الرئيسية | في رحاب الشريعة | حكم الاضطرار إلى الأخذ بالرخص / محمد مكركب

حكم الاضطرار إلى الأخذ بالرخص / محمد مكركب

قال السائل: اشتريت منزلا بالتقسيط وليس لي غيره لستر نفسي وأولادي، وبعدما أوشكت على تسديد الأقساط ولم يبق إلا قسطين يمثلان خمسة بالمائة تأخرت على تاريخ التسديد، فقال لي البائع إما أن تزيدني نسبة على التأخير بقدر اثنين بالمائة على القسطين المتبقيين أو يفسخ عقد البيع، ويرد لي المبلغ المدفوع إلى الآن ويسترد منزله، وفي هذه الحال أخسر ثمانين مرة أكثر من القدر الذي طلبه مني، وأكون عاجزا مرة أخرى على شراء المنزل الضروري، وفق قدراتي، هل هذا الاضطرار يكون ضرورة لأدفع له الربا كما طلب، لأتفادى الخسارة الجسيمة والعجز المذكور؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.

أولا: ما طلبه البائع من المشتري يدخل في حكم الربا المنهي عنه شرعا. وكان على البائع أن يعمل بقول الله تعالى:﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة:280) وفي الحديث:[من أنظر معسرا، أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله](الترمذي:1306) ومن هنا نقول للدائن لك الحق في المطالبة بالدَّيْن، ولكن بالطرق الشرعية، وفي هذا الحال تلجأ إلى القضاء، والقاضي هو الذي يحكم بما يراه موافقا للشرع. وحينها فالقاضي هو الذي يرى بميزان الأحكام الشرعية، وبالنظر إلى ظروف وأحوال كل من الدائن والمدين. وما حكم به هو المقتضى. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

ثانيا: في كل عقود البيع ينظر إلى أركان البيع إن كانت تامة، وإلى الشروط بين المتعاقدين، ويقال للدائن والمدين معا عليكما بالالتزام بالشروط المتفق عليها والتي لا تخالف نصا شرعيا، ففي الحديث:[ ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق] (البخاري:2729) وحالة السائل هل يدخل في حكم الاضطرار أن يحتفظ بالمنزل ويقترض من البنك ليسدد ما عليه للبائع، أو يدفع الزيادة الربوية على أنه مضطر مكره؟ لو كان وحده لا يجوز له وإنما يبيع المنزل أو يرده لصاحبه وفق الإجراءات القانونية. وأما وأن المنزل لستر أولاده القصر، فالفتوى أنه يحتفظ له بالمنزل لحماية أسرته من التشتت، ويختار أخف الضررين مما أكره عليه بناء على الحالة التي وصفها في سؤاله، فهو مضطر، وفي الأثر {استفت قلبك} وفي الحديث[ الحلال بين والحرام بين] و [ دع ما يريبك إلى ما لايربك]. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

ثالثا: في مثل حالات الاضطرار هذه هل يجوز تسديد دين المدين المضطر بعد دراسة حالته، والتأكد من أن الديون لم تترتب عليه لسوء تصرف أو إهمال، أو لتجاوز حد الضرورات، ولكنه استنفد ما عنده باجتهاد حسن، وبقي مدينا ومهددا، فهل يجوز تسديد الدين عنه من بيت مال المسلمين؟ نعم، إما من مال الزكاة، من باب الغارمين. يقال:رجل غارم: أي:عليه دَيْن. قال علماء اللغة:(الغارمون هم الذين لزمهم الدين في الْحَمَالة، وقيل: هم الذين لزمهم الدَّيْن في غير معصية. والغرامة: ما يلزم أداؤه) كما يجوز أداء الدين من المال العام عن المدينين الذين يموتون ولم يتركوا تركة كافية لسداد الدين الذي عليهم. ففي الحديث:[أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا، فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته] (البخاري:2298) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

رابعا: حكم الاضطرار يختلف من حالة شخص لآخر حسب الظروف، قال الله تعالى:﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾(الأنعام:119) وفي حالة الاضطرار حد الشرع حدين: فحرم البغي والتعدي أو الاعتداء (تجاوز الحد المطلوب). قال تعالى:﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة:173).

غَيْرَ باغٍ: غير طالب للمحرم ذاته، أي لا يكون قاصدا الرخصة ذاتها، وقيل: غير باغ، لم يكن خارجا على المسلمين، كالبغاة الخواج. وَلا عادٍ، أي: غير متجاوز قدر الضرورة، وقيل أيضا: أن لا يكون معتديا على المسلمين بقطع الطريق، كما يفعل الحرابيون، ولكن العموم في الحكم أن لا يكون قاصدا الرخصة لارتكاب المحرم، ولا يأخذ أكثر من الضروري الذي يخرجه من الضيق، أي أن المضطر يأخذ بقدر الحاجة الضرورية ولا يزيد، ولذلك في اصطلاح الفقهاء:{الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقَدْرها}. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

شمولية الإيمان تقتضي كمال الالتزام ومقاصد التمام/ محمد مكركب

الأصل في عمل المؤمن أنه يمتاز بالوفاء والالتزام بأداء كل الأمانات التي كُلِّف بها، والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *