الرئيسية | أقلام القراء | قضية المساواة في الإرث في تونس أول امتحان لحركة النهضة بعد الفصل بين الدعوي والسياسي / قلاتي عبد القادر

قضية المساواة في الإرث في تونس أول امتحان لحركة النهضة بعد الفصل بين الدعوي والسياسي / قلاتي عبد القادر

لم يكن الموقف الفكري الذي اتخذته حركة النهضة التونسية، منطلقا لتوجهاتها السياسية الجديد، بعد مؤتمرها العاشر، يندرج في إطار التحولات الطبيعية التي تساير الجماعات الفكرية والسياسية غالياً، وإنمَّا ظهر هذا الخيار الفكري، في إطار حالة الانغلاق التي فرضتها الدولة العميقة، عندما تمكنت من استرجاع نفوذها السياسي، بعد فشل الثورة ودعاتها الجدد، ومن بينهم حركة النهضة التي رأت فيها –أي الثورة – منطلقا وفرصة تاريخية للوصول إلى الحكم وهي حركة إسلامية دفعت فاتورة كبيرة في نضالها السياسي من أجل هذا الخيار الفكري، وهذا من حقها لأنها لم تكن إلاّ حركة سياسية، قامت من أجل مشروع واحد، وهو إرجاع المجال السياسي في تونس إلى وضعه الطبيعي والتاريخي، في بناء نظام حكم مدني حديث يستند إلى المرجعية الحضارية للأمة الإسلامية.

إنَّ هذا الخيار الفكري –الفصل بين السياسي والدعوي- جعل حركة النهضة بلا مرجعية فكرية، وإلاَّ فما معنى هذا الفصل، إذا كان سبب وجودها كحركة سياسية، هو المرجعية الدينية، ومنذ أعلنت الحركة على هذا الخيار، لم نسمع لها مواقف مشابهة أو موازية لما خلصت إليه من تجربتها السياسية، أم أن الأمر مجرد عنوان لمرحلة سياسية اقتضتها ظروف بلد كاد أن ينفلت من قبضة الاستبداد ويتحول إلى دولة تنتمي إلى مجال الدولة الحديثة، ربما تكون هذه القراءة هي الأصوب لما وصلت إليه حركة النهضة من تحول فكري في مسارها السياسي، لكن موقفها الأخير من القرارات التي اتخذها عرَّاب الدولة العميقة الرئيس قايد السبسي، الذي ينتمي سياسياً إلى فضاء الدولة العلمانية المشوهة التي أسسها الراحل بورقيبة، يظهر أن الحركة صدقت نفسها، وأرادت أن تثبت لمن عارض تحولها الفكري المزعوم، أن خيارها بالفصل بين الدعوي والسياسي، لم يكن عنوان لوضع سياسي، وإنما هو قناعة فكرية تأصلت في مشروع الحركة السياسيّ، ولم تدرك الحركة أنها بموقفها السلبي هذا، تكون قد أعطت فرصة أخرى للدولة العميقة بأن تحُرجها أكثر من اللازم، وأن تدفع بها إلى خسارة قاعدتها الشعبية في الداخل التونسي وحتى في العالم الإسلامي، وليس إلى تحول في القناعات الفكرية، كما يرى منظروها وفي مقدمهم الشيخان راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو، كان أولى بالحركة أن تشارك برأيها في هذا الموضوع، ولو من قبيل النصيحة للرئيس التونسي، وأن تطرح بدائل للنقاش الوطني في قضايا تهم الشعب التونسي، بدل الانشغال بقضايا لا تعبر إلاَّ عن عداء إيديولوجي للمسائل المتعلقة بالوضع الديني، هل قضية المساواة الإرث تشكل أولوية للمواطن التونسي البسيط، أليس الأولى طرح مشاريع اقتصادية تنفع البلاد والعباد، وتدفع بالبلد نحو التحرر السياسي والاقتصادي، بدل أن تبقى تونس، رهينة سياسات دولية وإقليمية، وهل نجح التونسيون حقا في تجسيد واقع سياسي يكفل لكل الأطراف السياسية وتوجهاتها، الحق في طرح مشاريعها السياسية؟.

لا أظن أن تونس بوضعها الحالي قد حققت أبسط شروط الانتماء إلى مجال الدولة الحديثة، وإن كانت مظاهر وأشكال الدولة الحديثة تظهر في بعض مفاصل الدولة، إلاَّ أنها مجرد أشكال ورسوم فقط، أما الواقع فهو غير ذلك تماماً، فالانتكاسة التي لحقت الثورة، مكَّنت للدولة العميقة مجالاً أرحب وفضاء أوسع، والله المستعان.

عن المحرر

شاهد أيضاً

صناعة الرأي العام! علي حليتيم‎

من الذي يصنع الرأي العام في العالم العربي وفي الجزائر؟  لا شك أن هناك دوائر …