الرئيسية | قضايا و آراء | العلماء إذا غابوا افتقدوا/ أ. آمنة فداني. المقرية

العلماء إذا غابوا افتقدوا/ أ. آمنة فداني. المقرية

 

في رحاب العلم والمعرفة تقوم المجتمعات الإنسانية الرائدة القادرة على عمارة الأرض، فإن قوة أي أمة لا تقاس بعدد سكانها ومساحة أراضيها لتكون أمّة في الطليعة، إنّما نجاحها وريادتها تقاس بقدر نجاح العلم والمعرفة فيها، لذا فمن فرط في ذلك فقد قضى على وجوده وبقائه.

إن العلماء إذا غابوا افتقدوا، ولا يفقدهم المجتمع إلا حين يملك الجهل حيزا فيه حينئذ يختل توازنه ويزداد تخلفا، إن الاستقراء الموضوعي والمتمعن في المسيرة التاريخية لرائد النهضة الإصلاحية في الجزائر عبد الحميد بن باديس يتوقف عند محطات أساسية تحتل مراتب رائدة في الإصلاح والبناء وما تنطوي عليها من عبر، فقد امتزج عنده الحس الديني بالحس الوطني الداخلي والوطني العربي الكبير حد النخاع، من خلال بعد نظره في الأسس الوطنية الجزائرية بتركيزه في كل تنقلاته وتحركاته وتصريحاته حبا لهذا الوطن وخدمته قائلا:”..أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وأنا أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة..”. إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس د.عبد القادر الفضيل: الأستاذ محمد الصالح رمضان.

من جملة الأسئلة التي ألقيت عليه وهو يتجول داخل الوطن “هل صحيح ما يردده بعض الشبان من أن بين الإسلام والوطنية تعارضا؟ فكان جوابه:كلّا يا أخي لا تعارض بين الإسلام والوطنية وعندي أن الجزائري لا يكون وطنيا حتى يكون مسلما ولا يكون مسلما حتى يكون وطنيا” من ذكرياتي عن الإمامين الرئيسيين عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي باعزيز بن عمر.

ابن باديس رجل من أولئك القلائل الذين زهدوا في هذه الديار، ترك ثروة من التعاليم والأفكار الراقية لتأسيس مجتمع تذوب فيه نزاعات التعصب والفوارق الاجتماعية، شملت الطفولة والمرأة والشباب، مجتمع يحافظ على ثبات العلاقات بين أفراده واستقرارها، ويوثق الصّلة بين مكوناتها في مواجهات الصّعاب والأزمات من خلال برنامج عمل يضم جميع المعارف التي يحتاج إليها المجتمع لتحقيق ذاته وبناء شخصيته، العلم، الإرادة، العمل خط في الشباب والطفولة منهجه بتعليمهم في النوادي العلمية توجيها تُراعى فيهم ميولاتهم مع ربطهم بمجتمعهم.

وكان يقول لجلسائه في مناسبات كثيرة “إن علينا أن نشقّ الطريق ونعبّد منها ما استطعنا لجيل الغد حتى لا يرمينا بالتقصير في القيام بواجبنا نحوه” من ذكرياتي عن الإمامين الرئيسين عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي، باعزيز بن عمر. كما كان الرجل يقول إننا مكلفون بالانفتاح على ثقافات العالم كي نصدر لها مبادئنا ونأخذ منها ما ينفع مجتمعنا.

المرأة الكاملة في نظره هي التي تعرف مالها وما عليها، والشيء الذي كان يقلقه هو وضعيتها حيث عانت من الإهمال والجهل الشيء الكثير فكرّس الرجل جهوده الإصلاحية لتغيير الذهنيات وتهيئة النفوس، فنشر العلم في أبنائها وبناتنا أقصى ما يمكننا أن نصل إليه في العلم الذي هو تراث البشرية جمعاء، فالتعليم الرّاقي للبنات هو السبيل الذي يجعلها تحقق ذاتها وتبني شخصيتها فلها دورها في المجتمع كأخيها الرجل وإن اختلفت الوسائل، حيث شرع في تنفيذ مشروع تعلم الأمهات في جلسات خاصة وفي يوم معلوم وفتح مجال تعليم البنات في نظام التعليم الحرّ الذي أسسه وأشرف عليه، كما أنشأ مؤسسة تعليمية ثانوية خاصة للواتي أكملن الدروس الابتدائية، وحتى لا يحرمهنّ الاستزادة من العلم، في أواخر الثلاثينات 1939 علم عن طريق الإعلام أن هناك مدرسة ثانوية خاصة بالبنات في سوريا تابعة لجمعية دوحة الأدب تشرف على إمارتها حفيدة الأمير عبد القادر فكاتبها وأبدى لها رغبة جمعية التربية والتعليم إرسال فوج من الطالبات اللواتي أكملن دراستهن بالمدارس المذكورة وتلقى الإجابة بالقبول، وبدأت الاستعدادات لإرسال البعثة التي كانت تضم عشرة طالبات، لكن بوادر الحرب العالمية الثانية حالت دون تحقيق هذه الرغبة خوفا أن تنقطع السبل بين الجزائر وسوريا، بعد عام توفي ابن باديس وتوفي معه المشروع، إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس، دعبد القادر فضيل، أ.محمد الصالح رمضان.

كلمات قيلت في حقه من كوكبة من العلماء:

قال المفكر محمد الغزالي رحمه الله في محاضرة بمناسبة يوم العلم 1986 الإسلام والتجدد من كتاب الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة العلمية والفكرية أ. الزبير بن رحال “قد تكون مواهب الشيخ الإبراهيمي البيانية أو البلاغية أعظم من مواهب ابن باديس، لكن الشيخ ابن باديس إمام وإمام جامع مواهب كثيرة تدير في فلكها الشيخ البشير الإبراهيمي وغيره من العلماء”.

في قراءة فلسفية لمنهج ابن باديس الإصلاحي كتب الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قائلا:”عندما يحسن بني قومي ذات يوم الإصغاء لصوت التاريخ سيكتشفون أي خطأ ارتكبوه مع الذات الوطنية حينما أغفلوا القراءة العمودية للأثر الباديسي.. فنحن عندما نكون منصفين بين إرث الرجال فمنهج ابن باديس يفرض نفسه علينا لأنه قاعدة انطلاقتنا الأولى نحو بناء الدولة الجزائرية الحديثة بثوابتها التي أعلنها ابن باديس..” مجلة الوحدة أفريل 1993.

قال الشيخ العربي التبسي رحمه الله في جريدة البصائر العدد 187 أفريل 1952 من كتابات الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة العلمية والفكرية أ.الزبير بن رحال: “إن الرجال لا تسجل أنسابهم ولا صورهم ولا أموالهم في سجل الإنسانية، وشرائعها وإنما تسجل عقائد الذين غرسوا عقائدهم في نفوس الناس، وإنما تسجل أعمال الذين أخرجوا الناس من فوضى اجتماعية إلى نظام اجتماعي توارثته الإنسانية بعدهم إلى أن يقول وعبد الحميد بن باديس جدير بأن تقيم له الأمة الجزائرية الإسلامية العربية الذكرى وجدير بأن يعد من أولئك الذين سجل لهم التاريخ جهودا تؤهله للحاق بالشخصيات المعترف لها بمزاياها..”.

وخلاصة كل ما قيل في حق هذا المصلح الكبير أنه أعطى كل شيء لشعبه ووطنه فقد انقطعت أنفاسه لكن أفكاره حاضرة وما هو إلا ابن لهذا الوطن العزيز نكتشف فيه اليوم مناقب وعبر، ونذكّر من ثقافة النسيان وطي الصفحة فالقلوب الطيبة إذا سمعت وعت وإذا تذكرت اعتبرت.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

حريتنا هكذا نفهمها/ الدكتور عز الدين بن زغيبة

إن بسط مفهوم الحرية عموماً، ورسم ضوابطها وتحديد مجالاتها في المجتمع المسلم هو من الأهمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *