الرئيسية | قضايا و آراء | المثاقفة وإشكالية غياب نموذج الاقتداء في جامعاتنا/ أد. عمر بوقرورة ..

المثاقفة وإشكالية غياب نموذج الاقتداء في جامعاتنا/ أد. عمر بوقرورة ..

 

 

بداية الموضوع  تأكيد معرفي ومنهجي نذكر به أن الراهن الثقافي السائد في جامعاتنا يجب ألا يخفي واقع الحال الذي يدل حقيقة على السقوط المعرفي والأخلاقي أيضا، وعلى عجز النخب الثقافية عن إنتاج آليات معرفية ومنهجية وأخلاقية ووطنية قادرة على أن تنجز بها التفاعل والتواصل بين الأجيال الجامعية وبينها وبين الأزمنة الحضارية لمجتمعاتها، إن السائد في جامعاتنا تيه معرفي وسلوكي ومنهجي فلا أحد يسمع أحدا ولا أحد يجاور أحدا، والسبب غياب المشاريع المعرفية والحضارية الكبرى الرائدة التي تحكم مسيرة الجامعة نفسها تأسيسا وتأصيلا، فالكل يستأنف بأناه .

ففي هذا السياق يأتي الموضوع الذي نؤكد به أن من الأسباب الكبرى لغياب المثاقفة الإيجابية بين الأنا والأنا وبينهما وبين الآخر غياب الأستاذ أو الباحث أو المفكر النموذج المنتج لدرس المثاقفة، ذلك النموذج الذي يمكنه أن يكون محل اقتداء، ومحلّ مرجع معرفي ومنهجي وأخلاقي ووطني يمكن لأهل المثاقفة أن يقتدوا به، وأن  يطمئنوا إليه، وأن يتفاعلوا معه حين إنجاز أسئلة العلاقة الثقافية والمعرفية القائمة بين الأنا والآخر، والغياب لمؤيد بالهدم موكول بأسباب أهمها:

  • غياب أو انحسار السؤال الثقافي نفسه في إطار الأزمة الثقافية التي لم يستطع (الباحث النموذج) أن ينتج بها أنساقا ثقافية تحمل في طياتها أسباب التواصل بين الأجيال، تلك الأسباب التي لا يمكنها أن تحضر إلا بأنساق ثقافية ذات نبع وطني وحضاري خاص خاضع لذات الأمة في علاقتها الإيجابية بالأمم الأخرى، لقد عمد كثير من الباحثين إلى البحث بأساليب ومناهج ومعارف ذات مصدر استعاري ناقل عن الآخر، فكانت النتيجة أن فقد هؤلاء العناصر الذاتية التي يمكنها أن تجعلهم أهلا للاقتداء حيث تحولوا إلى نسخ ثانوية منقولة عن الآخر، كما تحولوا إلى وسيط معرفي ومنهجي، حيث اتخذهم كثير من الباحثين والأكاديميين الجامعيين الجدد سبيلا للوصول إلى الآخر القدوة أو النموذج الذي يغدو أصلا للكل، فعن طريق هذا الوسيط صار الآخر  (الباحث والناقد والمفكر والفيلسوف)  قدوة للأجيال الجامعية.

ومثال ذلك ما نجده في الدرس الأدبي والفلسفي والحضاري العام في العالم العربي المعاصر، هذا الدرس الذي لم يحضر فيه الأستاذ القدوة أو الباحث النموذج إلا بالاستعانة بالنموذج الغربي الماثل في المنهج والمذهب والنظرية والاتجاه، لقد شكلت تلك العناصر أساسا معرفيا ومنهجيا لصناعة نموذج الاقتداء، وفي هذا المجال نذكر أنه باستطاعة أيِّنا أن يدرك تلك العناصر التي بدت بعوالم معرفية ومنهجية صارت نموذجا في مدارسنا وجامعاتنا، وفي سمات الفعل الثقافي في بلداننا هكذا:

  • الكلاسيكيون الأوربيون “تمجيد الماضي”= جيل الكلاسيكيين عندنا.

–           الرومانسيـون الأوربيون”الهروب من الواقع “= جيل الرومانسيين عندنا.

–           الواقعيون الأوربيون”زمن الأدلجة المتناقضة”= أجيال الأدلجة المتناقضة في العالم العربي.

–           الحداثيون ومن بعدهم “زمن المتحول والمتغير والمتجاوز” أجيال التجاوز عندنا.

والسؤال المحرج المطروح في هذا المجال: هل تأسست هذه النماذج بهذه المجايلة اعتباطا أو مصادفة؟ وهل هي نماذج واعية مدركة لأسباب التواصل الإيجابي الذي يتيح التأثر بالآخر لكنه لا يلغي الذات؟ وهل التأسيس نابع أصلا من حاجات المجتمعات العربية المعاصرة، ومن طبيعة المتغيرات المعرفية والاجتماعية التي أنتجتها هذه المجتمعات؟ نخشى أن يكون الجواب بالسلب، ذلك لأن الاقتداء هنا قد تم عن طريق التأثر السلبي الذي أدى إلى خلل حاصل يقينا في توازننا الثقافي والحضاري، فولَّد فينا نموًّا قسريا سريعا أساسه القابلية التي تؤكِّد أن ما يحدث في أوروبا يجب أن يهاجر إلى ديارنا، وإن حدثت الهجرة بالخلل المنهجي الذي آل إلى نقل بلا روية..

لقد ازدادت المرجعية الثقافية المؤسسة للنموذج والاقتداء في أوطاننا التي تحررت بملايين الشهداء اتباعا وتأثيرا بالآخر الغربي إلى درجة أننا نستطيع الآن وفي أخريات القرن العشرين، وفي بداية القرن الجديد أن نحدد الخلفيات المرجعية التي يبدو بها العالم المعرفي بصفة عامة في أوطاننا وفي أمتنا بمنطق رياضي قد لا يقبل الخطأ هكذا:

  • المغرب العربي= فرنسا .
  • الخليج العربي = بريطانيا.. ثم أمريكا بعدئذ.
  • مصر وبلاد الشام = فرنسا وبريطانيا.. ثم أمريكا..

لقد تحولت هذه الدول المستعمرة (بكسر الميم) إلى مرجعيات نطمئن إليها حين البحث عن حلول لمشكلاتنا الثقافية والحضارية والمنهجية، بل وخولناها حق الاقتداء والنمذجة حين اعتمدناها بدائل منهجية ومعرفية لا تناقش.

  • عدم امتلاك الباحث أو المفكر لسمات النموذج الذي يؤهله لأن يكون أهلا للاقتداء، والسمات عديدة، وأهمها أخلاق الباحث ومقدرته العلمية وقوته على التفاعل مع الكلّي الوطني والإنساني بعيدا عن الجهويات والإقليميات والعشائريات التي فرضتها سلطات سياسية ومذهبية وعرقية شائهة كريهة. إن المؤسف أن نذكر في هذا السياق أن بعض الأساتذة الجامعيين والباحثين الذي عرفناهم ببدايات معرفية اعتقدناها علامات خير وبدايات نضج معرفي يمكن أن تؤول بهم إلى قدوات ونماذج رائدة في واقعهم… إن هؤلاء قد خابت فيهم أسس النموذج وغابت فيهم سمات الاقتداء حين ركنوا إلى دونية بدت بسلوك جهوي وعشائري وسلطوي ومذهبي مقيت.

ويمكننا أن نذكر في هذا المجال ما حلّ بنا مع جامعيين اعتقدناهم أهلا لبدايات الاقتداء حين بادرناهم بالاحترام والتقدير والتبجيل، فكان تعامل هؤلاء الجامعيين أن قابلونا بأسئلة بليدة خاضعة لدونية سياسية وجهوية شائهة كريهة، ومن الأسئلة البليدة التي فوجئنا بها : سؤال الجهة والقبيلة والعشيرة !!! كانت تلك الأسئلة وذلك السلوك السيئ صاعقة كبرى ألمت بالمبتغى الحضاري الحالم فينا، لقد أدركنا حينها أن أسئلة الهوية الوطنية والهوية الحضارية، وأسئلة الخاص الثقافي والمعرفي في علاقته بالعام العالمي المتغير.. كل تلك الأسئلة قد غابت عند هؤلاء الذين آووا إلى صغائر الأمور فجعلوها همّهم الأوحد في الجامعة.

ومن المشكلات الكبرى في غياب النموذج القدوة ما يتعلق بالفعل السياسي والحزبي الذي أتعب القضية الثقافية حين غيّر في مسارها المنهجي والمعرفي على السواء فأخرجها من محتواها في ظل تعسف سياسي غدا فيه المثقف والباحث والمفكر النموذج هو فقط من ترضى عنه السُّلط الحاكمة التي تبذل كل الجهد في صنعه وإخراجه قدوة ونموذجا، وللذكر فإن هذا السلوك الذي خضع فيه الثقافي للسياسي يكاد يكون أصلا في الثقافة العربية منذ قرون طويلة، والدليل على ما نقول كتابات أدبية وثقافية عربية منحوتة بتجارب خاضعة لإرادة السلطة الشائهة المحكومة بمنطق استعلائي بعيد عن مبتغى الوطن.

 

  • إشكالية ثقافة الاستئناف التي عملت على هدم النموذج وتشويهه وتحطيمه وإقصائه، إن أكبر الأخطاء التي وجدناها في هذه المجال إنما تكمن في ظاهرة الاستئناف الغريبة التي صارت أساسا منهجيا في مجالات الحياة بشتى واجهاتها المنهجية والثقافية والسياسية، فبدلا من أن يقرأ أهل الفكر والثقافة جهد الأستاذ أو الباحث المؤسس والمؤصل لمنهج أو لنظرية أو لاتجاه فكري وأدبي ما قراءة نقدية واعية في علاقة كل ذلك بمتغيرات الواقع المعرفي من حولهم، بدلا من كل ذلك راحوا يطبقون المنهج الإقصائي الأجوف الذي يعتمد صيغة نقض الغزل، إنها الصيغة السيئة التي نقلت الخطاب المعرفي بصفة عامة من الحوار والسجال إلى الصدام الذي أحدث خللا في المكون الثقافي برمته، والصيغة تبدو معالمها واضحة بالإشكاليات الآتية التي شملت الخطاب المعرفي بأكمله:
  • إشكالية المعرفي الذي صار أشتاتا، وصارت الثقافة التي تحمل خصوصيات الوطن والأمة ثانوية، إذ نافستها ثقافات بمثقفين تشتت جهودهم بفعل الاستعارة المعرفية التي شكَّلت البدائل المتغيرة الخاضعة للنقل، وغياب الوعي هنا شامل، إذ نجده في مستويات الثقافة التي تدرجت حتى بلغت الجامعة نفسها التي لم تستطع فروع المعرفة فيها أن تجد لنفسها منهجا يصفِّي الفعل الثقافي فيها من أدران المختلف، وبهذا تحولت الأماكن والأعلام والمؤسسات العلمية، ومراكز البحث إلى مصادر للخطاب المختلف اختلافا بلغ حد العداوة والبغضاء في بعض الأحيان، وتحول المتلقي في ظل هذه المصادر إلى مريد مقيد بنموذج أو بوسيط لا يجوز له أن يتجاوزه.
  • إشكالية المرجع المؤسِّس لماهية المشروع الثقافي، ذلك المشروع الذي تعددت فيه المذاهب والآراء وتنوعت، وبالتنوع حدث السيئ الذي أضعف علاقة التواصل بين الأجيال نفسها، تلك العلاقة التي آلت إلى قطيعة أضحت فيها الأجيال الجامعية نفسها بلا سند وبلا نموذج معرفي أصيل يمكنه أن يكون اهلا للاقتداء، وبضياع التواصل بين الأجيال، وبالخلل في العلائق المعرفية بينها آل المشهد الثقافي إلى التمزق حيث صار التشتت والتشرذم المعرفي واقعا عينيا في ظل سقوط النموذج القدوة.
  • ظاهرة هدم نموذج الاقتداء: المشكلة هنا أن يتجاوز الدارسون والباحثون وكل من يرتاد عالم الثقافة مرحلة القطيعة مع عالم النموذج وعالم الاقتداء ليبلغوا مرحلة أخرى أكثر خطورة وأشد إيلاما، إنها مرحلة هدم نموذج الاقتداء، وبه يتم هدم أسس وعناصر الذاكرة نفسها، لقد أمسينا – في الدرس التاريخي والثقافي والحضاري العام في عالمنا العربي المعاصر-  على خطاب الهدم الذي يعني التشكيك في كل فكرة إيجابية، وفي كل فعل بطولي أنجزه أسلافنا، وفي كل شخصية وطنية، وفي كل عالم من علماء الأمة الماسكين بأسباب العزة فيها، المدافعين عن كيانها…

لقد غدت هذه الظاهرة المرَضِية سلوكا عاما في المشهد الحياتي العام في العالم العربي بصفة عامة وفي الجزائر بصفة خاصة، فالنموذج أو القدوة غالبا ما يكون منسيا أو مُتجاوَزا أو مُدانا، وقد بلغت الظاهرة خطورتها حين الخوض في العلاقة بين أزمنة الاستعمار الفرنسي الذي احتل الجزائر من عام(1830م إلى عام 1962م) وبين أزمنة الاستقلال، فأكبر الهـدم هنـا ما يتعلق بهدم أسس البطولة نفسها بكل ما تحمله هذه البطولة من قيم حضارية وتاريخية وثقافية وأخلاقية… ودليل ذلك تلك المحاولات المريبة التي حاول بها بعض من امتهن القطيعة مع مكونات الوطن إنجاز أسئلة الهدم والتشكيك، وما تبعها من الأسئلة التي تتعلق بهدم الذاكرة الوطنية العزيزة نفسها، تلك الأسئلة التي تعلّق كثيرها بنماذج وطنية رائدة في مجالات متنوعة مثل: (الأمير عبد القادر، وأحمد باي، وعبد الحميد بن باديس…وشهداء الثورة التحريرية الكبرى أنفسهم) هذه النماذج الرائدة التي تبوأت مركز الصدارة في مشهد وطني بطولي تجلى بمشاهد بطولية شملت الفكر والسياسة والعقيدة والإصلاح، كما تجلى ببطولة آلت -في إطار التراكم التاريخي – إلى التخلص من الاحتلال الأجنبي البغيض، وبدلا من أن يقرأ أهل الفكر والثقافة جهد هؤلاء الرجال قراءة نقدية واعية تتأسس بوعي وطني متزامن مع متغيرات الواقع الجزائري والعربي والعالمي من حولهم ،راحوا يطبقون المنهج الإقصائي الأجوف الذي يعتمد صيغة نقض الغزل، إنها الصيغة السيئة التي نقلت خطاب المثاقفة مع هؤلاء الأ بطال، ومع التاريخ، ومع الذاكرة  من الحوار والتفاعل والتواصل الإيجابي إلى الصدام المؤيد بالسؤال الثقافي  المختلف المتناقض أحيانا، ولعله الصدام الذي آل أخيرا إلى هدْمٍ لكل جليل وجميل بدا به المكون الوطني.

وأكبر الهدم أن يتم ذلك مع زمن شهداء الثورة التحريرية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، هؤلاء الأبطال الذين استشهدوا من أجل أن يعيش الوطن حرا كريما في ظل معرفي وحضاري لا يكون إلا بمبادئ الثورة التحريرية الكبرى، فكانت المأساة أن تحولوا – في نظر من أغواهم الحنين إلى أزمنة الاستعمار- إلى نماذج متجاوزة ؛يعبر الشاعر الجزائري مفدي زكريا عن ذلك الخلل الحاصل في التواصل مع زمن الشهيد، ذلك الزمن (النموذج الثائر الرائد) الذي أضحى  جهدا ضائعا، وفي أفضل تجلياته جهدا مبتورا، كما أضحى الانتماء انتماءات، والثوابت متغيرات، والوطن مناطق وجهات، والأفكار والفلسفات والمفاهيم سير ونوادر يتسامر بها رواد الصدى، والشهداء بذل مهدور  وفداء مغدور قائلا ([1]):

 أملـيـون من الشهـداء بأرض وتنسكب الخمور بها انسكابا ؟

أأرض الثورة الكـبـرى وجيل إلى الآثـام ينصبّ انـصـبابا ؟

وينحدر الضمـير إلى حضيض ويـهتك عـن مـباذله الـنقابا ؟

مهازل تضـحك الأحجار منــها وينتحب الشهيد لها انتحابا !

ألا أيـن الـرجولة يـا لــــقـومي ألا أيـــــن الضمـــيـر وأين غـــابــــا؟

وختام ظاهرة الهدم تأكيد معرفي نرى به أن هدم النموذج لا يعمل إلا على اتساع الهُوّة بين أهل الثقافة أنفسهم، فالمثاقفة لا يمكنها أن تحضر في ظل غياب الحوار والتواصل مع أزمنة الذاكرة الجمعية، فلكي تنجح المثاقفة يجب علينا أن نقيم حوارا مع ذاكرتنا، فذلك الحوار هو الذي يعطينا الثقة بالنفس، وهو الذي  يمنحنا الإيمان بقدرتنا على إنجاز فعل المثاقفة بتشارك وتجاور يفضي إلى جعل المثاقفة درسا واقعيا إيجابيا محليا وعالميا.

 

(([1]  من وحي الأطلس/ مفدي زكريَّا/ج 1/مطبعة الأنباء/المغرب/1976م/ ص 144.            

عن المحرر

شاهد أيضاً

حريتنا هكذا نفهمها/ الدكتور عز الدين بن زغيبة

إن بسط مفهوم الحرية عموماً، ورسم ضوابطها وتحديد مجالاتها في المجتمع المسلم هو من الأهمية …