الرئيسية | أقلام القراء | تناقضات في حياتنا/ عبد العزيز كحيل

تناقضات في حياتنا/ عبد العزيز كحيل

تعلم المسلمون من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم أن مما يرضي الله تعالى مطابقة باطن المؤمن لظاهره وفعله لقوله وسلوكه لاعتقاده؛ بهذا يكون صاحب شخصية متوازنة، يسير حياتَه دين وقيم وأخلاق.

ولكن واقعنا في الأزمنة المتأخرة قد تباعد كثيرا عن هذه الصورة الجميلة، انظروا – فقد سئمنا النفاق وسوء الأخلاق والرداءة والتلاعب بالدين والقيم، وسطوة المادة والفراغ الروحي، لقد سئمنا كل هذا من الناس ومن أنفسنا، كيف لا ونظرة واحدة إلى محيطنا تجعلنا حائرين: القرآن ينبعث من البيوت والمحلات، تسمعه في الحافلات وسيارات الأجرة والمقاهي، الأذان يُرفع (حتى في غير وقته) من الهواتف ومعه الأناشيد الإسلامية والمدائح الدينية، الجوامع تنتشر في كل الأحياء والمداشر والحمد لله، يشيّدون عندنا “ثالث أكبر مسجد في العالم”! في وقت الجمعة تتوقف الحياة أو تكاد، اللافتات الدينية تملأ الأرجاء: صلّ على النبي، لا تنس ذكر الله، سبحان الله… الآيات والأحاديث تجري على ألسنة الناس في أي مناسبة أو نقاش، مسابقات حفظ القرآن وترتيله وتجويده يشارك فيها آلاف الصغار والكبار والنساء والرجال، محاضن الصبيان تلقن كتاب الله والأدعية المأثورة … هذا والمجتمع – أي نحن – غارق في الفساد والعنف والسلبية والانحطاط الخلقي والتطرف والجهل والتخلف، ما هذا التديّن؟ ما هذا التناقض بين الإعلان والممارسة؟ أين حرارة الإيمان وثمراته؟ ما أجمل ما قاله شاعر الإسلام الأكبر محمد إقبال رحمه الله: “الصفوف معوجة منشقة والقلوب خاوية حائرة والسجدة خامدة جامدة لا حرارة فيها ولا شوق، ولا عجب فقد انطفأت شعلة القلب وخمدت جمرة الفؤاد”.

ويقول شاعر هندي مسلم آخر: “ما أروع كلمات الخطيب وما أجمل تعبيره، ولكني لا أجد في عينيه بريق الحب ولا أقرأ في وجهه نور الإيمان والحنان “.

ما من مجتمع إلا وتعتريه سلبيات في السلوك العام يواجهها المربون والمصلحون والوعاظ لتقليص مساحتها، لكن الأمر عندنا تجاوز حد الظاهرة الطبيعية لينذر بخطر قيمي اجتماعي يهدد الكيان الثقافي وحتى العضوي برمّته.

ففي أمة تتمسك بالطقوس الدينية أكثر من أي أمة أخرى وتتزاحم فيها مظاهر التديّن ويُعدّ فيها الإسلام انتماء وشخصية وهويّة وليس مجرد إيمان عقيدة – وهذا كله من الايجابيات – طغت تناقضات تتنافس في الغرابة، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، فقد تناقلت أخبار المسلمين – والدعاة منهم !!! – بافتخار أن في موريتانيا مليونَ شاعر يبدعون في القوافي، وان في تشاد مليونَ حافظ للقرآن أو مليونين، وعدّوا هذا من المفاخر، وما من مسلم إلا ويثلج صدره بتكاثر حملة كتاب الله تعالى، لكن إذا تجاوزنا الموقف العاطفي وتركنا المقاييس الزائفة واحتكمنا إلى المقاييس التي تعلمناها من القرآن نفسه ومن السنة النبوية، وجدنا أن هذه الأعداد من الشعراء والحفاظ لم تخرج الدولتين من دائرة التخلف، فهما من أفقر الدول على وجه الأرض تعيشان على المساعدات الدولية التي يقدمها “الكفار”، إننا سنعيد الاعتبار للقرآن الكريم حين نعمل به فيخرجنا من التخلف – وهو من أكبر الكبائر – ويرفع شأننا  في الدنيا والآخرة، والإسلام يريد لنا الرفعة والتقدم والريادة، فإذا انتكسنا إلى حالة الفقر والجهل والقعود في الصفوف الخلفية فإن هذا كله إهانة للقرآن الذي يحفظه الملايين.

