الجمعة 6 شوال 1441ﻫ 29-5-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | حوار | الباحث في اللسانيات نور الدين منتاش في حوار لـ”البصائر”/ حوار/جـمال بوزيان

الباحث في اللسانيات نور الدين منتاش في حوار لـ”البصائر”/ حوار/جـمال بوزيان

العالَم العربي عاجز عن إنتاج معرفة أصيلة وظل تابعا علميا

   نَستضيفُ اليومَ باحثًا في اللِّسانيَّات؛ مِن مواليد 4 فبراير 1985م بمدينة الرُّويبة ولاية الجزائر؛ أعزب حاصِل على شهادة البكالوريا عام 2002م؛ شعبة تسيير واقتصاد، التحق بجامعة الجزائر، كلِّيَّة العلوم الاقتصاديَّة وعلوم التَّسيير؛ وحاصِل على شهادة اللِّيسانس في علوم التَّسيير تَخصُّص مُحاسَبة عام 2006م، عمل مُتصرِّفًا إداريًّا في ولاية بومرداس لـمدَّة سَنة، ثُمَّ انتقل عام 2009م إلى مجلس الـمحاسبة وعمل مُدقِّقًا ماليًا حتَّى اليوم، وفي عام 2011م تَحصَّل على شهادة بكالوريا ثانية وسجَّل في جامعة الجزائر كلِّيَّة اللُّغات والآداب وتَحصَّل على شهادة اللِّيسانس في اللِّسانيَّات التَّطبيقيَّة، ثُمَّ سجَّل في الـماستر في الجامعة نفسها تَخصُّص لسانيَّات نظريَّة وتطبيقات وحصل على شهادة الـماستر عام 2016م، وبعد نجاحه في مُسابَقة الدُّكتوراه عام 2017م في كلِّ مِن جامعة الجزائر 2 وجامعة مولود معمري بتيزي وزو في المرتبة الأولى في كلتا الجامعتيْن فضَّل التَّسجيل بجامعة الجزائر بِحُكم قربها، وقدْ سجَّل تسجيله الثَّالث هذه السَّنة تحت إشراف الدُّكتورة خولة طالب الإبراهيميِّ على أمل المناقشة.

   تَنشرالبصائرحوار الصِّحفيَّ مع الباحث في اللِّسانيَّات نور الدِّين منتاش.

 مَرحبًا بِكَ.

أهلاً بكَ.

بِدايةً؛ لِمَن قرأتَ مِنَ الكُتَّاب؟

في الحقيقة كانت بدايتي مع الكِتَاب في حد ذاته قبل أن تكون مع الكَاتِب، ذلك أنَّ الطالب الجامعي عموما يكون نفعي الانتقاء إزاء ما يقرأه من كتب، ويتخير منها الـمُيسَّر العام الذي يجمع شتات ما تفرق من دروس المحاضرات وتطبيقات الأعمال الموجهة، غير أنه ومع التدرج في مراحل التعليم العالي-خاصة مرحلة ما بعد التدرج “الدكتوراه”- يبدأ الباحث بالسؤال عن صاحب الكِتاب قبل السؤال عن الكِتاب نفسه، والحال كما وصفت لكم ينطبق عليَّ وعلى كثير من طلبة الجامعة، وعموما فقد قرأت للخليل بن أحمد الفراهيدي، سيبويه، ابن جني، عبد القاهر الجرجاني، جلال الدين السيوطي، الجاحظ، المبرد، فردينان دوسوسير، تشومسكي، عبد الرحمن الحاج صالح، الفاسي الفهري، أحمد المتوكل، محمد الأوراغي، البروفيسور عبد الملك مرتاض، فان دايك، وسيمون ديك، وغيرهم.

حَدِّثنا عن بعض كِتاباتكَ في مَجال اللِّسانيَّات. 

لديَّ أبحاث ومؤلفات غير منشورة، وهذا بِحُكم تركيزي الكامل على إتمام أطروحة الدكتوراه في آجال محددة وهي بعنوان “الإعراب في نحو اللغة العربية الوظيفي والنحو القديم – دراسة مقارنة”.

وبالموازاة مع هذا قمت بتحضير عدد معتبر من المقالات على تفاوت في درجات تمامها، أذكر منها “الشاهد النحوي والواقع اللغوي”، و”الجملة الأصولية بين مفهوم الاستقامة ومفهوم المحلاتية”، و”اللهجات العربية والتقعيد النحوي”، و”تعليم تداولية اللغة العربية بين مفهوم محو الأمية وتعليم اللغة لغير الناطقين بها”، و”الضاد والظاء دراسة صوتية دلالية”، و”العربية الفصحى والاستعمال اللغوي –لغة التدريس نموذجا”.

منذ تأسيس “جـمعيَّة العلماء الـمُسلِمين الـجزائريِّين” وهي تُدافِع عنِ اللِّسان العربيِّ بِصفته مُقوِّمًا مِنَ الـمُقوِّمات الـحضاريَّة للأُمَّـة؛ إضافةً لـخدماتها ونشاطاتها؛ تَحرص النَّوادي التَّابعة لـها على تـهذيب لسان النَّاشئة؛ كيْف تُقيِّم ذلك؟ وهلْ هو كافٍ؟

لا يخفى على ذي نظر جهود “جـمعيَّة العلماء الـمُسلِمين الـجزائريِّين” في خدمة اللسان العربي والدفاع عنه، وآثار ابن باديس شاهدة على هذا حين قال:”إنني لست لنفسي وإنما أنا للأمة، أعلِّم أبناءها وأجاهد في سبيل دينها ولغتها، إنني أعاهدكم على أنني أقضي بياضي على العربية والإسلام كما قضيت سوادي عليهما، وإني سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن، هذا عهدي لكم، وأطلب منكم شيئا واحدا وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن”، وقال:”إنَّ هذا الشعب له لغته وهي العربية ودينه وهو الإسلام ووطنه وهو الجزائر…”؛ ويقع جزء مهم من هذا التحدي في الوقت الراهن على النَّوادي التَّابعة للجمعية في تـهذيب لسان النَّاشئة في ظل المشاريع التغريبية الرامية إلى طمس الـهُـوِيَّـة واللغة، والتحدي اليوم مطالب باستثمار كافة الإمكانيات المتاحة تكنولوجيا ورقميا وعلميا، إذ لا يكفي استيعاب الطفل خارج منزله فقط بل لابد من احتوائه في واقعه وداخل عالمه الرقمي والمعلوماتي، وأيضا لا بد من الاهتمام بالمراحل الأولى للطفل إذ تعد الأساس في البناء والقاعدة التي ترسى عليها الـهُـوِيَّـة والشخصية، وعليه تبقى جهود نوادي الجمعية وكذا جهود الكشافة الإسلامية الجزائرية أمرا لا بد منه وضرورة تربوية أمام هذا التدافع الصريح بين نوازع الخير ونوازع الشر.

هلْ تَرَى فروقًا بيْن مِنهاج وزارة التَّربية الوطنيَّة ومِنهاج جـمعيَّة العلماء الـمُسلِمين الـجزائريِّين حاليًا؟

إنَّ المنهاج بمعناه الضيق الذي يعني مجموع المواد التعليمية التي يتناولها التلميذ في القِسم الدراسي والمجسدة في شكل مقررات أو كتب مدرسية، يكاد يتقارب إن لم نقل يتقاطع بين ما تفرضه وزارة التربية الوطنية مع ما تتبناه الجمعية، إذ هو في عمومه يحوي مواد تعليمية مشتركة على أساس أنَّ المقارنة بين المحتويين مقتصرة على مرحلة ما قبل التمدرس (التحضيري 5-6 سنوات)، أما المنهاج بمعناه الواسع الذي يعني مجموع الغايات والأهداف والمحتويات والكفاءات والخبرات وكذا طرائق التدريس والذي يعد المرآة العاكسة لفكر وفلسفة وثقافة وحاجات وتطلعات وسياسات تربوية وقيم أخلاقية ودينية وكذا ثوابت اجتماعية واقتصادية، يمكن القول أيضا أنها شبه متقاطعة مع تمايز نسبي في تحديد الأولويات البيداغوجية لمجال على مجال آخر، مادة التربية الإسلامية والأخلاقية وحصص تحفيظ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف تحظى بحجم ساعي أكبر في منهاج الجمعية مقارنة بمنهاج وزارة التربية الوطنية، كما أنَّ النصوص المدروسة في دفتر الأنشطة اللغوية للتربية التحضيرية المعتمد من قبل وزارة التربية الوطنية كلها مقتبسة كمرجعية ثقافية من قصص عالمية كقصة “العنزة والذئب” وقصة “الشمس والريح” وقصة “الدجاجة وحبة القمح” وقصة “الحمار والذئب”، على عكس ما تعتمده جمعية العلماء المسلمين من قصص مَصدرها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وقصص الأنبياء وسير الصحابة.

ما اقتراحاتكَ لتطوير وترقية دَور النَّوادي الثَّقافيَّة واللِّسانيَّة والأدبيَّة والعِلميَّة؟

لعل أول اقتراح يتبادر إلى ذهني يتعلق بالجديَّة، وأقصد بالجديَّة إيلاء اهتمام خاص وواعٍ بالقضايا اللغوية العربية ودَورها في بناء المجتمعات وتلاحمها شعوريا وعضويا، وهذا في إطار استراتيجية شاملة لتحقيق أهداف محددة وفق خطة واضحة وبرنامج سنوي مضبوط، ذلك أنَّ غالبية النوادي الثقافية على تنوع اهتماماتها صارت بمثابة مقاهٍ شعبية ذات نقاشات رياضية ومعيشية لا غير، وقد يصل الحال أن تتحول مقارها إلى مساكن خاصة أو مكاتب ومَحال تجارية بعيدة عن أهداف إنشائها، الأمر الآخر يتعلق بالقيمة الإضافية التي يقدمها كل نادٍ، إذ لابد أن يكون لكل نادٍ منشورات دورية تجمل فيها مختلف الأعمال والنشاطات اللغوية والعلمية والثقافية المنجزة حتى لا تكون مجرد نوادٍ لإقامة حفلات التكريم والعرفان.

ألا تُلاحِظ إعادة نسخ كثير مِنَ الدِّراسات في مـجال اللِّسانيَّات دون ابتكار؛ وقدْ يَضرُّ باللِّسان العربيِّ ويُبعده عن تطويره كي يصير لغة أبحاث علميَّة؟

الحقيقة أنَّ الضرر قد وقع وانتهى الأمر، ذلك أنَّ التأليف في مجال اللسانيات باعتباره عِلما حديثا مرَّ أولا عبر مرحلة الترجمة أين تم ترجمة الفكر اللساني الغربي بداية من لسانيات الجملة مرورا بلسانيات النص ووصولا إلى التداولية وعِلم استعمال اللغة، والملاحظ أثناء عملية النقل هذه تمت ترجمة بعض المصطلحات اللسانية الغربية بمصطلحات عربية لا تحمل جوهر المفاهيم الحقيقية للمصطلح الغربي مما أدى إلى سوء فهم لتلك النظريات اللسانية، بعدها بدأت اللسانيات الغربية تأخذ مكانتها كعِلم أساسي في الدرس اللغوي العربي، لقد حاول بعض الدارسين اللغويين العرب البحث في التراث اللغوي العربي علهم يجدون في التراث ما يماثل تلك النظريات الحديثة، وليس الدافع في هذا كما يتوهم البعض نابع من عقدة نقص للتراث اللغوي العربي أمام هذا العِلم الحديث، إن علماءنا الأوائل كالخليل وسيبويه والجرجاني وابن جني درسوا اللغة في مختلف مستوياتها بمنهجية علمية منسجمة ومضبوطة، ووصفوا اللغة وقعَّدوا لها قوانين وفسَّروا ظواهرها بطريقة فاقت في كثير من الأحيان نماذج النظريات اللسانية الغربية الحديثة، أعود فأقول إنَّ الدافع في هذا هو محاولة اللغويين واللسانين العرب البحث واستثمار مفاهيم النظرية العلمية عامة وشروط تحققها في التراث اللغوي العربي، وبعد هذه المرحلة ظهرت بعض المحاولات الرامية إلى تطبيق النظريات الغربية على اللغة العربية من خلال محاولة وصف وقراءة الواقع اللغوي العربي وفق أدوات ونماذج جديدة، وكانت تلك المحاولات بين المجحفة في حق العربية التي سعت عنوة إلى ليِّ عنق العربية حتى تنطبق على النظرية الغربية، وبين الرافضة لها لكل ما هو غربي والاكتفاء بوصف اللغويين العرب الأوائل للغة، وبين من حاول تقريب وجهات النظر واستثمار كل مفهوم يمكن أن يساعد على وصف صحيح ودقيق للغة العربية، وأمام كل هذه التيارات لا نكاد نجد في الوقت الحاضر وصفا أصيلا لظواهر اللغة العربية إلا وهو يتبنى نظرية لسانية غربية كمنطق للوصف والتفسير والتحليل ومحاولات تكييف تلك نماذج الغربية التي لم تصغ بداية لوصف إلا لوصف لغات أخرى مهما ادعت عمومية جهازها الواصف وإمكانية استيعابه لكل اللغات الطبيعية.

هلْ تَصنيف الـجامعات العربيَّة والإسلاميَّة بِسبب انخفاض ميزانيَّات الأبـحاث العِلميَّة أَمْ للـمَناهج الـمُتَّبعة أَمْ للتَّسيير؛ أَمْ غير ذلك؟

إذا تم قياس نسبة ارتفاع أو انخفاض الميزانيات المخصصة للأبحاث العلمية مقارنة بعدد مخابر البحث ومراكز الدراسات والتطوير فأقول إنَّ النسبة مرتفعة لقلة عدد هذه المخابر والمراكز، أما إذا تم قياس ذات النسبة مقارنة بالأهداف العلمية المسطرة لدى كل مخبر أو مركز أيضا فإنَّ النسبة مرتفعة لسذاجة بعض الأهداف والتطلعات أو لأنها ذات آفاق محدودة وغير مواكبة للعصر، إن أغلب هذه المراكز مجرد هيئات إدارية وضعت حتى يتمكن الأستاذ الجامعي بلوغ درجة أستاذ التعليم العالي “بروفيسور” من خلال النشر في المجلات التابعة لها وتنظيم الأيام والندوات الدراسية الشكلية، ذلك أنَّا لو عرضنا نتائج الأعمال العلمية المنجزة لهذه المخابر والمراكز في مختلف المجالات خلال العشرين سنة الأخيرة فإننا سنصاب بصدمة وخيبة أمل كبيرة اللهم بعض الأبحاث المشرِّفة التي نفضت الغبار عن هذا الواقع البحثي المرير، لذا تضطر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية وفي كل عام إلى غلق عدد من هذا المراكز والمخابر لعدم جدواها العلمي والمعرفي، وعلى هذا الأساس ظلت الجامعات العربية والإسلامية في ذيل تصنيف الجامعات العالمية، والسبب راجع في رأيي إلى غياب استراتيجية بحثية واضحة وخطة إجرائية متعددة السنوات على أن تراعي هذه الاستراتيجية البحث العملي المطبق بالتنسيق مع المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية وغيرها تماشيا وخصوصيات كل مجتمع.

بعْد التَّطوُّر التِّكنولوجيِّ الـهائل؛ لا يَزال يَرَى بعض الباحثين لغات مُعيَّنة عائقًا للمَعرفة… ما رأيكَ؟

لا يتصور تحصيل عِلم ما دون معرفة لغة يحصَّل بها، وما كان ليحصل هذا التطور التكنولوجي الهائل بدون لغة يدرس بها كل عِلم فاللغة أداة ومفتاح لأبواب العِلم، غير أني أعتقد أنَّ سؤالك يقصد إلى معنى آخر وهو هل تحصَّل العلوم بلغة دون لغة، وهل هناك حقا لغة للعِلم؟ والجواب على هذا هو بلا، إن اللغات من حيث كونها أصوات ومفردات وتراكيب تحمل دلالات ومعانيَ لا تكون لها قيمة علمية إلا بما دلت عليه من مصطلحات تحمل مفاهيم تصف وتفسر ظواهر ما وتحللها لتصل إلى الحقيقة العلمية، لو قلنا مثلا أنَّ الماء “سائل شفاف لا طعم ولا لون له” ليس كقولنا أنَّ الماء هو “ذرة من الهيدروجين وذرتين من الأكسيجين”، كلا الجملتين مُركبتان من ذات الأصوات والكلمات غير أنَّ الثانية تصف حقيقة علمية، أما الأولى فتصف أمرا مُشاهَدا وفقط، هذا من جهة، ومن جهة ثانية قد يعترض شخص ويحتج فيقول أنَّه لا يمكن لطالب الطب أو طالب الكيمياء أو الإعلام الآلي مثلا أن يدرس ما يحتاجه في ميدان تخصصه باللغة العربية وأنها لغة عاجزة لا يمكن دراسة العِلم بها، إن المعادلات الكيميائية ولغة برمجة الحاسب وعلوم التشريح كلها برموز وحروف لاتينية، يُردُّ عليه من وجهين، الأول أنَّ عجز اللغة العربية كلغة تدرس بها العلوم الحديثة لا يكمن في اللغة ذاتها وإنما في عجز العالَم العربي عن إنتاج معرفة أصيلة من جهده الخاص، لقد رضي أن يظل تابعا ناقلا متطفلا علميا لما ينتجه غيره من عِلم ومعرفة وعليه فتبعيته العلمية (لغة ومنهجا) أمر مفروض عليه، والثاني أننا لو أجرينا مقارنة بين بنية اللغة العربية وبينة اللغة الإنجليزية مثلا في المستويات الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والتداولية لظهرت مزية وأفضلية اللغة العربية بفارق رهيب على اللغة الإنجليزية الموصوفة حاليا بأنها لغة العِلم، إذن فالعجز كامن في حامل اللغة وأما أنجزه في ميدان العِلم وليس في اللغة، الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من تقهقر بينة لغتها أمام اللغة العربية إلا أنهم أكسبوها قوة بما أنجزوه في حقول البحث.

اعتُمِد أخيرًا اللِّسان الإنكليزيِّ للبحث العلميِّ في الـجزائر؛ وتدريسه قريبًا… ما اقتراحاتكَ لنجاح الـمشروع؟ وما أُسُس اعتماد اللِّسان العربيِّ لغة للبحث؟

قناعتي الشخصية أنَّ العِلم لا يكون بالتطفل العلمي على غيرنا، وأنَّ تعلم الإنسان السباحة لا يعني أنه سوف يستخرج من البحر سمكا ولؤلؤا ومرجانا، وأنَّ رقي الأمم علميا وحضاريا لا يكون إلا بلسانها، وقد تتعارض هذه القناعة تاريخيا مع سيرورة التطور لدى بعض البلدان الغربية، في زمن ازدهار الحضارة الإسلامية خاصة فترة الدولة الأموية بالأندلس أين كانت قرطبة حاضرة العِلم ومجمع العلماء وقد أخذ كثير من الغربيين العِلم منها وطوره، أقول ذاك زمان وهذا زمان، في الزمان الأول كان العِلم مشاعا ومتاحا لكل من يطلبه أما الآن فإنَّ العِلم أكثره محتكر لدى مخابر ومراكز البحث وحلقات الدراسة، إذ لا يتصور ولا يعقل أن يعكف مركز علمي أو بحثي طيلة سنوات عديدة على تطوير تقنية ما أو دواء أو برنامج ثم يقول للعربي تعلم الإنجليزية وتعال خذ علمنا على طبق من ذهب، وهذا ضرب من السذاجة والغباء، وعليه فإنَّ اعتماد اللسان الإنجليزي للبحث العلمي في الجزائر لا يعني أننا سنصل يقينا إلى العِلم الحقيقي والتقنية المتطورة، ربما أوافقك أنَّ آفاق الرؤى للباحث الجزائري سوف تتوسع بتوسع دائرة المصادر والمراجع العلمية فمعلوم أنَّ أغلب الأبحاث والدراسات المنجزة تكون باللغة الإنجليزية، وبالتالي تزداد فرص الوصول إلى أصل البحث بلغته وفهمه من مصدره دون الاعتماد أو انتظار الترجمة وما فيها من إشكالات، والأمثلة على هذا كثيرة جدا، مثلا الكاميرون أو غانا أو زامبيا بالرغم من أنَّ اللغة الإنجليزية عندها لغة رسمية إلا أنَّ هذا لا يعني تطورهم العِلمي، وعليه أقول إنَّ نجاح مشروع تطوير البحث العلمي مرهون أولا بتطوير مراكز ومؤسسات البحث العلمي، ومن خلال ما تنتجه هذه الأخير وتنشره باللغة العربية سوف تكتسب العربية قوة بين اللغات، ليس للعِلم لغة محددة بل إنَّ لغته تكون بلغة من توصل إلى حقيقته أولا، أما اللسان العربي فإنه حقيقة يحظى بمقومات وميزات دلالية واشتقاقية لا تتوافر في غيره من الألسن الأخرى الأمر الذي يؤهله أن يكون خير لسان تحفظ وتدرس به العلوم، غير أنَّ التحدي كما يبدو لي لا يكمن في تعريب العلوم ومصطلحاتها وإنما يكمن في تطوير عِلم أصيل نعتز بنشره باللسان العربي الفصيح.

ما رأيكَ في أداء الـمُنظَّمات الطُّلاَّبيَّة بالجامعات؟ وماذا تَقترح؟

صراحة، إنَّ كل المنظمات الطلابية الناشطة على مستوى الجامعة الجزائرية هي في جوهرها امتدادات لأحزاب سياسية تسعى إلى فرض نوع من السيطرة والضغط السياسي وتوسيع وعاء التأثير، إذ كيف يعقل أن يكون الأمناء العامون لهذه المنظمات أفرادا ليسوا أصلا بطلبة جامعيين بل مناضلين أساسيين في أحزاب سياسية معروفة يلجؤون في غالب الأحيان إلى إعادة التسجيل لأجل الحصول على ليسانس جديدة بعد مرور خمس سنوات من حصولهم على الليسانس الأولى، وإعادة التسجيل هذه ليست إلا لإضفاء صفة الطالب عليه والتمكن من ترؤس المنظمات الطلابية، أما فيما يتعلق بالدفاع عن حق الطالب الذي هو صلب مهامها ومبرر اعتمادها وقبولها فحدث ولا حرج، شخصيا عاينت محاولات ابتزاز من طرف أعضاء بعض المنظمات لرئيس جامعة في حال عدم تمكين بعض الطلبة من النجاح في بعض المقاييس بإثارة فوضى الإضرابات والاحتجاجات، كما أنَّ نظام الماجستير الذي كان معتمدا في النظام الكلاسيكي السابق فالكارثة فيه أعظم وأدهى، ولست مبالغا إن قلت أنَّ ما يفوق 90%  ممن نجحوا في مسابقات الماجستير كانوا بمساندة المنظمات الطلابية ودعمها، لذا أقترح إعادة النظر في شروط اعتماد مثل هذه المنظمات وضرورة إفراغها من كل محتوى سياسي وأيديولوجي يضر بمصلحة الطالب الجزائري والجامعة الجزائرية.

بِصفتكم أستاذًا في “اللِّسانيَّات واللُّغة العربيَّة”… ألا تَرَى مُراجَعات لكثيرٍ مِنَ الـمناهج الـحالية في الـجامعات الـجزائريَّة لتُواكِب التَّطوُّر السَّريع الَّذي تعيشه البُلدان النَّاهضة؟

أخبرك بحقيقة أظنها تكون صادمة بعض الشيء تتعلق بالمناهج التعليمية في بعض إن لم أقل أغلب الجامعات الجزائرية، وهي أنَّ المنهاج هو اجتهاد شخصي من الأستاذ وليس مخرجا من مخرجات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ممثلة في الكليات والأقسام، كل أستاذ يدرس المحتوى الذي يراه مناسبا حسب خبرته واجتهاده، وصار حظ الطالب من حظ أستاذه، وأمام هذا الواقع السلبي تتذرع بعض الكليات والأقسام الجامعية بأنَّ التعليم الجامعي مبني على أساس المقاربة بالكفاءات التي تجعل من المتعلم محور العملية التعلُّمية التعليمية وأنَّ الأستاذ ليس هو المالك الوحيد للمعرفة؛ شخصيا أتذكر لما كنت طالبا في مرحلة الليسانس درست المقياس (أ1) عند الأستاذ (ب)، ولما انتقلت إلى مرحلة الماستر المفروض أن أدرس المقياس (أ2) كتكملة للمقياس (أ1)، ومن سوء حظي أني درست عند الأستاذ نفسه (ب) الذي أعاد لنا المقياس (أ1) بكل تفاصيله، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ مواكبة الـجامعات الـجزائريَّة للتَّطوُّر السَّريع الَّذي تعيشه البُلدان النَّاهضة مرهون بحركات الترجمة والجهود الفردية للأساتذة الباحثين الذين يطورون معارفهم باستمرار، للأسف الشديد أنَّ الجامعات الجزائرية لا تنتج معرفة وإنما هي في أحسن أحوالها متابعة للتطورات العلمية المنشورة في الجامعات الغربية –وقليل ما ينشر-، أما عملية نقلها إلى الطالب الجزائري فحظه والعمر، ويؤسفني القول إنَّ الجامعة الجزائرية اليوم منفتحة على التطفل العِلمي وليست منفتحة على البحث العِلمي.

ألا تُلاحِظ “العقل العربيَّ” يُجيد التَّفاعل الإيجابيَّ في “أوروبا وأمريكا وآسيا”؛ وله براءات اختراع؛ ويَحصل على جوائز دُوليَّة؛ وفي تلك الأثناء يَكادُ يَنتفِي التَّفاعلُ نفسُه في “العالَم العربيِّ”… ما الأسباب؟

إجادة التفاعل الإيجابي حسب رأيي مرهون بثقافة العمل العِلمي ذاته وظروفه إنجازه، كل مَخبَر عِلمي أو مجمع بحث أكاديمي لا بد أن تكون له ثقافة في العمل والبحث والإنجاز، ومن مظاهر هذه الثقافة أنك حين تقرأ بحثا عِلميا أو مشروعا أكاديميا أنجز في الغرب تتمكن وبكل يُسر من عزوه إلى الـمَخبر العِلمي أو المجمع البحثي الذي خرج منه، والإشكال أنَّ العقل العربي مهما بلغت درجة ذكائه وإبداعه يظل عقلا واحد وجهدا مبتورا في العالم العربي، أما في الغرب فيعد العقل ذاته جزءا من عقل جماعي يعمل في تفاعل إيجابي لتحقيق هدف محدد، وقد يطور العقل العربي في الغرب جزئية عِلمية أو تكنولوجية وهذا في إطار مشروع كلي تضافرت عقول كثيرة لوضعه، أما في العالم العربي فلن يصل ذات العقل إلى ذلك التصور الكلي الذي اجتمعت عليه مجموعة من العقول، وبالتالي يظل عمله قاصرا، كسير يجر كسيرا خير من عقل عبقري يجبر كسر نفسه، وعليه أقول إنَّ العمل الجماعي هو مفتاح التفاعل الإيجابي.

يُقصَى الـمُسلِمون في كثير مِنَ الشُّؤون العامَّة في العالَم العربيِّ؛ ويُحارَبون “باسم الإسلام” أحيانًا في الـمَساجِد؛ وعبْر مَنابِر أُخرى؛ ويُحارَبون أيضًا في مَناهِج التَّربية والتَّعليم؛ ويُحارَب اللِّسان العربيُّ الفصيح حيث تَتكرَّرُ الدَّعوات إلى اعتماد “اللِّسان العامِّيِّ” بدله… ما الأسباب؟

ذلك أنَّ الإسلام ظاهر أمره في كل زمان ومكان حتى وإن بدا غريبا، أما الحرب التي تُشنُّ ضده فكانت وما تزال وهي باقية إلى قيام الساعة، وهذا من سنن التدافع بين الحق والباطل، إن حاربه أهل الباطل فالأمر معقول ومسوَّغ أما أن يتصدى له أهل ملته بالحرب فهنا الطامة الكبرى، ولعل أهم سبب في هذا أنَّ الدِّين الإسلامي بعد ما كان بالاعتناق والجوهر صار اليوم بالوراثة والمظهر، وفي هذا الصدد يذكر أحد رجال الأعمال الصينيين أنَّ بعض العرب -وفي نفسه يقصد المسلمين– يطلبون منه صناعة سلعة مغشوشة ومقلدة قصد تخفيض ثمنها وبالتالي زيادة ربحهم غير أنه حين استضافهم على مائدة طعامه قالوا له نحن لا نأكل لحم الخنزير فهو حرام، وكأني به يقول لهم وهل الغش والخداع والغرر في دِينكم حلال؟، هذا النموذج من المسلمين هم أول أعداء الدين، وثانيهم هم مغرورون قد أبهرتهم حضارة مادية متقدمة فظنوا أنَّ سبيل الوصل إليها بترك دينهم واتباع سَنَنِهم، وحاربوا الإسلام حياة ودينا، الأول من خلال محاولة فصله عن حياة الناس تشريعا وشريعة، والثاني من خلال تشويه صورة المنتمين له، وبِحُكم تخصصي العِلمي في اللغة العربية وعلومها أشير إلى مسألة الدعوى الباطلة إلى اعتماد “العامية” لغة للتدريس بدلا عن اللغة العربية الفصحى في إطار سياسة لغوية أرادت وزارة التربية الوطنية تبنيها، أقول لهم بداية أي عامية تقصدون؟ ثم لماذا العامية أصلا؟ يذكر المرحوم عبد الرحمان حاج صالح مفهوم “الانغماس اللغوي” كآلية مثلى لاكتساب اللغة، لئن كان الطفل لا يكتسب لغة فصحى في بيئته الأُسرية وحيٍّه ومدرسته وجامعته ففي أيِّ بيئة يا ترى سوف يكتسبها؟ وشر البلية ما يضحك، وبدل أن يفكر هؤلاء (المصلحون التربويون) الوزاريون في البحث عن آليات ناجعة تمكن التلميذ من أن يفهم درسه، فكر عقلهم اللاواعي عن قصد وبسابق إصرار وترصد في أنَّ المشكلة تكمن في لغة التدريس وهي اللغة العربية الفصحى التي تصعب –حسبهم- على الفهم لدى التلاميذ، وكأني بهم محرجون من يوم يأتي فيه طفل فصيح اللسان يخاطبهم فلا يفقهون قوله، أعود فأقول إنَّ خطورة هذه الدعوى تكمن في سلخ النشء عن لسانه العربي وبالتالي توسيع الهوة بينه وبين القرآن الكريم الذي أداة فهمه الأولى هي لسانه العربي.

كيْف تُقاوَمُ الكراهية بِسبب عِرق ولون وجنس ودِين ولسان وفِكر وجغرافيا؟

يولد الإنسان وفي مورِّثات آبائه وأجداده لون وعِرق، كما يكتسب لسانه وانتماءه من بيئته وموطن ميلاده، هذه الموروثات لا تخوِّل مزيةً أو فضلا لإنسان على آخر، الله خلق الأرض جميعا لأجل أن يعمرها الإنسان ويستخلف فيها، والكراهية إنما تتولد من الظلم، ولئن كان كره المظلوم للظالم ظاهرا ومبررا فإنَّ كره الظالم للمظلوم ناتج من استحقاره إيَّاه وتكبره عليه فيرى نفسه عِرقا صافيا نقيا وسَيِّدًا مطاعا فوق الجميع وهم عبيد له وعليهم واجب الانصياع، ثم كيف تقررت في نفوس البشر أنَّ البياض خير من السواد وأنَّ الأصفر أجمل من الأسمر بالرغم من أنَّ أمنا حواء هي أجمل نساء العالمين وكانت سمراء البشرة مائلة إلى السواد، وعليه نقول أن العِرق واللون والجنس والدِّين واللسان والفِكر والجغرافيا تكون سببا للكراهة إذا ارتبطت بفكرة الطبقية والمزية المزيفة التي تتبناها كل طائفة وتتخذ منها ذريعة لتبرير ظلمها وطغيانها، ومقامة هذه الكراهية بأن يعلم الإنسان أنَّ الخيرية إنما تكون في جوهره لا في مظهره.

سعيدٌ بِكَ اليومَ؛ كرمًا لا أمرًا؛ اختمِ الـحوار؛ وماذا تقول لإدارة صحيفة “البصائر”؟

سعيد بدوري بهذه الاستضافة الكريمة وهذا الحوار الجميل، كما أتوجه بالشكر الجزيل لإدارة صحيفة “البصائر” التي كانت ولا تزال لسان صدق ينطق بروح الأمة الجزائرية والأمة العربية والإسلامية وبشارةً من بشارات الخيرية الباقية فيها ونبراسا يُهتدَى به، وأقول لهم إنَّ مشعل “البصائر” واجب في أعناقكم أن يظل مَعلما من مَعالِم الطريق ومنارة مشعة في سماء الجزائر.

أَلَا فَوْقَ كُلِّ نَجْمَةٍ سَمَاءُ… وَفِينَا “البَصَائِرُ” دُرَّةٌ تُضَاءُ

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

البـــروفيســـور عبــد الكــريــم عــوفـــي فــي حـــوار مع البصائر

تعميم استعمال اللغة العربية معناه جعل العربية تؤدي دورها الطبيعي كثير من صوّر المسخ الإعلامي …