الرئيسية | قضايا و آراء | هزال الروح(1)/ أ. حديبي مداني

هزال الروح(1)/ أ. حديبي مداني

 

ما أحوجنا في هذه المرحلة بالذات ونحن نتابع الأحداث اليومية المتسارعة والمتلاحقة، والتحولات والتغيرات، والتواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر وفضائيات، أن نغذي الأرواح بغذاء العبودية حتى لا يصيبها الهزال، ذلك أن المجريات إن لم تواكبها وتقوها وتسقها وتروها الروحانيات فإنها تظمأ أو تنكمش أو تنحرف أو تجف…

إن متابعتنا للأحداث، ومعايشتنا لها، واهتمامنا بأمور المسلمين مهم وضروري، لكن إن لم نمزجها بالرقائق والروحانيات والأوراد، فإن القلب يقسو ويمرض، لهذا قال ابن الجوزي: رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين، لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها. وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق، لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي وتكثير الأجزاء، وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يغالب به الخصم، وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟.. وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه: هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا، ليكون سببا لرقة قلبك..

من هنا بدأنا في كتابة هذه السلسلة الروحية: (هزال الروح..) في ظلال هذا التضخم في الماديات وغبش الحياة وغبار الطريق، حتى نحدث التوازن المطلوب، ونمزج حديث الفكر بتجديد الربانية وإحيائها التي هي صمام الأمان للروح والأمة، وسر بقائها ونمائها وثباتها ونجاحها وانتشارها، والتي تمنحنا البركة والحفظ والنصر والتمكين..

يقول سيد الربانيين وتاج العابدين ابن عطاء الله السكندري:( كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله ولم يتطهر من جناية غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟…).

أفقْ، لم يبقَ في البستانِ زهرٌ .. ولا ثمرٌ، ولا غصنٌ رَطيبُ

وهذا الرَّوضُ قد أمسى حُطاماً .. تُرى، هل يُرتَجى المرعى الجَديبُ؟

وهذا العمرُ ولَّى، ليس فيهِ .. سوى ضعفٍ، سيتبعه المشيبُ

وتُحسَبُ جاهلاً من غيرِ جهلٍ .. وقد يُستَجهَلُ الرجلُ اللبيبُ

تَجَهَّز للرحيلِ أيا فؤادي .. فإن مُصاحِبَ الدنيا غريبُ

وقلْ: سأموتُ يا ليلى، اذكريني .. عسى أن تنمحي عني الذنوبُ

إنها الروح الطاهرة السامقة المشرقة المرحة المحلقة.. حين يصيبها الهزال، وتفقد ماءها ورواءها ومنبع سعادتها وسكينتها وطمأنينتها،.. فتتأوه وتتألم وتختنق وتستغيث فلا مغيث،لا يكاد يسمع نبضها وآهاتها وسط ضجيج الماديات وصخب الشهوات وغبار الدنيويات.. فتنتكس وترتكس وتسقط في الوحل والطين:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ}.

قال القرطبي رحمه الله تعالى:” واختلف في تعيين الذي أوتي الآيات فقال ابن مسعود وابن عباس: هو بلعام بن باعوراء، ويقال: ناعم من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام، وكان بحيث إذا نظر رأى العرش وهو المعني بقوله:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا..} ولم يقل آية، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه، ثم صار بحيث أنه كان في أول من صنف كتابا في أن ليس للعالم صانع…؟

إن الفقيه إذا غوى وأطاعه… قوم غووا معه فضاع وضيَّعا

مِثل السفينة إن هوت في لجة … تغرقْ ويغرقُ كل من فيها معا

قال سفيان الثوري:” إذا رأيتم طالب العلم يطلب الزيادة من العلم دون العمل فلا تعلِّموه، فإنَّ من لم يعمل بعلمه كشجرة الحنظل كلما ازداد ريا بالماء ازداد مرارة، وإذا رأيتموه يُخلِّط في مطعمه ومشربه وملبسه ونحو ذلك ولا يتورع، فكُفُّوا عن تعليمه تخفيفا للحجة عليه غدا .”

هذه الروح لن تشرق وتضيء وتنير وغبش الدنيويات وغبارها يعكر مرآة القلب، ولا يمكنها أن ترحل إلى الله وهي مقيدة بسلاسل الشهوات؟ ولن تقبل على الله وتحلق بعيدا عن الوحل والطين وهي لم تتطهر من جنابة الغفلة والشرود؟ ولن تفهم دقائق الأسرار وتمنح الأنوار إلا إذا جددت التوبة من الهفوات والسقطات والزلات؟

هزال الروح:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى..}

هناك ظاهرة خطيرة عند بعض الدعاة والمربين يلمسها المتأمل في أحوالهم، المخالط لهم، السامع لأحاديثهم، المحدق في وجوههم، تلك الظاهرة هي ضعفهم في العبادة وهزال أرواحهم وجفافها وقحطها.. وهو أمر نعتبره خطرا وخطا أحمرا.. يؤدي إلى :

1- نفور الناس عن الدعوة: ويوضح ذلك ما اكتشفه الزاهد يحيي بن معاذ من أنك (على قدر شغلك بالله يشتغل في أمرك الخلق)، وتوفيق الله تعالى لنا في عملنا الدعوي منوط بإقبالنا عليه، وما أزمة صدود الناس عنا إلا من نتائج أزمة قلة اهتمامنا بما أوجبه الله، ومن أقبل بقبله على الله تعالى أقبل بقلوب العباد إليه.

