الرئيسية | بالمختصر المفيد | بطانة الخير في حياة السلطان/ كمال ابوسنة

بطانة الخير في حياة السلطان/ كمال ابوسنة

 

 

لا يستطيع السلطان أن يُسيِّر أمور سلطانه بمفرده فهو يحتاج إلى بطانة تساعده على تحمل أعباء المسؤولية، وأداء الواجب بحزم، وترشده إلى الخير وأهل الخير، حتى لا يكون للشر أو أهل الشر منفذ، وبطانة السلطان بطانتان: إما بطانة خير بها تُعمّر البلاد، ويصلح العباد، وإما بطانة شرّ بها تُخرب البلاد، ويفسد العباد..!

فعن أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :(ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله) رواه البخاري.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(إذا أراد الله بالأمير خيراً، جعل له وزير صدق إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك، جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه) رواه أبو داود بإسناد جيد.

ولهذا فإن اختيار نوع البطانة من طرف السلطان من أصعب الأمور وأخطرها على الإطلاق، وهذا ما أوضحه الإمام طاووس بن كيسان للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز-رضي الله عنه- حين أرسل إليه رسالة يستنصحه فيها فكتب إليه طاووس رسالة في سطر واحد قال له فيها:

“إذا أردت أن يكون عملك خيرا كله، فاستعمل أهل الخير، والسلام”.

وهل جار السلطان في زماننا في بلاد المسلين إلا بعد أن هجر القرآن، واتخذ جار السوء، وبطانة البطنة التي تزين له السيئات وتعميه عن الحسنات، وتنسيه حق الرعية التي استرعاه الله وهو أجيرهم قبل أن يكون أميرهم …وكيف لا يجور السلطان وقد فقدت مجالسه أمثال عطاء بن رباح الذي دخل على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك فقال له :” اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين، واعلم أنك خُلقت وحدك، وتموت وحدك، وتُحشر وحدك، وتُحاسَب وحدك، ولا والله ما معك ممن ترى أحد…” فأكب هشام ينكتُ في الأرض وهو يبكي.؟!

ومن أروع النماذج الإنسانية التي مثلت بطانة الخير في التاريخ رجل عالم فاضل يُسمى رجاء بن حيوة الذي عاش زمنا طويلا مع السلطان فلم يتغير ولم يتبدل، بل كانت معاشرته له خيرا على الأمة وبركة، وكان وزير صدق مخلص النصيحة لله -عز وجل-، وانظر إلى هذا الموقف الجليل الذي وقفه رجاء بن حيوة في أخطر لحظة في حياة السلطان…

“حين مرض سليمان بن عبد الملك كتب الخلافة لبعض بنيه وهو غلام صغير ، فقال له رجاء بن حيوة: ما تصنع يا أمير المؤمنين ! إنما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح، فاستخار سليمان الله، ثم دعا رجاء بن حيوة فقال له: ماذا ترى في داود بن سليمان ؟ فقال: هو غائب عنك في القسطنطينية و أنت لا تدري أحي هو أو ميت ! فقال له سليمان : فمن ترى ؟ قال: رأيك يا أمير المؤمنين – وهو يريد أن ينظر من يذكر – . فقال سليمان : كيف ترى عمر بن عبد العزيز ؟ قال : أعلمه و الله خيراً فاضلاً مسلماً، فقال سليمان: هو و الله على ذلك، والله لئن وليته ولم أول أحدا سواه لتكونن فتنة، فكتب: ( بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من عبد الله سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز، إني قد وليتك الخلافة من بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، و اتقوا الله ولا تختلفوا فيُطمع فيكم ) فدخلوا على سليمان وسمعوه وبايعوه رجلاً رجلاً ثم خرج بالكتاب مختوماً في يد رجاء بن حيوة.

قال رجاء: “فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: أخشى أن يكون هذا أسند إلي شيئاً من هذا الأمر، فأنشدك الله وحرمتي و مودتي إلا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه! قال رجاء : لا و الله ما أنا بمخبرك حرفاً ؛ قال: فذهب عمر غضبان.

خرج رجاء بن حيوة بعد أن قبض الله سليمان ونادى كعب بن جابر العبسي صاحب شرطته وجمع أهل بيت سليمان في مسجد دابق فاجتمعوا ، فقال : بايعوا، فقالوا : قد بايعنا مرة، قال: وأخرى هذا عهد أمير المؤمنين فبايعوا، فلما أحكم رجاء بن حيوة الأمر قال: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، قالوا: إنا لله و إنا إليه راجعون، و قرأ الكتاب عليهم.

تغيرت وجوه بني مروان، ونهض الناس إلى عمر بن عبد العزيز وهو في مؤخر المسجد، ولم تحمله رجلاه فأصعدوه على المنبر، فسكت حيناً، فقال رجاء بن حيوة: ألا تقوموا إلى أمير المؤمنين فتبايعوه، فنهض القوم فبايعوه فخطب الناس خطبةً بليغة، فحمد الله و أثنى عليه ثم قال :(أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد-صلى الله عليه وسلم-، ألا وإني لست بفارضٍ ولكني منفذ، و لست بمبتدع، ولكني متبع ، ولست بخير من أحدكم ، ولكني أثقلكم حملاً ، وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ، ألا لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ).

رحم الله الإمام الوزير القدوة رجاء بن حيوة الذي كان يدرك أن المستشار مؤتمن، وأن خدمة الأمة بإخلاص عبادة يحبها الله، ومن غش الراعي والرعية فلا صلة بينه وبين الإسلام إلا بالإسم حتى وإن صلى وصام، قال الصادق المصدوق: ” من غش فليس مني” وفي رواية” من غشنا فليس منا ” وفي رواية ” ليس منا من غشنا “رواه مسلم.

وعن معقل بن يسار المزني- رضي الله عنه- أنه قال في مرضه الذي مات فيه: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ” ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة” رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وأحد لفظي البخاري: ” ما من مسلم يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة”.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإسلام منهج شامل/ كمال أبو سنة

الراسخون في العلم الشرعي يدركون جيّدًا أنّ الفكرة الإسلامية شاملة لا تتجزأ، وكاملة غير منقوصة، …