الرئيسية | قضايا و آراء | في ظل اختلافات الشارع الجزائري إلى أين يا وطن الشهداء…إلى أين؟؟/ د. وليد بوعديلة

في ظل اختلافات الشارع الجزائري إلى أين يا وطن الشهداء…إلى أين؟؟/ د. وليد بوعديلة

تشهد الجزائر ارتفاعا في حدّة رفض الموعد الانتخابي كما تشهد تجاهلا إعلاميا جزائريا غريبا لكل صوت معارض لتنظيم الرئاسيات، فارتفعت موجة الاعتقالات لكل محتج على المرشحين لكرسي الرئاسة. فما هو مستقبل هذا الوطن؟

الشعب والمرشحون؟؟

إننا وجدنا الحملة الانتخابية تسير بطريقة غريبة، تصل لطرد المواطنين المترشحين من الشوارع والساحات من جهة، وفي المقابل يطرد أنصار المرشحين بعض المواطنين من أماكن التجمعات الشعبية، ومنعهم من دخول القاعات خوفا من احتجاجهم وعرقلتهم للحملة؟؟

فكيف تنظم حملة انتخابية بعيدا عن الشعب؟ وهل عدد الرافضين أكبر من عدد المساندين، هذه هي أهم الأسئلة في الشارع الجزائري اليوم؟ وعند يوم الانتخاب سيكشف كل شيء، لكن تنتظر الجزائريين محطات كثيرة لإحداث التغيير، والخوف كله يحيط بمصير الدولة في ظل الاختلاف حول استراتيجية السلطة المؤقتة؟

فالمرشحون لرئاسة الجزائر لم يبتعدوا عن السلطة التي سيرت البلاد برؤية الشرعية الثورية وبأدوات الفساد المالي السياسي، كما اعتبر الكاتب حسني عبيدي(مدير مركز الدراسات حول العالم العربي في جنيف) أن “قائمة المرشحين تعبر عن تمسك السلطة برموز النظام السلطوي”. وهو ما جعل السلطة المؤقتة تعجّل بالانتخابات، ولو كانت صورية، ويضيف عبيدي:” إن مفهوم الانتقال الديمقراطي مرفوض بقوة من قبل السلطة الفعلية، لأنها تعلم بأن أحد مخرجات الانتقال هو تسليم السلطة كاملة لمن يملك شرعية واحدة وهي الشرعية الدستورية”.

ويبقى الشارع الجزائري يترقب في خوف وقلق من أن تفتح  أبواب الصراع والفتن، لأن الأصوات المعارضة للموعد الانتخابي في تزايد وأصوات المساندة تتحرك في احتشام، وشهدت بعض الولايات التقاء لمختلف الأصوات في الشارع تعبيرا عن الرفض أو المساندة، وأخذت شبكات التواصل الاجتماعي تنقل الصور والفيديوهات مع تعليقات تهيّج الوضع وتحرك الشباب من دون قدرة على التحكم في الخطوات والنتائج.

 

الوطن والتحديات

إن أجهزة الأمن وجدت نفسها أمام تحديات مجتمعية جديدة، وتحاول تسيير الوضع الصعب، فهي تحارب الجريمة بمختلف أنواعها، ثم عليها التحكم الأمني في الشارع وتحولات القناعات الفكرية السياسية للتعبير في الميادين، ووجدناها مثلا تلاحق وتعتقل في كثير من المرات كل صوت معارض عند الاحتجاج على المترشحين.

ونحن هنا نقف لجانب من يعارض، لكن بسلمية وتحضر، ولا يسقط في ممارسات العنف والشتم، لأن الرفض لا يعني التعدي على الرأي المخالف والسعي للتخريب والتحطيم، فالسلمية .. يا ناس..السلمية.

ولعل الأحداث الأخيرة التي تشهدها بعض الربوع الجزائرية هي التي دفعت بالسيد محمد شرفي رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لكي يدعو إلى وقف العنف وانتهاج الأسلوب الحضاري في إبداء الرأي والتعبير بكل سلمية عن كل الآراء، طالبا من وسائل الإعلام للالتزام بميثاق الممارسة الانتخابية.

الإعلام ضد شعبه؟؟

ولم يدع محمد شرفي الإعلام العمومي أو الإعلام الخاص المساند لتنظيم الانتخابات لفتح المجال أمام الرأي المخالف والرافض لها؟؟ ولم نسمع أي صوت يريد أن يناقش المهنية وأخلاقيات الحياد الإعلامي والخدمة العمومية الصادقة النزيهة؟؟

يا ناس..إن الإعلام الجزائري لم يعد ينقل المسيرات الشعبية التي يرى المشاركون فيها عدم جدوى الموعد الانتخابي الرئاسي، وهذا الإقصاء للرأي المغاير- المخالف يفتح جدل التعددية والحرية في السياسة والفكر، وهو ما جعل المراقبين والمتابعين للشأن الجزائري يشكّون في إرادة السلطة لتفعيل خطوات التغيير السياسي.

وتحدث بعض المراقبين ومنهم الإعلامي حسان زهار عن عصابات منظمة هدفها استهداف المترشحين وأنصارهم، بغرض الإيهام بوجود رفض شعبي للانتخابات، ودعا الباحث والكاتب رشيد ولد بوسيافة لتحرك الجهات القضائية ضد المتورطين في التجاوزات والاعتداءات ضد من يخالفهم الرأي.

وهنا علينا التمييز بين موقفين:

– اعتقال من يحتج بطريقة عنيفة تصل للتكسير والشتم والتخريب والضرب.

– اعتقال كل موقف رافض حتى لو كان سلميا.

ونحن ضد اعتقال كل موقف رافض بطرية متحضرة وسلمية، ومع توقيف-بطريقة قانونية – من يعرقل المرشحين في تسويقهم لمواقفهم وبرامجهم، ويهدد الأمن العام ويشكل خطرا على المواطنين الذين يساندون الانتخابات.

 

السلطة والقراءة الواعية

نريد تأملا واعيا لمحطات الحراك الشعبي المختلفة، ونريد من السلطة أن تفتح بسرعة قراءات المختصين السوسيولوجيين والأنتربولوجيين لما شهدته الجزائر منذ بداية الحراك الشعبي، وعليها أن تقرأ بعمق ثوابت ومتغيرات الذهنية الجزائرية، وأن تعرف آمال وطموح الشباب اليوم، فلم تعد ممارسات وبرامج شراء السلم الاجتماعي تجدي، والتغيير الجذري للمنظومة السياسية يجب أن يحدث قريبا لنربح الوقت الضائع من زمن بناء الدولة وحماية الأمة.

 

ومن ثمة تحتاج الكثير من مراكز البحث والجامعات في الجزائر لتقديم مشاريع ندوات وملتقيات تحلل الحراك الشعبي وتدرسه بطريقة علمية، لكي تستفيد الجزائر والأجيال القادمة من هذه التجربة السلمية الحضارية، مع نصح السلطة ومؤسسات الدولة بكل فكرة وبرنامج يختصر مسافات التحول السياسي، ولا يبقى علماؤنا في صمتهم الرهيب، لأن المجتمع يحتاج لرؤيتهم بطريقة أكاديمية صادقة موضوعية، تكشف الحقائق وتقول خطاب العقلانية والمستقبل، وتفتح مجالات الانتقال والحرية.

وقد تكون مضامين قانون الإجراءات الجزائية الجديدة بداية لفتح تلك المجالات،  لأبواب جزائر العدالة والمساواة والحريات والحقوق، وفيه مواد تمنع أجهزة الأمن وضباط الأمن العسكري من تفتيش المساكن من دون إذن مكتوب من وكيل الجمهورية أو قاض التحقيق.

نحن والتدخل الأجنبي؟؟

علينا أن نستفيد من أخطاء الماضي ومن الأحداث السياسية في  الشعوب الأخرى، وأن ننتبه بحذر لكل موقف خارجي يريد التدخل في شؤوننا، ويجب أن تبقى قضايانا الخلافية داخلية…

لا نريد من الدول الأوربية وغيرها أن تعزف أنغام حقوق الانسان والديمقراطية، وهي التي باركت كل المواعيد الانتخابية المزورة في العهد البوتفليقي؟؟ وهي التي وقّع مراقبوها كثيرا على نزاهة انتخابات رفضها الشعب ولم يشارك فيها لسنوات؟؟ وقد نستمع لخطابات أوربية سياسية تبارك الحراك وتدعمه؟؟ فهي خطابات مرفوضة، وقد نسمعها تحتج على الانتخابات وتطلب من السلطة السماع لصوت الشعب؟؟ فهي كذلك مرفوضة…

ومع تلاحق الأخبار حول تحضير البرلمان الأوروبي للائحة حول الحراك، تدخل رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان بوزيد لزهاري ليستنكر التشويش الأوربي على الجزائر، نافيا أن تكون في الجزائر جرائم رأي، رغم أن عمل المجلس يحتاج لتفعيل أكثر ولقول كلمة الصدق دون مناورة أو خضوع للخطاب السلطوي؟؟ بخاصة والجزائر قد وقعت على اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوربي لاحترام مبادئ الأمم المتحدة في مسائل حقوق الإنسان والحريات السياسية والاقتصادية ودولة القانون والعدالة.

يا ناس.. إن الجزائر حرة ولا تعترف بأي تدخل خارجي، ولا تنخدع بخطابات الإملاء والتوجيه والمساومة، وسيصل الشعب لغايات بناء دولته الديمقراطية المنسجمة مع هويتها، وسيفشل كل خطط الخونة وعصابات السياسة والمخدرات والعقارات، باتحاده وتماسكه وثباته على الحق والوفاء لمجد رجاله الذين أخرجوا المستدمر الفرنسي.

أخيرا..

إن أزمتنا، أيها العالم في الشرق والغرب، عائلية جزائرية خالصة، ستحل في إطار السلمية والحضارية، وقلوبنا وعقولنا فيها مرتبطة بعطر الشهداء ومجدهم وإخلاص أحفاد مازيغ وأحرار الذاكرة الثورية.

يقول الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعة العلماء المسلمين الجزائريين:” إن الوطن يسع جميع أبنائه، وإنه يزداد اتساعا بالتسامح وأدب الاختلاف، ويضيق بالتعصب وفقد الائتلاف،.. إن عدم التقيّد بأدب الاختلاف لا يقود إلا  إلى المحن والفتن وإلى خراب الأوطان وانهيار الإنسان والعمران”.

أخيرا… اللهم احفظ الجزائر وامنحها السلم ووفقها للوفاء بعهود الشهداء.

ملاحظة/صور الحراك الشعبي بمدينة قالمة.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نظرية الشعر الإسلامي بين الـمنهج والتطبيق في الـميزان -منظور عباس الـمناصرة نـموذجاً- الجزء الأول/ د. محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة

  لعل أحداً لا يحتاج إلى كبير عناء لكي يدرك أن مصطلح «نظرية» يتسم بالشمول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *