الرئيسية | في رحاب الشريعة | الاجتهاد في التولية.. و “التنصيص” على التوريث !؟/ محمد عبد النبي

الاجتهاد في التولية.. و “التنصيص” على التوريث !؟/ محمد عبد النبي

 

قد لا نجانب الصواب إن زعمنا أن مسألة الحكم وطرائق التولية لا تزال تثير قدرا من النقاش لا يكاد ينتهي، وقد لا يوافقنا البعض إن زعمنا مرة أخرى أن توريث الحكم للأبناء كان أول انحراف عن نهج النبوة والخلافة الراشدة، فهل هناك فراغ تشريعي في هذا الأمر، مقصود أو غير مقصود؟ ولِم عالجت السنة النبوية دقائق العبادات، ولم نجد فيها ما يشفي الغليل فيما أُشيرَ إليه من فراغ؟

الجواب الذي يتفق مع حقائق هذا الدين أن العبادات جانب توقيفي، ولا مزيد عليه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك كثرت فيه الأسئلة والأجوبة، وأما الأمر الآخر فتُرك للاجتهاد عمدا، إذ هو الأوفق مع خلود الرسالة، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ولو أُلزم الناس بشكل وحيد ينصّ عليه القرآن أو السنة في صحراء الجزيرة أولا لما ساغ لمن يأتي بعدهم في باقي الأصقاع أن يلتزم به، أو أن ينافح عنه، وهذه مسائل الميراث المقطوع بها في القرآن يسعى البعض منا أن يغيِّرها، تماشيا مع التطوّر ! ولا بأس أن تُدرج بعد ذلك شهوة الحكم وديمومته في دائرة التوقيف، فلا يطالها التطور، ولا تثير إشكالا لدى المتطورين !

أخرج مسلم (3/1455) عن ابن عمر قال: “دخلتُ على حفصة فقالت: أعلمتَ أن أباك غير مستخلِف؟ قال: قلت: ما كان ليفعل، قالت: إنه فاعل، قال: فحلفت أني أكلمه في ذلك، فسكت حتى غدوت ولم أكلمه، قال: فكنت كأنما أحمل بيميني جبلا حتى رجعت فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس وأنا أخبره، قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعي إبل، أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيّع، فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة، ثم رفعه إلي فقال: إن الله عز وجل يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فو الله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا، وأنه غير مستخلِف”.

وأخرج البخاري(9/81) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “قيل لعمر ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأثنوا عليه فقال: راغب راهب، وددت أني نجوت منها كفافا، لا لي ولا علي، لا أتحملها حيا ولا ميتا”.

هذا النص يؤكِّد ما استقرّ عند أهل السنة -خلافا لغيرهم- من أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينصّ على استخلاف أحد، بالرغم من إشارات هنا وهناك، باتجاه هذا الشخص أو ذاك، قال العراقي في طرح التثريب (8/75):” قال النووي: وفي هذا الحديث دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على خليفة، وهو إجماع أهل السنة وغيرهم..” وهو الأمر الذي يتفق مع مقاصد هذا الدين: أن يُترك الأمر لاجتهادٍ، يقدِّر الناس فيه المصلحة الشرعية التي تتماشى مع تغيّرات الزمان والمكان، وبحسب هذا النص فإن الخليفة عمر-كما فهم ابنه- نوى أن يخالف اجتهاد أبي بكر، ليتفق مع ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، بالرغم من أن الفترة التي بين أبي بكر وبين عمر تعتبر قصيرة جدا، وليس للزمان في هذه الحالة -فضلا عن المكان- ما يفرضه على الناس من وجوب مراعاة التأثيرات والفوارق في أي اجتهاد مفترض، قال العراقي في طرح التثريب (8/74-75):” وقد انعقد الإجماع على أن الخليفة يجوز له الاستخلاف وتركه، وعلى انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان، إذا لم يستخلفه الخليفة، وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة، كما فعل عمر رضي الله عنه بالستة”.

ويبدو أنه الإجماع المبني على ما فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد ذكر العراقي أيضا الإجماع “على اختيار أبي بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر، وعلى تنفيذ عهد عمر إلى الشورى، ولم يخالف في شيء من ذلك أحد..” وقد ذكر هذا الإجماع من قبله القاضي عياض في إكمال المعلم (6/221) بنصّ البخاري ومسلم، وبالإجماعات المذكورة يتأكّد لنا أيضا شذوذ مسألة التوريث -التي فُرضت لاحقا-عن سياق الاستخلاف، الذي جرى بشأنه الخلاف أو النقاش لاحقا، فحين أراد مروان بن الحَكم أن يقيس توريث الأقارب على الاستحلاف-“إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإنْ يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر”!- جاءه الردّ سريعا من عبد الرحمن بن أبي بكر-كما ورد في الفتح-(13/393):”.. هرقلية، إنّ أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا في أهل بيته، وما جعلها معاوية إلا كرامة لولده”.

ولمن يحلو له أن يُدرج مسألة التوريث في اجتهاد يستوي مع غيره من الرؤى الاجتهادية يُجاب بأن الأمر لم يُطرح حينها للأخذ والردّ، وإنما فُرض فرضا، بل إن النص الذي أورده ابن حجر-من رواية الإسماعيلي إضاءةً على نص البخاري الأصلي(15/53)-فيه:” فأراد معاوية أن يستخلف يزيد-يعني ابنه-فكتب إلى مروان بذلك، فجمع مروان الناس فخطبهم، فذكر يزيد ودعا إلى بيعته، وقال: إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر“! فأسند الأمر لإرادة معاوية رضي الله عنه، مشفوعة برأيٍ حسنٍ في ابنه من الله !

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة النبوية ما هي السيرة النبوية؟/ خير الدين هني

قبل تعريف السيرة النبوية والنسب الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، وأهميتهما في التشريع والعقائد …