الرئيسية | قضايا و آراء | وحدة الشعوب العربية فريضة دينية وأساس التمكين للأمة الإسلامية/ محمد مكركب

وحدة الشعوب العربية فريضة دينية وأساس التمكين للأمة الإسلامية/ محمد مكركب

المنطق الشرعي يقول: إن فريضة الوحدة والاتحاد تشمل المسلمين جميعا، بدليل القرآن، والسنة، والإجماع، ومنطق التاريخ، والواقع. فلماذا الدعوة إلى فريضة وحدة الشعوب العربية؟

إن دعوتنا الشعوب العربية، إلى الوحدة والاتحاد، من صميم الدعوة العامة للمسلمين، وهي دعوة القرآن العظيم، والرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام. ولو استجاب من الآن أخي الأندونيسي، والتركي، والإيراني، والباكستاني، والبنغالي، والجيبوتي، والتشادي، والمالي، والنيجيري، والقمري، وغيرهم. في كل القارات. وقالوا: الإسلام ديننا (وهم يقولون هذا فعلا) والعربية لغتنا (وأغلبهم مازال لم يقل هذا، ولم يعمل بهذا) وكل الأوطان الإسلامية، وطننا، (وهم يقولون هذا). لصححنا العنوان. وقلنا: “فريضة وحدة العالم الإسلامي”.

لا للحرب في اليمن، ولا في الشام، ولا في العراق، ولا في أي جزء من وطننا الإسلامي، فالحل بالقرآن وليس باللسنان، بحوار بين العلماء والحكام، في اليمن والشام، وفي شأن كل إقليم من أقاليم الإسلام.

فما بال العرب لا يزالون مُصرّين على التفرق والانقسام؟ وهذا يحزن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ونكرر هذا النداء للمرة الرابعة في ست سنوات، من باب. اللهم فاشهد، اللهم فاشهد. والنداء موجه إلى العلماء على مستوى الاتحادات، والجمعيات، والأفراد. ثم الفرق والطوائف، والأنظمة والأحزاب والمعارضات، حيث الحروب الأهلية، وحيث التهديدات تحيط بأطراف كل البلدان الإسلامية. كما هو نداء للحكام ليتخلصوا من عقدة العصبيات السياسية، ويستجيبوا لأمر ربهم والعمل بقيم الأخوة الإيمانية.

وبداية أقول: إن الوحدة الإسلامية، بالإضافة إلى أنها فرض وأمانة، فهي بالنسبة للعرب، رحم وقرابة في اللغة والتاريخ والجغرافية. وما دام أن بعض الشعوب الإسلامية، من غير الشعوب العربية، لم تُرِد الوحدة والاتحاد، بل انسلخوا من الخلافة، واللغة، والثقافة، والسياسة. فما بقي إلا أن ندعو العرب ليعيدوا الخلافة الشرعية في شكلها المعاصر، كما بدؤوها أول مرة بالإسلام، فقد فرطوا فيها، وأضاعها غيرُهم، وعنها يسأل العرب قبل غيرهم. وبسبب ضياع أمانة الوحدة العربية، ضاعت أراضي، وأقاليم، بل ودول وحضارات، كانت موطنا حصينا للإسلام. ومن الأمانات التي لاتزال مهددة “المسجد الأقصى” وكل أراضي فلسطين، وأقاليم أخرى. فما بال العرب لم يستيقظوا، وقد تكون أطماع الكفار أكثر من الأقصى. وجاء التحذير الخطير في الحديث النبوي الشريف. [وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا] (مسلم.كتاب الفتن.2889)؛ فماذا تنتظرون بعد هذا البيان النبوي، أيها العرب؟ فماذا بعد هذا أيها المسلمون إن كنتم مؤمنين؟

ودعوتنا الشعوب العربية إلى الوحدة والاتحاد من عدة أبواب. أولا: ما لا يدرك كله، لا يترك جله.

ثانيا: أن مسؤولية الخلافة كما قلت يقع عبؤها على العرب أكثر من غيرهم.

ثالثا: أنهم هم القدوة في إمامة الناس في الدعوة إلى الإسلام.

رابعا: أن عوامل الوحدة بين العرب أقوى، لقيام مجتمع متآلف، بأصول السياسة الشرعية، ومقتضيات القوانين الوضعية، وما يوافق متطلبات المدنية المعاصرة، فكل الظروف والأسباب مواتية، لقيام وحدة عربية منسجمة.

فأين أنتم أيها العرب؟ أم أن العرب ألفوا الضعف والهوان، فعز عليهم أن يرتفعوا عن الحضيض؟

فما هو الدليل على أن وحدة الشعوب الإسلامية ومنها وحدة العرب، فريضة، وأن التعاون بينهم واجب مقدس، وأنهم إذا ظلوا منقسمين يظلون على ضعفهم وهم في هذا العناد، ويحاسبون على رفضهم الوحدة والاتحاد؟.

أما دليل الفرض والواجب: قال الله تعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [المائدة/2]؛ قال القرطبي رحمه الله: (هذا أَمرٌ لِجَمِيع الخلق بِالتعاون على البِر والتقوى) قلت: إذا كان هذا لكل الناس، فمن باب أولى أن يتعاون المسلمون. وقال عز وجل: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران/103]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التوبة/71]، والولاية ضد العداوة، وتشمل ولاية النصرة، وولاية الأخوة، وولاية المودة، وأحاديث نبوية كثيرة، منها: قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: [الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا] (مسلم. كتاب البر والصلة، رقم: 2585).

وأما الدَّليل على بقاء الضعف والتخلف إن بقينا منقسمين هو- قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[الأنفال/46]. وفي هذا النهي عن الانقسام، والبعد عن الجماعة دليل آخر في إثبات فرضية الوحدة. ففي خطبة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:{عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة}وفي الحديث، عن زيد بن سلام، أن أبا سلام، حدثه أن الحارث الأشعري، حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ، اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: السَّمْعُ، وَالطَّاعَةُ، وَالجِهَادُ، وَالهِجْرَةُ، وَالجَمَاعَةُ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ، وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ]، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ؟ قَالَ: [وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، فَادْعُوا بِدَعْوَى اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ، عِبَادَ اللَّهِ] (الترمذي. كتاب الأمثال.رقم: 2863).

فأما العوامل والمقومات التي بموجبها يفترض أن يقيم العرب اتحاد موحدا، من الخليج إلى المحيط، ومن الصحراء الإفريقية إلى الشام العربية، من صناء ومسقط، إلى طنجة، ونواقشوط، ومن بيروت والقدس إلى تمنراست فهي كما يأتي:

العامل الأول: “عامل الدين”. فالدين يفرض علينا أن يكون العرب دولة واحدة، وليس اثنتين وعشرين دولة. قال الله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[آل عمران/105]؛ قال المفسر أحمد مصطفى المراغي في شرح قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ (أي: ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين تفرقوا في الدين وكانوا شيعا، تذهب كل شيعة منها مذهبا، يخالف مذهب الآخر، وتنصر مذهبها، وتدعو إليه، وتخطّىء ما سواه، ولذا تعادوا واقتتلوا). قال: (ولو كان فيهم أمة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعتصم بحبل الله، وتتجه إلى غاية واحدة، لَمَا تفرقوا ولا اختلفوا فيه، وَلَمَا تعددت مذاهبهم في أصوله وفروعه، ولَما قاتل بعضهم بعضا، فلا تكونوا مثلهم فيحل بكم ما حل بهم). قلت: ومع كل هذا فقد اختلف المسلمون، وتعددت مذاهبهم، مع الأسف؛ وزادوا للطين بلة، أنه لم يكفيهم تفرقهم إلى دويلات ومذاهب، فتفرقوا داخل الدولة الواحدة إلى أحزاب.

العامل الثاني الذي يجمع العرب: “عامل اللغة العربية”، لغة كتاب ربهم، ولغة سنة نبيهم. ولكن العرب مثلما تفرقوا في الانتماءات المذهبية، تفرقوا في تسييد اللهجات واللغة الأجنبية. وكأنهم أبوا أن يوحدهم لسان القرآن، ورابطة الإيمان، إنهم أعداء أنفسهم، تنكروا لرحمهم، فكان عقوقهم للغتهم كبيرة من الكبائر. قال أحمد شوقي: “ونحن في الشرق والفصحى بنو رحم، ونحن في الجرح والآلام إخوان”، ولكن من يفقه قيمة رحم اللغة العربية؟ ولا يفقه ذلك إلا من يفقه تدبر القرآن الكريم.

العامل الثالث: العامل الجغرافي، فكل الشعوب العربية تقع على إقليم متصل، يربط شرقهم وغربهم، وجنوبهم وشمالهم.

العامل الرابع: عامل وحدة المصير، فكل شعب من الشعوب العربية يتأثر بما يتأثر أي شعب عربي آخر. والغريب العجيب، أن العرب جربوا هذا في التاريخ القديم والحديث في حربهم ضد الكفار، والأعجب من ذلك كله، الامتحان الذي يتعرضون له الآن. من:2001م إلى حين كتابة هذه الكلمات: 30ذي القعدة 1438هـ، الموافق لـ 17 أوت 2017م، ولكن؛ لا يعتبرون..!؟ فماذا ينتظرون؟ حتى يؤكلوا شاة، شاة؟!

إن الدعوة إلى الاتحاد من منظور السياسة الشرعية، وفي المجال الدستوري أن أساس القوانين في البلدان العربية هو الشريعة الإسلامية. وفي المجال الاجتهادي من التشريع، فالخصائص والظروف والأعراف والعادات هي نفسها. فماذا تنتظر الشعوب العربية؟ وما الذي يعوقها عن القيام بفريضة وحدتها؟

قال محاوري: ربما الذي يعوقهم، هو حب الزعامة، والرئاسة، والملوكية، في نفوس الحكام؟! ومن قديم انقسم المسلمون، بسبب التنافس المقيت على الإمارة والزعامة! أضاف محاوري: لو أن كل العرب اختاروا الوحدة، لظل الخلاف بين الحكام، في من يكون رئيس الاتحاد؟ وتصور لو قالت الشعوب العربية: نريد خليفة؟ لكان يوم الطائرات! وأما العلماء المساكين فهم مشتغلون في تجريح بعضهم؛ هكذا قال محاوري.

قلت لا تخش من كل هذا، فإن حكام العرب أخذوا الدرس من يوم الجمل، فلن يعيدوا يوم الطائرة، ولا الباخرة، إلا إذا فقدوا عقولهم فيحرموا شعوبهم من نعمة الوحدة والاتحاد، والله يحفظ البلاد والعباد، والله لا يخلف الميعاد.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من معاني العيد في فكر الإمام محمد البشير الإبراهيمي/ د. إبراهيم نويري

يُعدُّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى من أبرز أدباء الجزائر وعلمائها وخطبائها ومصلحيها …