الرئيسية | حديث في السياسة | مؤتمر الصومام بين منطق التاريخ واجتهادات البشر/ التهامي مجوري

مؤتمر الصومام بين منطق التاريخ واجتهادات البشر/ التهامي مجوري

 

إنَّ للتاريخ منطقه ومنهجه وصرامته، وللنّاس –شعوب وفئات وأفراد- اجتهاداتهم في هذا التاريخ، فيصيبون ويخطئون، فيرضى عنهم التاريخ عندما يسيرون وفق قوانينه، وينتقم منهم عندما يعصونه ويخرجون عليه، وأحيانا يخضع لقراراتهم، عندما يتجاوزون موازين القوى المادية إلى عالم القوة الروحية فيتعلقون بقوة الحق، والإرادات المزلزلة للأرض تحت أرجل الطواغيت والمفسدين، فيكون لقراراتهم وزن بوزن منطق التاريخ، الذي لا يعبأ بأنانيات النَّاس ومظالمهم، إنصافا لقوة الحق وأهله.

وثورتنا المباركة نعدها من الوقائع الوطنية التي خضع لها التاريخ فغيرت مجراه، بما أحدث من قيم سياسية واجتماعية في حياة البشر، كثورة جامعة للقوى الحية المستضعفة محليا وإقليميا ودوليا.

وهذه الأيام تمر علينا ذكرى 20 أوت المزدوجة، التي تعد محطة من المحطات الهامة في الثورة التحريرية، بما تحمل من مضامين جهادية وبما حققت من مكاسب ثورية بهجومات الشمال القسنطيني 20 أوت 1955، التي فكت الحصار عن الولاية الأولى التاريخية –الأوراس-، ونقلت الثورة من ضيق التنظيم والفئات المناضلة، إلى رحابة الجماهير الشعبية وسعة حراكها، استجابة لتعليمات حكيم الثورة سي العربي بن مهيدي -رحمه الله- “القوا بالثورة إلى الشارع يلتقطها الشعب”، وإحكام الإدارة والتنظيم بالمقررات التي خرج بها مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956.

فهذه الذكرى وكل ذكرى مشابهة من هذه الذكريات في تاريخنا الوطني: 19 مارس و5 جويلية و17 أكتوبر والفاتح من نوفمير، وكل رحيل لشخصية من شخصيات الحركة الوطنية التي لها علاقة بثورتنا التحريرية تغادر هذه الدنيا، إلا ونذكر عظمة ثورتنا الوطنية المباركة، التي شقت طريقها بإرادة قوية في واقع الحراك التحرري الوطني، وبصدق وروح ثورية في واقع العلاقات الدولية، ولكن ما يعكر صفو هذه الذكريات هو ما بقي من تلك الأحداث والشخصيات، من أخطاء ومظاهر سلبية خيمت علينا فحولتنا من منتصرين ومستبشرين ذاكرين لأنعم الله علينا، إلى فئات متتبعة للعورات، نحصي الأخطاء والمثالب ونعدد العورات والمزالق، ونوزع شهادات الوفاء على البعض، وبطاقات الخيانة على البعض الآخر، إلى أن أصبح الواحد منا يشعر وكأنه ليس في ثورة، وإنما هو بين مجموعات قائمة على تصفية الحسابات وكفى، فلا ثورة ولا هم يحزنون. وهذا ما يجعلنا نتحفظ على كل ما يذكر من سلبيات في الثورة، أو على الأقل التوقف عن القراءة السلبية للحدث، وعلى التسليم به كما تقدمه لنا القراءات الجزئية القاصرة؛ لأن تتبع الجزئيات ولملمتها تحولها إلى كبيرة تهدد كبائر الأمور، بينما الواقع أن تلك الجزئيات السلبية قد وقعت في فترات متباعدة ووقائع مختلفة وحالات متمايزة، وهي طبيعية في مسار ثورة، ولا يمكن أن يكون لتلك الأخطاء نفس الواقع ونفس المستوى التي تؤدي إلى نفس النتائج ومستوى الموقف منها.

لو أن واحدا منا ارتكب أخطاء وهو طفل في داخل الأسرة، وارتكب أخطاء أخرى مع أقرانه وهو شاب، وأخطاء ثالثة متنوعة داخل الأسرة كالتي تقع بين الأزواج وأخرى مع الزملاء في العمل، ولكل خطأ من هذه الأخطاء ما يبرره في زمانه ومكانه وحاله…، هل يمكن أن نحكم على هذا الشخص بالسلب والإيجاب بواسطة البحث عن مجموع هذه الأخطاء وجمعها وتحليلها واتخاذ موقف على أساسها؟ لا أظن عاقلا يقول ذلك.

إنَّ ما وقع في الثورة من أخطاء في مراحلها يشبه إلى حد بعيد ما يقع لأحدنا في حياته، لا يصلح لأن يحكم عليها بالسلب، إذ مهما كانت سلبيات تلك الأحداث أو إيجابياتها على الثورة والشعب، ومهما كانت فضائل أولائك الرجال الذين كانوا في دواليبها أو رذائلهم، لا تقرأ مجزأة منفصلة عن المهمة الكبرى للثورة؛ لأن منطق التاريخ في الثورات وحركة الشعوب، يفرض قيما ترفض الاهتمام بالقضايا الجزئية أحداثا وأشخاصا واجتهادات على حساب القضايا الكلية لمسار الثورات وطموحات الشعوب وخياراتها.

ذلك أن الثورة: حركة تاريخ، ومسار أمة، وخيار شعب، أما الإيجابيات والسلبيات المترتبة عن الأحداث، وفضائل ورذائل الأشخاص فيها، الناتجة عن طوايا النفوس وميولاتها، فتفاصيل واجتهادات ضيقة لا يمكنها أن تكون الأطر الوحيدة الحاكمة على حركة التاريخ ومسار الأمة وخيار الشعب الذي له الفضل الأول والأخير بعد الله في النجاحات التي حققتها الثورة، ولا يعبأ بها منطق التاريخ كثيرا، كما تحفظ أعمال الإنسان الجزئية عند الله بخيرها وشرها.

ورغم استعداداتنا النفسية لاستقبال تلك الوقائع بما يليق بها في إطار ثورة عظيمة، قابلة للإضافة والتطوير، فإن بعضنا لا يزال يقدم لنا قراءات سلبية لأحداث وأشخاص ووجهات نظهر وكأنها هي الثورة أو هي التاريخ بعينه، بينما الواقع الذي كان ينبغي التعلق به، هو أن الثورة نقلة نوعية لا يستهان بها؛ وكل ما يتعلق بها لا يأخذ محل الصدارة ومنها الأخطاء المرتكبة فيها؛ لأن منطق التاريخ وصرامته المنهجية، يختلف عن جزئيات الأحداث وما ترتب عنها من مواقف جزئية لأفراد والفئات من أبناء هذه الثورة.

فمؤتمر الصومام مثلا الذي هو مؤتمر خرج بقرارات تقنية تنظيمية، لتحسين إدارة الثورة وأدائها، لا يمكن أن تحل قراراته محل منطلقات الثورة وثوابتها وعمقها الحضاري، التي حددها الهدف من إعلان الثورة فيما يعرف بإعلان أول نوفمبر:

  • إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامي.
  • احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني.

فالمؤتمر لا يمكن ولا بوسعه تجاوز هذا الهدف الرئيس؛ لأن مهمته في النهاية هي البحث في كيفية إنجاح هذه العملية، وقد ذكر بعضها في الإعلان المشار إليه، الذي اقتطعنا منه الجملتين السابقتين، ولذلك كانت قرارات الصومام تصب في هذا المصب، فتكلمت عن تقسيم المناطق والهيكلة، والقيادات العسكرية والسياسية، والمراكز والرتب والشارات والأوسمة والمنح العائلية لأفراد الجيش، والقيادات السياسية، والصلاحيات الموكلة إليها، والمجالس والهيئات المسيرة والقانون الأساسي لجبهة التحرير والعلاقة بين الجيش والجبهة والعلاقة بين الداخل والخارج، والمصطلحات المستعملة في الثورة (المجاهد، المسبل، الفدائي)…إلخ.

كل ذلك قضايا تنظيمية، ولا توجد إلا نقطة واحدة تسللت منها بعض الأهواء الدخيلة على منطق الثورة والتاريخ وهي “الجانب الأيديولوجي” للثورة، وذلك لا يمكن أن يكون خارج إطار الإرادة الأساسية للثورة المسطورة في أول نداء لها توجهت به للشعب الجزائري.

ومع كل ما لهذا الأمر من وضوح، فإن البعض يوهمنا بأن مؤتمر الصومام له منطلقات غير التي تبناها نداء أول نوفمبر، ولـمَّا كان أصحاب هذا الطرح في عمومهم من التغريببين، فإن رد الفعل الطبيعي والعادي للوطنيين العروبيين والإسلاميين كان على العكس تماما، وهو جمع كل ما يقدح في مؤتمر الصومام ويفضي إلى رفض قراراته، وما يؤدي إلى التشكيك في شرعيته، بل والشعور بأن الثورة استولت عليها عصابة من المشكوك في نزاهتهم وصدقهم، ومثل هذا التوجه من جانبيه خطره لا يقف عند تشكيك المتنازعين في بعضهم البعض أو القضاء عليهم، وإنما هو خطر متعدي إلى كل الثورة ومنجزاتها، ويفضي حتما إلى التشكيك في كل شيء فيها بعد ذلك. وعندما يتحقق النيل من منجزات شعب ما، فإن ذلك يرهن مستقبله بالنتائج المتوصل إليها، وهي سلبية مهما كانت إيجابياته، وقويت مبرراته.

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل الجزائر للبيع؟/ التهامي مجوري

  إي والله، أنا طرحت الموضوع في شكل سؤال، ولكن الحقيقة هي أن الجزائر كانت …