الرئيسية | كلمة حق | ماذا يجري في تونس/ د. عمار طالبي

ماذا يجري في تونس/ د. عمار طالبي

أصدر علماء تونس بيانا (الخميس 17 أوت 2017) ردا للدعوة الرئاسية التونسية للمساواة في الإرث، وهو رد علمي شرعي واضح، ووقعه أربع وعشرون عالما ومنهم كان وزيرا للشؤون الدينية.

ودعا رئيس الدولة إلى جانب المساواة في الإرث إلى إلغاء منع زواج المرأة التونسية بغير المسلم وتحقيق رغبة بعض التونسيات للزواج بغير المسلم.

ويرى أن المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة لا تخالف الدين وأن الإرث ليس مسألة دينية في الإسلام وإنما هو مؤول إلى تصرف البشر، وهم الذين يتصرفون فيها.

ويبدو أن الرئيس لا يعلم الضروري من علوم الدين، وهو ليس أميا، حتى يتهم بالجهل، وهو يعلم أن القرآن جاء للإنسان وموضوعه الإنسان في تنظيم شؤون حياته والقيم التي يتصرف على أساسها، وهو من الثوابت القطعية الوضوح والدلالة لا تحتمل تأويلا، ولا تحريفا، (النساء: 11).

وكما أشار البيان فإنه ينبغي النظر إلى المنظومة الشرعية في الأسرة باعتبارها كلا متكاملا، فقد ترث المرأة أكثر من الرجل في أكثر من ثلاثين حالة، في حين ترث في أربع حالات فقط نصف الرجل.

وكذلك زواج المسلمة بغير المسلم فإنه محظور بالإجماع، فالمسلم يؤمن بأصول ديانات أهل الكتاب، وغير المسلم لا يؤمن بالإسلام.

وبيان علماء تونس واضح في نقاطه السبع لا يحتاج إلى إضافة ونحن في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نؤيدهم ونتضامن معهم تضامنا تاما.

لأن هذه الدعوة تحريف واضح لنصوص الدين، ومخالفة جلية للنص القطعي، وهذا معناه فتح الباب لتغيير ما شرعه الله للمؤمنين، ويصبح كل يعمل على هواه وشهوته، وهذا التحريف قد وقع فيه أصحاب الديانات متبعين هواهم وهوى أتباعهم، تحريف في النصوص وفي تأويلها.

ولعل الهوى السياسي، وحب الحصول على أصوات النساء من أسباب الدعوة إلى هذا التحريف والادعاء أن ذلك من شأن البشر، أن كل الشؤون التي جاء الإسلام لتنظيمها وتشريعها هي من شؤون البشر، فهذه المغالطات لا تنطلي على أحد له علم بالضروري من علوم الدين.

فالسياسي أصبح مفتيا، ويجعل الدين مطية للوصول إلى هدفه السياسي، وإن أدى ذلك إلى التلاعب بتعاليم الدين وشرائعه التي شرعها للناس، يضحي السياسي بالدين في سبيل السياسة والرئاسة كما قال ابن عاشر رحمه الله:

واعلم أن أصل ذي الآفات * حب الرياسة وترك الآية

إن هذا الذي يجري بين السياسة والدين أمر محير في مجتمع إسلامي، فقد يصبح المفتي سياسيا، ملغيا للنصوص متحررا من كل القيود، متبعا هواه، وما يحلو له.

ويتهم السياسي أهل الدين بالتدخل في السياسة التي لا يجوز لهم أن يخوضوا فيها، ولكن السياسي حر في أن يتصرف في الدين بما يوافق ما يريد من تصرفات، ونحن لا نتهم الرئيس التونسي بأنه لا يعلم هذا الضروري من العلم الديني، وهو يعيش في مجتمع مسلم وتعلم في المدرسة التونسية ولعلها الصادقية، وكان يعلم بها شيوخ من الزيتونة الفقه والثقافة الإسلامية.

ولعل ما يسمى بالعلمانيين منهم يريد أصحابه تطبيقه بإلغاء التشريع الذي مضى عليه أربعة عشر قرنا.

وهو تشريع يضمن تماسك الأسرة المسلمة، وحصانتها من التفكك، والانحلال، كما نرى ذلك في المجتمعات الأخرى التي أصبح فيها الزواج والمعاشرة والزواج المثلي، والتحرر من الولادة، وما إلى ذلك من الظواهر الاجتماعية التي تحررت من قيود الزواج الشرعي ومن تماسك أفراد الأسرة الواحدة.

وكما قال الشيخ الجليل محمد الطاهر بن عاشور:” وجاءت شريعة الإسلام مهيمنة على شرائع الحق، فكانت الأحكام التي شرعها للعائلة أعدل الأحكام وأوثقها وأجلها” (مقاصد الشريعة الإسلامية ج 3 ص 421).

وسمى القرآن هذا النظام في الإرث بأنه فريضة {فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً}[النساء:11].{تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[النساء:13].

بنى الإسلام ذلك على اعتبار القرابة الأصيلة والعارضة، والأصل في ذلك هو الرابطة العائلية، ولم يمنع قرابة النساء وما كان النساء يأخذن شيئا من الإرث عند أكثر الأمم، ويقول ابن عاشور:” انتظام أمر العائلات في الأمة أساس حضارتها وانتظام جامعتها، فلذلك كان الاعتناء بضبط نظام العائلة من مقصد الشرائع البشرية كلها، وكان ذلك من أول ما عني به الإنسان المدني في إقامة أصول مدنيته بإلهام إلهي، روعي فيه حفظ الأنساب من الشك في انتسابها”(ج3 ص 421).

ومقصد الشريعة ونظامها أن تكون نافذة في الأمة فإنها خطاب الله، وامتثال الأمة للشريعة أمر اعتقادي تنساق إليه نفوس المسلمين عن طواعية واختيار.

ومن شأن السياسي أن لا يصدم مشاعر الأمة فيما تعتقده، من شؤونها الدينية والاجتماعية وقيمها.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ما يزال ترامب يعتدي على المسلمين؟/ عمار طالبي

يبدو بوضوح أن رئيس “الولايات المتحدة الأمريكية” خاضع خضوعا تاما للصهاينة والمسيحيين المتطرفين المتصهينين، وينفذ …