الرئيسية | حوار | المؤرخ والمفكر الدكتور مولود عويمر في حوار لـــ: البصائر/حاورته: فاطمة طاهي

المؤرخ والمفكر الدكتور مولود عويمر في حوار لـــ: البصائر/حاورته: فاطمة طاهي

 

 

يجتهد لإنشاء “موسوعة الجزائر” الدكتور مولود عويمر يؤكد

مهنة “المؤرخ” لا تنحصر في استحضار الماضي دون التأمل في مآلاته

لابد من تجديد الموضوعات وتحديث طرق البحث

قراءة سياقات التاريخ ومرافقة مساراته مهم لفهم المآل

 

أكد البروفيسور مولود عويمر، على ضرورة تضافر جهود العلماء والمؤرخين وكذا الباحثين من أجل انجاز “موسوعة الجزائر” تجمع الحضارة الجزائرية وإسهاماتها في الحضارة العربية الإسلامية والإنسانية، كما أشار المؤرخ إلى إشكالية الكتابة التاريخية التي تختلف عن الكتابات في المجالات المعرفية الأخرى، مشددا بأن المؤرخ يتحرى الحقيقة العلمية بعيدا عن الذاتية والإيديولوجية وهذا لتحقيق الغاية العلمية. كما دعا إلى إعادة الاعتبار في البحث والتكوين الأكاديمي التاريخي قائلا: “نحن في حاجة ماسة إلى تجديد الموضوعات وتحديث طرق البحث”، مضيفا أن هناك الكثير من المواضيع في التاريخ القديم والحديث لم يتم التطرق إليها وأخرى بحاجة إلى إعادة دراستها وفق معايير الدراسة الحديثة والوثائق الجديدة. ويشير الدكتور في هذا الصدد إلى إهمال المخابر والجهات المعنية في مجال طبع ونشر الأعمال الأكاديمية كالماجستير والدكتوراه حتى تكون في متناول المهتمين والباحثين، وكذا من أجل تحقيق النقد والتصحيح وتقويم هذه الحصيلة العلمية. كما ذكر الباحث في التاريخ دور مذكرات المجاهدين التي ظهرت منذ الانفتاح الديموقراطي، والتي تساهم بشكل كبير في كتابة تاريخ الثورة الجزائرية. أما عن الدراسات والكتابات الأجنبية التي اهتمت بتاريخ الجزائر سيما الثورة التحريرية تحدث الدكتور مولود عويمر عن تقصير الاهتمام بهذه الوثائق الأجنبية بما فيها الوثائق الروسية والأمريكية والألمانية والروسية، كما تطرق الدكتور للحديث عن بعض مؤلفاته وكذلك عن سر اهتمامه المزدوج بالتاريخ والفكر.

 

 

 

  • إن الذي يقرأ كتاباتكم ويتابع محاضراتكم، يلاحظ بكل سهولة اهتمامكم المزدوج بالتاريخ والفكر؟ كيف استطعتم الجمع بينهما؟
  • نعم، مزجت في كتاباتي بين السرد التاريخي والطرح الفكري، ذلك أن مهنة المؤرخ لا تنحصر في استحضار الماضي ووصف الحدث دون قراءة سياقاته ومرافقة مساراته وتحليل انكساراته والتأمل في مآلاته. ففي كتابي حول الشيخ عبد الحميد بن باديس، تناولت حياته في فصل كامل، ثم درست في فصل آخر أفكاره في التاريخ والسياسة والحرية والعلم والتقدم. وكذلك درست المفكر مالك بن نبي بنفس الطريقة، وتظهر هذه المقاربات الفكرية التاريخية بشكل أوضح في كتبي التالية: “الإسلام والغرب بين رواسب التاريخ وتحديات المستقبل”، و”مقاربات في الاستشراق والإستغراب”، و”الفكر الإصلاحي المعاصر وقضايا التنوير”. لا شك أن هنالك تأثيرات متعددة تفسر هذا المنهج فأنا تأثرت بعدد من العلماء المشتغلين بتخصصات متعددة كالتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والأدب سواء كانوا مسلمين أو غربيين. ربما كان أيضا نتيجة مطالعاتي التي لا تقتصر على لون واحد من العلوم بل أقرأ في كل المعارف الإنسانية لتحصيل المعلومات وتحسين المنهج وكسب اللغة السليمة وتطوير الخيال الخصب.
  • اهتممتم أيضا بأدب الرحلة في كتابكم “شخصيات وذكريات”. هل يمكن أن تعطينا فكرة عن هذا الموضوع؟
  • نعم أدب الرحلة هو من الفنون الأدبية التي تطوّرت في تراثنا العربي والإسلامي، وانتقل إلى أوروبا بشكله المتقدم. ووجدنا هذا الفن يتأرجح بين علم الجغرافية والأدب، ثم صار فنا عاما يهتم به كل العلماء الذين يحرصون على سرد رحلاتهم ووصف مشاهدهم والبوح بخواطرهم وعرض آرائهم.

وهكذا عرفنا على سبيل المثال حياة ابن خلدون وفهمنا أفكاره بفضل ما دوّنه في كتابه “رحلة ابن خلدون شرقا وغربا”، وعرفنا الحياة الاجتماعية والدينية والثقافية في الجزائر قبيل الاحتلال الفرنسي بفضل ما كتبه الرحالة الأوروبيون الذين زاروا الجزائر في تلك الفترة.

أما ما يخصني، فقد كتبت عن عدة رحلات علمية قمت بها عبر القطر الجزائري أو في دول عربية وأوروبية، ولا شك أن توثيق تلك الرحلات أفادتني في بحوثي، وعرّفت غيري بالمكتبات والجامعات التي زرتها والشخصيات التي التقيت بها فضلا عن تحول بعضها إلى دليل سياحي وثقافي وعلمي لعدد من الباحثين الذين سافروا من بعدي إلى تلك المدن الجزائرية والبلدان الأجنبية.

 

  • كيف ساهم علماؤنا المسلمون في بناء الحضارة الإنسانية؟
  • صحيح أن العلماء العرب والمسلمين قد ساهموا بقسط كبير في بناء الحضارة الإنسانية، سواء في الحواضر الإسلامية الكبرى كدمشق وبغداد والقاهرة وبجاية وتلمسان والقيروان ومراكش وفاس وبخارى وسمرقند…، أو في أوروبا كالأندلس وصقلية في جنوب إيطاليا.

كانت هذه المدن تعج بالعلماء والجامعات والمدارس، وقد أنتج المسلمون باللغة العربية الآلاف من الكتب في جميع التخصصات العلمية والأدبية والفنية، وترجمت العديد منها إلى اللغات الأخرى، كاللاتينية في البداية ثم إلى اللغات الجديدة في أوروبا مثل الاسبانية والفرنسية والانجليزية والألمانية…

وكل سائح يذهب اليوم إلى الأندلس أو إلى جنوب فرنسا، أو جنوب إيطاليا يجد هذه الآثار مازالت قائمة تشهد على تلك الحضارة الإسلامية الكبيرة، فعندما تذهبين إلى إشبيليا أو قرطبة أو غرناطة ستجدين السياح من كل أنحاء العالم قادمين إلى هذه البلاد لكي يتعرفوا على هذه الحضارة من خلال معالمها الأثرية الشامخة. وتوسعت أكثر هذه الحضارة الإسلامية في العصر الحديث مع توسع الدولة العثمانية في أوروبا الشرقية.

واستحضر هنا كثيرا من الجهود العلمية لتوثيق هذه الحضارة الكبرى والتعريف بإنجازاتها المتميزة في مختلف فروع المعرفة، وهو ما يسمى تاريخ العلوم. أذكر هنا العالم التركي الألماني الدكتور فؤاد سيزكين، الذي أسس “معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية” في جامعة فرانكفورت، وأصدر موسوعة تاريخ التراث العربي باللغة الألمانية في 12 مجلدا. ويشهد هذا المركز استقطابا كبيرا للباحثين في الحضارة الإسلامية من كل أنحاء العالم.

وكذلك أنوّه هنا بجهود العالم المصري-الفرنسي الدكتور رشدي راشد أستاذ تاريخ العلوم العربية في جامعة باريس7، له دراسات كثيرة حول إسهامات المسلمين في الرياضيات وعلم الفلك، ونشر مجموعة من الكتب ومقالات كثيرة في هذا المجال باللغة الفرنسية والانجليزية.

وأذكر أيضا العالم الجزائري الدكتور أحمد جبار أستاذ بجامعة باريس 11، وهو أيضا يدرس تاريخ الرياضيات في الجامعة الفرنسية، وله محاضرات في جميع أنحاء العالم حول التراث العلمي العربي. أما بالنسبة للعلماء الغربيين أذكر هنا المؤرخ الأمريكي جورج سارطون صاحب كتاب تاريخ العلوم، والذي تحدث فيه عن إسهامات المسلمين في العلوم الطبيعية والتقنية.

ولعل القارئ العربي يعرف أكثر الكتب الكلاسيكية في هذا المجال مثل “حضارة العرب” للعالم الفرنسي غوستاف لوبون، و”شمس الله تسطع على الغرب” للمستشرقة الألمانية سغريد هونكه وهو كتاب تُرجم إلى عدة لغات، وأعيد طبعه عدة مرات. أما الاهتمام بتاريخ العلوم العربية في العالم العربي والإسلامي فهذا تحصيل حاصل، ونشرت حوله كتب ودراسات لا حصر لها.

  • هناك اهتمام كبير بالثورة التحريرية المباركة، سواء من خلال الأبحاث والإعلام أو مختلف الدراسات الوطنية وكذا الأجنبية، فما هو السبب في نظركم؟
  • الثورة الجزائرية من الموضوعات التي تثير باستمرار اهتمام الباحثين، سواء من قبل الجزائريين أو الفرنسيين أو غيرهم من الباحثين. وذلك لما تتميز به هذه الثورة من رمزيات وقيم إنسانية وزخم كبير في الأحداث، وطول مدتها “سبع سنوات ونصف”، وعدد الشهداء، وتداعياتها الداخلية والخارجية في الجوانب الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وما زالت هذه الثورة تؤثر في العلاقات الجزائرية الفرنسية في القطاعات المختلفة وبالتالي تحافظ باستمرار على راهنيتها وحضورها الرمزي.

ورغم أن الثورة كانت محلية تخص تحرير أرض الجزائر إلا أنها كانت لها تداعيات على المستوى الإفريقي، فهي ساهمت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تحرير أو استقلال مجموعة من الدول الإفريقية وقبلها المغرب وتونس. كما أصبحت الثورة الجزائرية مصدر إلهام لكتاب وأدباء وشعراء سواء كانوا جزائريين أو أجانب تأثروا بهذه الثورة وألفوا حولها كتبا ونشروا عنها مقالات ونظموا حولها قصائد خالدة، وكتبوا مسرحيات وأنتجوا أفلاما حولها، أشهرها فيلم “يوسف شاهين” حول المجاهدة جميلة بوحيرد.

إن كل هذه الأبعاد المتعددة تجعل هذه الثورة العظيمة في مختلف الجوانب تكون محل اهتمام الباحثين سواء في الجزائر وفي مختلف الدول العربية والأوروبية. ونحن قصرنا في تعريب هذه الدراسات الأجنبية التي اهتمت بالثورة الجزائرية من خلال الوثائق الروسية والأمريكية والألمانية والسويسرية…الخ.

  • لماذا أهمل المؤرخون المراحل الأخرى من الحكم الاستعماري الفرنسي في الجزائر منذ 1830؟
  • ليس هنالك إهمال للمراحل الأخرى من الحكم الاستعماري الفرنسي منذ 1830، بل وجدت في الحقب الماضية اهتماما كبيرا من قبل المؤرخين الذين اشتغلوا كثيرا حول الفترة 1830-1945، مثل أبو القاسم سعد الله، محفوظ قداش، جمال قنان، المهدي البوعبدلي، عبد الحميد زوزو، ويحي بوعزيز، وعبد الكريم بوصفصاف، فضلا عن المؤرخين الرواد كأحمد توفيق المدني وعبد الرحمان الجيلالي ومحمد علي دبوز…بالإضافة إلى كتب وبحوث ودراسات ورسائل جامعية كثيرة حول هذا الموضوع للباحثين الآخرين بخاصة الجيل الجديد من المؤرخين.

أما تاريخ الثورة فإنه تخصص جديد مقرر في الجامعة الجزائرية في بداية الألفية الجديدة عكس ما هو سائد في الجامعة الفرنسية التي اهتمت به منذ سبعينيات القرن الماضي. اليوم، فيه اهتمام واضح بتاريخ الثورة الجزائرية ليس فقط في الجامعة، وإنما في القطاعات الأخرى مثل قطاع الإنتاج التلفزيوني والسينمائي ووسائل الإعلام.

وبالتالي فإن هذا الاهتمام المتنوع والمتعدد، واستضافة في البرامج التلفزيونية المجاهدين والمختصين خاصة في المناسبات الوطنية جعل الناس يظنون أن تاريخ الثورة هو التخصص الوحيد الذي يشتغل عليه الباحثون الجزائريون بعدما استنفذت المراحل الأخرى بالدرس، وانضمام إليهم مؤرخين مختصين في الفترات البعيدة. هذا ليس صحيحا، فمازالت المراحل التاريخية الأخرى تستقطب اهتمامات الباحثين الجزائريين وغيرهم فانظر على سبيل المثال ما يكتب حول الأمير عبد القادر، والحركة الإصلاحية ورجالها…

ولا شك أن هناك موضوعات كثيرة في التاريخ القديم والحديث لم تدرس بعد أو هي في حاجة إلى إعادة الدراسة والبحث على ضوء الدراسات الحديثة والوثائق الجديدة.

  • تطرقتم في كتابكم القيم “الثورة الجزائرية في الدراسات المعاصرة” لكل ما كتبه الباحثون حول هذه الثورة المجيدة، هل هي كتابة علمية صحيحة قريبة من الواقع؟
  • تختلف طبيعة الكتابة التاريخية عن الكتابات في المجالات المعرفية الأخرى. فالمؤرخ ينطلق من الوثائق والشهادات المتوفرة عنده، وعلى ضوئها يضع تصوراته وينجز أبحاثه. وإذا ظهرت في المستقبل القريب أو البعيد وثائق غير معروفة وشهادات جديدة لصناع الحدث المدروس يتمم أو يدعم الباحث ما كتبه من قبل، أو أن ينفيه.

وهذا لا يعني أبدا أن المؤرخ يقضي عمره في الإثبات والنفي للحدث التاريخي، فهو عندما لا يندفع في الكتابة ويدرس موضوعه من كل جوانبه ويتحرى الحقيقة العلمية بعيدا عن الذاتية والإيديولوجية فإنه يصل إلى تحقيق الغاية العلمية وكل الوثائق التي تظهر في المستقبل تدعم ما توصل إليه من النتائج.

ليس بالضرورة أن يكتب المؤرخ عن أحداث ووقائع ماضية كما حدثت بالضبط لكن يتقصى الحقيقة التاريخية قدر المستطاع، خاصة في ما يتعلق بالتاريخ المعاصر. أما بالنسبة للذي يبحث في التاريخ القديم والتاريخ الوسيط والتاريخ الحديث، فالبعد الزمني كبير جدا بينه وبين الحدث الذي يكتب عنه، بينما المؤرخ المعاصر يكتب عن أحداث قريبة منه، وبالتالي يحتاج إلى مراجعة مستمرة لما يكتبه حول الأحداث القريبة، واكتشاف الماضي واستحضاره مرة أخرى معتمدا على المقاربات النقدية والمقارنة للدراسات السابقة، وكذلك الأخذ بعين الاعتبار المعطيات والشهادات الجديدة.

وهكذا يستطيع المؤرخ أن يقترب كل مرة من الحقيقة التاريخية وهو يطبق هذه المنهجية في دراسته لتاريخ الثورة الجزائرية، ويتمكن من الإجابة عن إشكالياته إجابة صحيحة. وهنا أقول أن العديد من المؤرخين الجزائريين والأجانب وفقوا في كتاباتهم التي صارت اليوم مرجعيات في هذا المجال نظرا لالتزامها بالقواعد العلمية والجدية في البحث والدقة في التحليل والتريث في إصدار الأحكام.

أما مذكرات المجاهدين التي ظهرت منذ الانفتاح الديمقراطي في عام 1989 إلى اليوم فإنها تساهم في كتابة تاريخ الثورة الجزائرية لما تقدمه من المعلومات وما تذيّله من الوثائق والأرشيف النادر، إلا أن المؤرخ يستأنس بها خاصة لما يجد ثغرات تاريخية وتناقضات في المعلومات والتباس في المواقف. ويخضعها للضوابط العلمية شأنها شأن كل النصوص التاريخية.

  • نستعيد من تاريخنا ما نستفيد منه في حاضرنا لنبني عليه مستقبلنا، فما هي المحطات التاريخية التي ترونها ضرورية بأن تبقى في الذاكرة الشعبية؟
  • طبعا تاريخ الجزائر تاريخ عريق، حيث أن الاكتشافات الأثرية تحدثت عن 2 مليون سنة. إن الإنسان عاش في فضائنا الجغرافي الذي نسميه اليوم الجزائر. لقد عرفت هذه المنطقة عدة أمواج استعمارية عبر العصور، ووجدنا هذا الإنسان الجزائري قد تفاعل معها أحيانا وقاومها أحيانا أخرى. كما استفاد من ثقافتها ومن حضارتها ومن تجاربها المختلفة ومن نظمها السياسية والعسكرية ومن ثمرات ثقافتها وحضارتها، لكن أيضا صنع هذا الإنسان الجزائري خصوصياته الثقافية والحضارية، وحافظ عليها عبر العصور.

وتظهر هذه الخصوصية الثقافية والحضارية فيما أنتجه هذا الإنسان في الجزائر من حضارة وثقافة وما تركه من معالم أثرية موجودة في قسنطينة وتلمسان وشرشال وبجاية والتبسة وغيرها من المدن الجزائرية، وهي تشهد على إبداع هذا الإنسان الجزائري عبر التاريخ في مختلف مجالات الحياة.

ولهذا لو يأتي المؤرخ إلى عرض كل هذا التاريخ الطويل ويقف عند محطاته العديدة وأعلامه ومعالمه عبر هذا التاريخ، فإنه يصعب عليه أن يميّز بين مختلف هذه المراحل، ولهذا جاء التخصص في التاريخ ليركز المؤرخون على فترات معينة. ومن خلال التخصص نصل إلى ضبط كل هذا الإنتاج الفكري والعلمي والحضاري للإنسان الجزائري، ونطلع على كل تاريخ الجزائر عبر العصور بنظرة أشمل وأعمق.

بل أقول أن عندما تجتمع جهود كل العلماء المختصين وليس فقط المؤرخين فإنها تنجز موسوعة الجزائر تدرس كل مجالات الحياة والطبيعة والإنسان في عدة مجلدات، على غرار ما هو موجود في دول كثيرة. وأشير هنا إلى أن نابوليون بونابارت عندما احتل مصر كلف العلماء المرافقين لحملته، بوضع موسوعة عن مصر فألفوا له كتابا ضخما عنوانه “وصف مصر” في عدة مجلدات تضمن دراسة شاملة وعميقة لكل جوانب الحياة في مصر.

وقد فعل الفرنسيون نفس الشيء لما احتلوا الجزائر وقام مجموعة من العلماء الفرنسيين بوضع موسوعة كبيرة حول الجزائر. ونحن اليوم، في حاجة ماسة إلى هذا العمل العلمي لكي نحيط بكل الجوانب المتعلقة في الحضارة الجزائرية وإسهاماتها في الحضارة العربية الإسلامية وكذلك في الحضارة الإنسانية.

  • ما هو تقييمكم لواقع البحث التاريخي في الجامعة الجزائرية؟
  • البحث التاريخي في الجامعة الجزائرية يحتاج إلى رؤية واضحة، فنحدد البرامج ونعين الوسائل ونرسم الأهداف القريبة والبعيدة. فلا نعرف ماذا نريد من البحث العلمي. البعض يرى في البحث العلمي وسيلة لكي يرتقي في السلم الوظيفي وما يترتب عنه من امتيازات مادية. وهناك من يفتح مخبرا من أجل تنظيم الملتقيات والندوات دون طبعها والاستفادة منها.

وهناك من يفتح المخابر لتكوين الباحثين ونقل الخبرات والتجارب بين الأجيال. وهناك من ينتج المعرفة النظرية دون أن يحوّلها أهل القرار إلى منتوج صناعي مفيد أو قيمة أخلاقية أو فكرة اجتماعية أو سياسية نافعة؟ كل هذه الاعتبارات لها مسوّغاتها المقبولة وغير المقبولة.

لقد أنجزت مع صديقي علاوة علاوة كتابا عنوانه: ” نصف قرن من البحث التاريخي بالجامعة الجزائرية 1962-2012″، وهي محاولة لتقييم الإنتاج التاريخي في الجامعة الجزائرية خلال نصف قرن، فوجدنا أن ما تم لحد الآن متزايد باستمرار من الناحية الكمية ومتفاوت من الناحية النوعية، إذ نحن في حاجة ماسة إلى تجديد الموضوعات وتحديث طرق البحث.

وبهذه الشروط نكوّن الباحثين الجادين ونساهم في تطوير البحث التاريخي ليس على المستوى المحلي ولكن على المستوى العالمي. فكثيرا من النقاشات التاريخية والفكرية التي نوقشت في القرن الماضي كان فيها المؤرخ الجزائري غائبا، ليس لأنه كان لا ينتج أو أن إنتاجه غير جدير بالدرس وإنما لكون المؤرخ الجزائري كان منعزلا في جامعته ومنشغلا بأعماله دون المشاركة في الفضاءات التي كانت تصنع فيها الأفكار الجديدة وتروّج فيها للكتب والنظريات والآراء الفاعلة كما كان يفعل المؤرخ المغربي عبد الله العروي أو المؤرخ التونسي هشام جعيط، وغيرهما من المؤرخين العرب المعاصرين.

  • لماذا لا تُطبع مذكرات الماجستير والدكتوراه المتحصلة على تقدير جيد جدا، لإثراء المكتبة التاريخية الجزائرية؟
  • هذا السؤال مهم جدا. وأنا شخصيا طرحت هذا السؤال في مناسبات عديدة، فلا يعقل أن نهمل رصيدا معرفيا كبيرا أنجزه الباحثون الجزائريون أو غيرهم بعد شق الأنفس، ثم يوضع في رفوف المكتبات أو في مخازنها يعلوها الغبار ولا يستفيد منه الطلبة والباحثون بل العلمي نفسه. فكم من موضوعات درست مرات عديدة في جامعات مختلفة دون أن ينتبه لها الباحثون أو المشرفون أو المجالس العلمية بخاصة قبل اختراع الوسائل التقنية الحديثة.

لم يتطوّر البحث العلمي إلا بالتراكم المعرفي، فكل خطوة ثابتة في طريق العلم تخدم الخطوات الجادة التي جاءت بعدها. وكلما نشرت النتائج العلمية واطلع عليها الباحثون والعلماء أخضعوها للنقد والتقويم والتصحيح والتأويل أو الإضافة والإثراء والتطوير؛ فكم من نظرية علمية انطلقت من نظرية سابقة، وكم من آراء تاريخية تغيّرت بعد ظهور وثائق جديدة.

إن نشر الحصيلة العلمية هي خطوة ضرورية لتقدم العلم وتعميم المعرفة. غير أن الكثير من الأعمال الأكاديمية من الماجستير والدكتوراه القيمة التي أنجزت في الجامعات الجزائرية لم تنشر، ويكتف أصحابها بالحصول على الشهادة العلمية والترقية المهنية.

لا شك أن الباحث يتحمّل جزء من المسؤولية عندما لا يبادر بطبع عمله في دور النشر الجزائرية أو غيرها، ولو اقتضى الأمر تحمل بعض الأعباء المالية للطبع، أو التنازل عن حقوقه. وليس الشرط أن ينشرها كاملة فيستطيع أن يرسل ملخصها إلى المجلات التي تعنى بموضوعها فتنشرها له وتربطه بالمختصين والمهتمين. كما يستطيع التعريف بها في وسائل التواصل الحديثة من مواقع إلكترونية مختصة أو في شبكات التواصل الاجتماعي ليستقطب المهتمين من الباحثين أو الطلبة.

إن الباحث في عصر العولمة يختلف كثيرا عن الباحث الكلاسيكي الذي يختزل مهمته في البحث العلمي ويتكل على الجامعة أو الوزارة أو مؤسسات أخرى في أداء الإجراءات والخطوات الأخرى. فالباحث الجديد هو كذلك رجل الأعمال والتسويق، يروّج لمشروعه ويجذب له التمويل ويسهر على تسويقه بخاصة في المجالات العلمية التي تحتاج إلى دعم مالي كبير وتحويل النتيجة النظرية إلى منتوج وبضاعة.

ولا ننسى أيضا مسؤولية المخابر العلمية التي تأسست في الجامعات الجزائرية وتستفيد من دعم مالي معتبر من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وكذلك المؤسسات العمومية والخاصة، غير أن غالبيتها – وأتكلم هنا عن المخابر التاريخية- تهتم بتنظيم الملتقيات والندوات وتهمل النشر، ولا تبحث عن الرسائل الجامعية المتميزة في مجال تخصصها لتنشرها وتروج لها.

ولابد أن أشير هنا أيضا إلى مؤسسة مهمة وهي ديوان المطبوعات الجامعية التي من مهامها الأولى طبع كل ما يحتاجه الطالب والأستاذ والباحث، لكن لا تقم بدورها كما ينبغي في هذا المجال بالضبط. فما تنشره ليس دائما جديدا وله صلة بالبحث العلمي داخل الجامعات الجزائرية، ومنها الرسائل الجامعية الرصينة.

  • نصيحتكم للطلبة والباحثين الجدد، كيف يقرؤون عن تاريخهم ولما يقرؤون؟
  • تتمثل قوة الباحث في مطالعاته المستمرة لمواكبة تطوّر البحث في ميدان تخصصه أو في مجالات اهتمامه. ولا يقرأ لكسب المعلومات فقط أو لاقتباس النصوص للاستشهاد بها في بحوثه المقررة في الحصص التطبيقية أو في إنجاز مذكرات تخرجه أو إعداد رسالة الماجستير أو الدكتوراه. وإنما تكون المطالعة لتكوين الرصيد المعرفي وتذوّق اللغة العلمية السليمة والتمرن على الكتابة الرصينة دون الاندفاع في النشر دون مراعاة قواعده والتسرع نحو تحقيق الشهرة الزائلة.

يجب أن يكون هاجس الطالب أو الباحث الجديد التكوين المتين قبل كل شيء خاصة في تطبيقات ضوابط المنهجية وتعلم اللغة الأجنبية التي لها صلة بتخصصه حتى ينهل المعلومة من مصدرها الصحيح.

  • كلمة أخيرة دكتور عويمر:
  • إن تاريخنا في حاجة ماسة إلى كل قلم أمين وعقل سليم ليميط اللثام عن صفحاته المشرقة عبر الزمن بطريقة علمية، لنستمد منها العبر ونغذي بها هويتنا ونحفظ بها مصيرنا ونصنع مستقبلنا. ذلك أن رسالة المؤرخ لا تتوقّف على إنتاج المعرفة في مكتبه أو في مخبره أو تدريس طلبته في مدرجه، وإنما تكمن أيضا في نشرها بين الناس باعتبارها الوسيلة الناجعة لتنوير الإنسان وتحرير المجتمع من التخلف، والرقي به في سلم التقدم والازدهار.

الدكتور عويمر في سطور:

الدكتور مولود عويمر، خريج جامعة الجزائر حيث نال شهادة الليسانس في التاريخ عام 1991، ثم واصل دراساته العليا بالجامعة الفرنسية بين 1992 و1998 ليتحصل على شهادات الماجستير ودبلوم الدراسات المعمقة والدكتوراه. له عشرون كتابا، أبرزها: “الإسلام والغرب بين التاريخ وتحديات المستقبل” و”مالك بن نبي رجل الحضارة”، “مقاربات في الاستشراق والإستغراب”، و”الفكر الإصلاحي المعاصر وقضايا التنوير”، و”جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مسارات وبصمات”، وغيرها من الكتب التي تهتم بتاريخ الفكر المعاصر. وهو يعمل الآن أستاذا بجامعة الجزائر 2، وله إسهامات كثيرة في الحياة الثقافية والفكرية في الجزائر وفي الخارج حول القضايا الفكرية والتاريخية.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتــــورة عائــشـــة أم الغــيــث فــي حـــوار مع جريـــدة البصــائــر:

تطرقت الدكتورة عائشة أم الغيث، أستاذة بجامعة أحمد دراية بولاية أدرار، في حوار لها مع …