وماذا نقول عن دول أطغاها “البترودولار” تشيّد مساجد ضخمة فخمة للمسلمين في إفريقيا، وتتباهي بها، بينما يموت الناس (موتا حقيقيا) جوعا في تلك البلاد! لماذا؟ ربما ليشتكي الجياع حالهم إلى الله في تلك الجوامع الأنيقة !كان ينبغي أن تكون الدول الثرية صادقة الإنفاق في تلك الأموال للنهوض بحال أولئك الجياع المرضى الأميّين، والاكتفاء بإقامة مصليات صغيرة  مثل ما كان عليه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع العلم أن الذين يبنون تلك المساجد الكبيرة هم الذين يحاربون الدعوة الإسلامية بلا هوادة، ويذلون شعوبهم أيما إذلال، ويمنعون عنهم الحقوق والحريات الفردية والعامة.

وكيف لا نتعجب من تجار مسلمين يتعاملون مع صناعي صيني في بلاده، ويطلبون منه تزييف بيانات السلع وأغلفتها، فإذا قدم لهم الخمر أو الطعام رفضوا تناوله لأنه حرام؟ فتسائل الرجل: دينكم يحرم هذه المآكل والمشارب ويبيح التزوير والغش؟

وإن تعجبْ فعجب سلوك المرأة التي تحافظ على الصلوات وتقوم الليل وتصوم الاثنين والخميس وتختم تلاوة المصحف، ثم تخرج متبرجة متعطرة لأن شعارها: “الإيمان في القلب !!!” أي أنها تحافظ على السنة وتترك الفرض …تماما كما يريد الشيطان.

وكم رأينا من يبكي عند سماع المواعظ ويسكب العبرات عندما يذكّر الخطيب بالموت وأحوال القبر والمعاد والحساب والجزاء، حتى إذا برح المسجد لم يتورّع عن العيش من الحرام وسقي الخضر من المياه القذرة وأخذ المرتب مع التغيّب عن العمل واحتقار الناس والتضييق عليهم في معاشهم وإهدار حقوقهم.

ومن صور التناقض ما عليه الطرقية (أدعياء التصوف)، فهم يكثرون من الأذكار والطقوس  – المأثورة وخاصة البدعية – وأكثرهم أبعد الناس عن الزهد، بل غارقون في صراع المناصب وحطام الدنيا، وأكل أموال الناس بالباطل.

ولعلّ أبشع تلك الصور ما عليه قوم لخّصوا الإسلام في السنة النبوية وصدّعوا الرؤوس بذلك، وأخلاقهم وسلوكم أبعد شيء عن الهدي النبوي: سوء الظن بالمسلمين، السب، شتم العلماء والدعاة، وتتبع العورات، وتصيّد العثرات، والغلظة ، والانتصار للطغاة ضد المستضعفين…

ولا أحدثكم عن شعار “الإسلام دين الدولة” الذي يقع تحته كل ما يخالف دين الله في جميع المجالات.

إن سبب فوضى الخارج يعود إلى الداخل وخوائه، وقد قال أديب العربية والإسلام مصطفى صادق الرافعي: “عيب أن تنظم الدنيا من حولك وتترك الفوضى في قلبك”، وما أقبح الفراغ الروحي حين يكون سيد الموقف عند القُدوات المجتمعية كالمسؤولين والمفكرين وعلماء الدين، فضلا عن عامة الناس، فالصلاح مقدم على الإصلاح، وإذا أصبح البطن والفرج قطبًا تدور حوله الدنيا، فقدت القلوب الحياة والحرارة. ذلك أن حرارة الإخلاص تهزّ كيان المؤمن فيخشع قلبه وتدمع عينه وتصغر في عينه الدنيا، وتتجسد أمامه صورة الآخرة، فيتجافى عن دار الغرور وينيب إلى دار الخلود، ويقبل بهمّة متجددة على الله، ويلتجئ إليه ويعتصم به ويثق بوعده، وهذا هو الطريق السالك للخروج من أزمة المسلم الأساسية: مجاهدة النفس والارتفاع بها من جاذبية الطين والحمإ المسنون إلى الأفق الذي يشير إليه قوله تعالى:  {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}[الحجر/29].

وكلما غيرت الأمة – بدءا بالفرد – ما بنفسها من أفكار مريضة أو ميتة أو قاتلة، ومن قيم أصابها الغبش، ومن فضائل طالَها الانحراف، غيرّ الله ما بها؛ فأصبحت في نعمة وقوة وتقدم وانتصار {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }[الفتح/23].

هذا هو – كما تعلمنا من العارفين بالله – الفقه الحقيقي، يمدّنا بعلم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقيقة الدنيا حتى لا نحتقرها ولا نؤلّهها، حتى تكون في أيدينا لا في قلوبنا، وخاصة حتى ننتقل من النفاق إلى الإخلاص، ومن الكذب باسم الدين إلى الصدق مع الله ومع الناس، ومن مظاهر التديّن وحدها إلى جوهره ولبّه وحقيقته، بدون مساحيق ولا روتوشات ولا أقنعة…”قل للمتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير”.

فهل من عودة إلى التجارة الرابحة التي غفلنا عنها وصددنا عن طريقها؟ تجارة التعامل فيها مع رب العالمين، رأس مالها العمْر، بضاعتها طاعة الله والتقرب إليه، وأما الربح فهو الحياة الطيبة في الدنيا والجنة في الآخرة، قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}[فاطر/29].

من يضيع هذا التجارة فقد ضيّع نفسه، وخسر كل رأس ماله، وفاته خير الدنيا والآخرة، وخسارة رأس المال لا عوض لها، لأنه لا عمر بعد العمر؛ وأصحاب التجارة الرابحة هم الذين تصلح بهم الدنيا، فهم ليسوا المنسحبين من المعترك الحياتي – بل يخوضون غمار الحياة الدنيا- بإيمان مرتفع وأخلاق عالية، ويقين لا يفارقهم واستمساك بأهداب الشرع لا تساهل فيه، إنهم ليسوا دراويش ولا أحلاس زوايا مظلمة، ولا أصحاب رداءة وتفاهة، بل هم رجال أعمال وسياسيون وطلبة، وربات بيوت ومسؤولون وفلاحون، يتعاملون بإخلاص وصدق ويتفانون في إرضاء الله تعالى، وخدمة عباده، وقلوبهم ملؤها الرحمة والشفقة على كل ضعيف ومريض ومحتاج ومظلوم ومنكسر الخاطر، إذا درسوا تفوّقوا في دراستهم، وإذا مارسوا عملا ذهنيا أو عضليا أتقنوه، وإذا دعوا إلى الله يسروا ولم يعسروا وبشروا ولم ينفروا، “الرجال رجال والنساء نساء”، كلهم يبتغون مرضاة الله ويسعون لجلب السعادة لهذه الحياة، ودخول الجنة يوم القيامة.

فمتى تهبّ ريح الإيمان لتعيدنا إلى حلقات الذكر ومنابر الفكر، فترقّ قلوبٌ أرهقتها القسوة وتنشط عقولا جمّدها التقليد ونتآخى كما أُمرنا، وننشط في الخير وعمارة الأرض وبناء الحضارة؟

فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ إن بداية الإصلاح والتغيير من هنا: إذ يجب علينا الخروج من التناقض إلى الشخصية السوية، ويجب أن نقدم السلوك القويم الحسن على مستوى الفرد والمجتمع.

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من يحمي وحدتنا الوطنية؟/ علي حلتيم

‏عجيب هذا الخط العام الذي يلاحظه المتأمل في أحوال الجزائر حيث يرى من جهة أن …