الرئيسية | شعاع | أخلاقنا الاجتماعية في الميزان غابة رهيبة تُسمى “قطاع النقل”/ حسن خليفة

أخلاقنا الاجتماعية في الميزان غابة رهيبة تُسمى “قطاع النقل”/ حسن خليفة

الأمراض الاجتماعية واحد من الأوجه التي تكشف عن “حقائق” المجتمعات ومستواها في مجالات التواصل والسلوك وانغراس القيّم في نسيجها أو العكس، ومجتمعنا ـ كأي مجتمع إنساني ـ يمكن لمن يهتم ويلاحظ أن يرى الكثير من المظاهر التي تدل على ما وصل إليه: عُلوا وارتقاء أو انحطاطا وتسفّلا .

ولنضرب المثال اليوم بقطاع حيوي مهم وهو قطاع النقل الذي لا يمكن لأحد أن يستغني عنه، أو أن يدّعي أنه لا يعرفه ولا يرى فيه ما يرى من الظواهر السلبية، بقطع النظر عن إمكانية استنتاجه لما وراء تلك الظواهر؟.

وليس الأمر هنا متصلا بخبراء علم الاجتماع بأنواعه وفروعه، ولكنه يهمّ كل إنسان يشعر بالمسؤولية نحو وطنه وأبناء وطنه، وإن تلك الظواهر لتكشف عن طريق ما تبرزه وتفرزه عن الأدواء والعلل التي ينبغي ملاحظتها وتحليلها وتصنيفها والبحث عن حلول حقيقية لها، فماذا نجد عندما نستعرض المشهد اليومي لحالة النقل لدينا في الوطن: شرقا وغربا، جنوبا وشمالا، فالوطن واحد والظواهر تكاد تكون موحدة.

لا يحتاج المرء إلى كثير من التأمل والمتابعة ليعرف إلى أي درك انحدرنا في مجال السلوك العام، يستطيع كل واحد منا أن يلاحظ بسهولة ما يقع في هذا القطاع (النقل)، وما  يتعرض له المستعملون له؛ خاصة في حافلات النقل الحضري في المدن الكبرى؛ حيث لا توجد ضوابط ولا مقاييس، بل أكاد أقول لا توجد قوانين (تُطبّق)  وتحكم سير هذا القطاع الاستراتيجي، عندما نقول النقل نقول الوقت، عندما نقول النقل نقول الراحة، عندما نقول النقل نقول الأمان، عندما نقول النقل نقصد: قطاع حضريا وحضاريا مستحدثا، يسهر على أداء خدمات عامة إنسانية واجتماعية واقتصادية ..

دعنا نرسم صورة تكاد تكون عامة في النقل الحضري: سُواق شباب، في الأغلب الأعم،  بوشوم مختلفة، ولباس غير محتشم، وأصوات غناء عالية، الراي يفُحشه في المقدمة، في حافلات مسرعة في أي اتجاه ـ أو بطيئة إلى حد ّ مقرف ـ (حسب ما تمليه حركة النقل ويستوجبها “المدخول اليومي”) ..لا مراعاة للوقت ولا لأي شيء آخر، كل المراعاة والاهتمام والحرص على “امتلاء” الحافلة عن آخرها، لتتحرك، أو إنها وجبة العذاب اليومي الواجب ابتلاعها من المسافرين والركاب: من انتظار، وصبر، ونرفزة، وشجارات و… وهناك ما يؤدي إلى “تخشين” الكلام لمن يأكله لسانه وقلبه من الركاب.

دعنا نسأل هنا: هل من القانوني أن تمتليء الحافلة عن آخرها حتى تتحرك؟

هل من القانوني أن يُلزم السائق ومساعده الركاب بذلك الانتظار الطويل (أحيانا نصف ساعة) قبل أن تنطلق الحافلة في الاتجاه المطلوب؟

هل من القانوني أن يُنزل السائق ومساعده الركاب في محطة ما ويرغمهم على الركوب مع حافلة آخرى، بأي ادعاء كان: ومنه أن الحافلة معطلة؟ أو أن الحافلة لديها مهمة أخرى (تلاميذ ـ طلاب ـ الخ) في العادة يكون ذلك كذبا وزورا، وربما في أحيان  قليلة تكون لبعض الحافلات التزامات ولكن حينئذ ينبغي احترام الالتزام وهو التمحض لتلك المهمة والوفاء بالعقد المبرم، وعدم مزاحمة الآخرين في النقل العادي .

الصورة أكبر وأبشع من هذا كثيرا، ولكننا نقتصر على بعض هذه المظاهر التي يعرفها الجميع ويعرفون أيضا أن تلك التصرفات ليست قانونية وليست أخلاقية وبالتأكيد ليست إنسانية، لكن ما  الداعي للسكوت عنها ؟ ولم استمرت تلك التصرّفات وتفاقمت حتى صار النقل “عذابا” حقيقيا يعاني منه أبناء المجتمع وبناته في صمت ويبتلعون غصصه ابتلاعا عسيرا يعود عليهم بالكثير من الأمراض والضغوطات، كل هذا دون الحديث عن الظواهر المكلفة أخلاقيا ، ومنها ما يحدث من “انحشار” النساء بين الرجال، وما يلقينه من سلوكات سيئة، وتصرّفات، وتحرش، وقبح خُلق وسوء أدب من صغار وكبار وكهول وشيوخ .

هذا دون الحديث عن السرعة المجنونة والحسابات التي يجريها أصحاب الحافلات (المالك والمستخدمون من سائق ومساعديه) بأهمية الوصول إلى “مدخول” معيّن يوميا، فالأهمية الوحيدة للربح والباقي كله تفاصيل لا قيمة ولا أهمية لها .

الموضوع على نحو من الخطورة؛ بحيث يحتاج فعلا إلى اهتمام خاص وبحث وتطهير وتصفية؛ فالنقل مظهر من مظاهر تحضّرنا ومدنيّتنا، وهو أيضا مظهر من مظاهر تأثير الإسلام فينا وإلى أي حدّ وصل سلوكنا بناء على مبادئه، كما أنه مظهر من مظاهر حضور الدولة في التسيير والتدبير والتنظيم والمرافقة والمتابعة. إننا أمام وضع مأزوم مركّب متعدد الاختلالات متنوع الأمراض والأخص منها ما يتعلق بحضور الدولة وبسط سيطرتها وتنفيذ القوانين التي تحكم القطاع . وليس الأمر مقتصرا على سحب الرخص بين وقت وآخر، وإنما هو أعمق بكثير من ذلك. لابد من وجود فعلي لكل ما له علاقة بكرامة الإنسان الجزائري ـ وغير الجزائري ـ في هذه المنظومة التي عشش فيها الفساد ونخرتها اللامبالاة، ولابد من تحقيق الكفاية اللازمة في مجال النظافة والراحة والإيجابية والاستقبال الحسن والمعاملة الراقية والالتزام بالقوانين المطلوبة (في النقل)، ولابد من الجدية الكاملة والالتزام الصارم بالمباديء والقيم التي ترعى الإنسان وهو يتحرك ويتنقل ويسافر ويذهب إلى عمله أو يعود إلى منزله أو يذهب ـ متعجلا ـ لقضاء شأن من شؤونه . لابد أن يلقى ما يجب في الحد الأعلى، من طيب استقبال وطيب معاملة وإكرام واهتمام .

واسمحوا لي أن أنهي هذه السطور بما رواه لي أحد الأصدقاء الذين عاشوا فترة في انكلترا قال: إنه كان عائدا من عمله إلى البيت وقد ركب حافلة النقل العمومي، ولم يكن فيها الكثير من الناس، ولاحظ وجود شخص جالس في الوراء، وفي المحطة الأخيرة اقترب ذلك الشخص من السائق وأخرج بطاقة وكراسة صغيرة وحدّثه عن ثلاثة أخطاء سجلها عليه، منها: توقّفه بطريقة كادت تسقط عجوزا في إحدى المحطات.. فأنذره وترك له استدعاء.. للمساءلة والمحاسبة.

كم من حادث أودى بحياة الناس؟ كم من إزعاج؟ كم من مشكلات حدثت بسبب رعونة السواق وقلة احترامهم، وبسبب الغش في قطع الغيار؟ كم وكم …وكم في هذه الغابة التي تسمى “قطاع النقل”.

سيكون من الرائع تعاون القانون بالردع والصرامة، والدعاة والأئمة والعاملون بالتحسيس والتوجيه وكل المجتمع بالرفض للأساليب البالية وسوء المعاملة و”الترعوين” من أصحاب الحافلات أو العاملين فيها.. فتنضبط الأمور في الحد الأوسط على الأقل .

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

عود على بدء … في أهمية الرؤية لصناعة مستقبل الجمعية/ د. حسن خليفة

 دونما تعمّق في التفاصيل المتصلة بالرؤية وطبيعتها وأهميتها وطرائق صناعتها، وهي ثقافة أساسية لكل فرد …