2- الفتور والسلبية: هزال الروح ينتج عنه الفتور والكسل والسلبية وتمريض الأمر الصريح، والتأخر عن الواجبات.

3- قلة الإيجابية والمبادرة والمبادأة والفعالية.

4- الصراع على المكاسب والمناصب وحرق الأخضر واليابس: يكثرون عند الطمع ويقلون عند الفزع؟

5- ضعف الإنتاج في ميدان الدعوة: أينما توجهه لا يأت بخير.. هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم..؟

6- الانكباب على الدنيا واللهث وراءها، يتقلب شهره ودهره في ملذاتها، وقد أخذت بمجامع قلبه، ولزمه خوف الفقر وحب التكاثر: قال مالك بن أنس: قال لي أستاذي ربيعة الرأي: يا مالك! من السفلة؟ قلت: من أكل بدينه، فقال: فمن سفلة السفلة؟ قال: من أصلح دنيا غيره بفساد دينه ”

مظاهر هزال الروح:

أولا الشعور بقسوة القلب: حتى ليحس الإنسان أن قلبه قد انقلب حجراً صلداً لا يرشح منه شيء، ولا يتأثر بشيء، ولا يرق لشيء.. وليس في قولنا هذا مبالغة ولا تهويل فقد أثبت القرآن أن القلب يقسو حتى يصبح كالحجارة أو أشد قسوة:{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}.

ثانيا ضيق الصدر: حتى كأن على الصدر ثقلاً كبيراً ينوء به، ويكاد يلهث تعباً منه، والتأفف والتضجر من لا شيء، والشعور بالقلق والضيق بالناس وعدم المبالاة بما يصيبهم من نكبات ومصائب، بل والشعور بكرههم.. {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء..}.

ثالثا عدم التأثر أثناء تلاوة القرآن:{ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى…} لا يتأثر بآيات القرآن، ولا بوعيده وتخويفه، ولا في طلبه ونهيه، ولا في وصفه ليوم القيامة، فهو يسمع القرآن كما يسمع أي كلام آخر، بل ويضيق به بسرعة كما يضيق بأي كلام آخر يسمعه من الغير. لا يستطيع أن يتلو القرآن لدقائق معدودة، وإذا سمعه لا ينصت إليه..؟

رابعا لا تؤثر فيه موعظة: ولا رؤية الأموات ولا الجنائز يحملها بنفسه، ولا الجثمان يواريه بيده في التراب، يسير بين القبور كما يسير بين الأحجار، ولا يهتم بمصيره ولا بموته: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ..؟}.

خامسا يزداد شغفه بالملذات ونهمه للشهوات: وتهيج فيه شهوات الجسد ويسرح فيها فكره ويستروح إليها. يحس بألم إذا رأى غيره نال شيئاً من حظوظ الدنيا كالمال والجاه والمنصب والملبس الحسن والمسكن، ويعتبر نفسه مغبوناً وسيء الحظ لأنه لم ينل ما ناله غيره، ويحس بألم أكثر وانقباض أكبر، وقد يحسده ويحقد عليه…

سادسا ظلمة في روحه تنعكس على وجهه: يبصرها أصحاب الفراسات الإيمانية الذين يبصرون بنور الله. ولكل مؤمن نور بقدر ربانيته وروحانيته يرى به ما لا تراه العين، وقد تكون هذه الظلمة شديدة تنعكس بوضوح على وجهه فيراها أضعف أصحاب الفراسات الإيمانية، إذ يكفي لرؤيتها نور إيماني قليل. وقد تضعف هذه الظلمة فتنعكس هكذا ضعيفة على الوجه فلا يبصرها إلا أصحاب الفراسات الإيمانية القوية…

سابعا تكاسل عن أعمال الخير: فالصلاة يؤديها مجرد حركات وقراءات وقيام وقعود، فلا خشوع ولا دموع ولا انكسار، سجدة لا روح فيها ولا حياة.. بل يضيق بها كأنه في سجن يريد قضاءها سريعاً. وفي كتاب الله في أوصاف المنافقين:{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى..} وهل النفاق إلا هزال شديد في الروح إن لم يكن موتاً لها، بينما صاحب الروح النشيطة يتذوق حلاوة الصلاة ويستريح بها من متاعب الحياة: أرحنا بها يا بلال .. وجعلت قرة عيني في الصلاة…

وتنتقل السلبية والغفلة والتكاسل والفتور إلى ميدان الدعوة..فلا إيجابية ولا فورية.. وتتحول المشاريع التربوية إلى رتابة قاتلة وأداء ميكانيكي.. وتفقد المؤسسات الاجتماعية بريقها ورونقها وبركتها وسر حياتها…؟

في الحلقة القادمة: أسباب هزال الروح؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

بناء الأمة الجزائرية البوصلة الهادية معالم ومقتضيات/ د. نور الدين جفافلة.

  من أكبر الواجبات التي يجب أن يضطلع بها كل جزائري مخلص لوطنه المساهمة في …