الرئيسية | قضايا و آراء | الجزائر: تحليل جيو حضاري للأحداث/ بقلم أحمد سريرات

الجزائر: تحليل جيو حضاري للأحداث/ بقلم أحمد سريرات

 أدوات قراءة الحراك غير كافية

لم يسبق أن عاش الجزائريون حالة استثنائية من الأمل العظيم في القدرة على التغيير وولوج عالم الأمم المتحضرة، كحالة هذه الأيام التي يكتنفها حراك شعبي أسبوعي ضخم، يزداد قوة على قوة كلما حلت مناسبة تاريخية، ولا يعتري الوهن أبدا عزيمته الثابتة وإصراره الكبير على الخروج من أزمة انسداد الأفق وطغيان الفساد!

لكن مآلات هذا الحراك تبدو غير واضحة المعالم، بسبب نقص آليات التحليل الموضوعي للأحداث واستشراف مخرجاتها المحتملة في ظل عسر المخاض السياسي وضبابية مشهده! وهذا مايزيد من نسبة الضغط والقلق عند الفاعلين في هذه الأحداث ويدفع بهم إلى استعجال الحلول الممكنة، التي تعطي الإنطباع بالتغيير الظاهري!

فالقراءة الجيوسياسية والجيواستراتيجية لا تكفيان لفهم ما يجري من أحداث وطنية وإقليمية، ما لم تكن في إطار تصور حضاري شامل للحالة التي نعيشها.

ضرورة مقاربة جديدة لفهم الأحداث

ثقافتنا المتنوعة والغنية وتاريخنا العريق وموقعنا الجغرافي الاستراتيجي كلها عناصر تحتم علينا قراءة جديدة لواقعنا وتحولاته تكون من وحي تفكيرنا، وليس تحت تأثير ساذج أو عاطفي أو مصلحي لأفكار المهتمين بشأننا من بعيد، ممن نختلف معهم في الأرض والتاريخ والثقافة.

إننا بحاجة في هذا المنعطف التاريخي الذي وضعنا فيه الحراك إلى ما يشبه الإجماع الذي تحقق حول الثورة التحريرية، وهو ما ينبغي أن نصبو إليه حتى تعود الثقة في أنفسنا فنتحرك في الإتجاه الصحيح، ولا ننساق وراء أوهام السياسة، فالحراك من خلال مواقفه الصارمة والجريئة، رفع سقف طموحه في التغيير إلى مستوى الوعي الحضاري- وهو فوق الوعي السياسي- مما قزم موقف السياسيين وجعلهم يبدون أبعد ما يكون عن إدراك قيمة وطبيعة هذه اللحظة التاريخية المميزة.

لقد حررنا الحراك فعلا من العقدة الأيديولوجية، ولكنه في هذه المرحلة لا يمكن أن ننتظر منه أن يغير منطق السياسة التي ما تزال تخضع لموازين القوة وأهواء الأشخاص، وأقصى ما نرجوه هو الضغط المستمر حتى يهدينا الله جميعا إلى توافق يسمح بتدشين المسار السليم للتغيير.

ومهما حدث، فقد يتوقف هذا الحراك لسبب من الأسباب، ولكن الوعي الحضاري الذي تمخض عنه لابد أن يستمر ولابد أن نستثمر فيه حتى يرقى بمنطق السياسة إلى بعد نظر الأفكار. فهو يحمل رسالة إنسانية عميقة، كتب أولى حروفها المجاهدون في ثورة تحرير الأرض، وشباب اليوم هم عازمون على كتابة باقي حروفها في ثورتهم لتحرير الإنسان.

وهذه الرسالة تعبر في الحقيقة عن الدور الحضاري الذي تتوق الأمة الجزائرية أن تقوم به، منذ أن فتحت الثورة التحريرية بصائر الجزائريين على مدى قدرتهم على التأثير في الشعوب المغلوبة بنموذجهم التحرري للأرض وللإنسان.

وهو ما حاولت أن أؤكده في كتاباتي من خلال طرح مفهوم جديد أطلقت عليه اسم “الجيو حضارة”. وهذا المفهوم يتيح تحليلا “جيو حضاريا” لحركة التاريخ وتطور الحضارة الإنسانية على أسس وآليات جديدة.

 

المقاربة الجيو حضارية

فالموقع الجغرافي وفق هذا المفهوم له تأثير على طبيعة ومكونات ثقافة شعب ما، فكلما كان ترويض البيئة التضاريسية مستعصيا  تعزز الحس الجماعي والإيمان بالله في المجتمع لمواجهة التحديات المعيشية، لذلك نجد أن حب الوطن يبرز من الوعي بالمصير المشترك وصدق الإيمان.

أما إذا كان ترويض الطبيعة في متناول قدرة الإنسان الجسدية والعقلية، فإن الحس الجماعي يتراجع أمام الحس الفردي، والإيمان بالله يتناقص حتى يكاد ينعدم لطغيان الإيمان بالإنسان، ويصبح تماسك المجتمعات بالقانون يقوم على المصلحة وليس على الحب والأخوة. ومنطقتنا في شمال إفريقيا تزخر بمزيج من الثقافتين مع غلبة الإيمان بالله على العقلانية المتطرفة، وذلك بفضل تضاريسها المتنوعة من سهول وجبال وصحراء.

من هنا يمكن فهم الحالة التاريخية التي نعيشها بفضل هذا الحراك المبارك، فخوف شعبنا الجماعي على مصير الوطن الذي يحبونه بشغف، هو الذي دفعهم إلى الثورة على رموز السلطة الذين آلمهم إهانتهم لمبادئ إيمانهم الفطري الطاهر بسلوكهم الأناني والمادي، ومسخهم لحلم الشهداء في بناء دولة ترقى إلى التطور وتعزيز حرية وكرامة وعزة جميع مكونات المجتمع.

عناصر التحليل الجيو حضاري للحراك

إن التحليل الموضوعي للحراك وللأحداث التي أنجرت عن دينامكيته، ينبغي أن يأخذ في الحسبان، وفق هذا المفهوم، عناصر فكرية لها علاقة وثيقة بالجغرافيا والتاريخ والثقافة:

فالثقافة المتنوعة لأمتنا عزز وحدتها رصيد جيوحضاري تشكل عبر التاريخ، من الوعي الجماعي القوي بالمصير المشترك، ومن صدق الإيمان وقدسية الدين، ومن تأثير حضاري متنوع بفضل الموقع الجغرافي الاستراتيجي.

وهذا الرصيد يعد كنزا معنويا ثمينا في بداية القرن الواحد والعشرين، لأن الحضارة الإنسانية تمر بأزمة حادة، بسبب هيمنة الثقافة الغربية على محتوى الثورة الرقمية التي اخترقت كل المجتمعات، ولا يمكن أن تتقدم هذه الحضارة وتحظى بتدعيم الشعوب لهذه الثورة الرقمية ما لم تتبن ثقافة إنسانية جديدة فيها مزيج من العقلانية والإيمان.

وبذور هذه الثقافة الإنسانية المنشودة هي مزروعة في رصيدنا الجيو حضاري، فالقيم الإنسانية مازالت تشكل مكونا حيا في ثقافتنا بالرغم من تأخرنا وعيوبنا، ورصيد الإيمان الفطري لا تشوبه في الأصل شوائب الشرك والنفاق عند أغلب مكونات المجتمع.

فإذا استوعب الشباب هذه الحقيقة التاريخية والحضارية، فإن القدر سيلهمهم الاهتمام بالأفكار والقيم بدل الأشخاص والوسائل، وستصبح الفكرة التي تستهويهم والتي يسعون إلى بلوغ أهدافها بكل حزم وفخر هي الإجتهاد والإستثمار في بذور ثقافتنا الجزائرية العريقة وقيمها وتجاربنا الغنية، لتتحول إلى رسالة حضارية جريئة يثبتون بها خصوصية أمتهم وقدرتها على الإسهام في تصحيح أوضاع العالم ورفع الظلم والغبن عن الشعوب الضعيفة، والتأسيس لثقافة جديدة تجمع بين الإرث البشري والإرث الرباني.

الأمل في إدراك رسالة الحراك

إن إدراك رسالة الحراك وتبني الفكرة الحضارية التي يؤسس لها، سيجعلنا نتجاوز حالة اليأس من تطور الأحداث السياسية وتعقدها في القريب العاجل بسبب الأزمة المالية المنتظرة، وسيتحرر مسعانا من كل عقبة معنوية مثبطة ليتجدد التحدي في سبيل تحقيق قدر أمتنا الحضاري.

ففكرة نوفمبر 1954 لتحرير الأرض كانت تبدو شبه مستحيلة عند آبائنا، وسرعان ما حققت الإجماع في ربوع البلاد بفضل إيمان أصحابها وتحديهم لكل الصعاب فأبهرت العالم بإنجازها التاريخي.

واليوم في 2019، فإن فكرة تحرير الإنسان قد تحقق الإجماع في الوطن مرة ثانية، إذا استطعنا أن نتجاوز حالة الشك والريبة في صفوفنا، واستوعبنا رسالة القدر المبشرة، التي توج هذا الحراك المبارك نضالات وتضحيات أجيال من الحالمين بها بشكل حضاري وسلمي غير مسبوق.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

حريتنا هكذا نفهمها/ الدكتور عز الدين بن زغيبة

إن بسط مفهوم الحرية عموماً، ورسم ضوابطها وتحديد مجالاتها في المجتمع المسلم هو من الأهمية …