الشعري الجديد للشاعر الجزائري سمير خلف الله لوقفات كثيرة، لتكشف الملامح الفنية والدلالية فيه، وهو ينتقل بين الشعر العمودي التقليدي في معجمه وموسيقاه، ليكتب الشعر الحر، وينقل للقارئ مشاعره وأفكاره، إنه ديوان جميل ننصح بقراءته.
للتذكير فالشاعر والأستاذ سمير خلف الله من ولاية الطارف، سبق وأن نشر ديوان قوافي للشعب والوطن سنة 2007 وديوان همسات في أندلس الأشواق سنة 2017، بالإضافة لدراسات حول التاريخ والفكر والهوية.
* كلية الآداب-جامعة سكيكدة

عن المحرر

شاهد أيضاً

فائدة ودليلها ومعناها وحكمها وصيغتها/ أ .. لخضر لقدي

أما الفائدة فهي: من أعظم مطالب الدنيا “كفاية الهم”، ومن أعظم مطالب اﻵخرة “غفران الذنب”، …