الرئيسية | قضايا و آراء | عنجهية الأنوثة والفلسفة السائلة / أ .د .ليلى محمد بلخير

عنجهية الأنوثة والفلسفة السائلة / أ .د .ليلى محمد بلخير

تعالت صيحات النسوية الغربية لضرورة صهر النماذج القديمة ،إذابتها تماما وافراغها في قوالب جديدة  ، في ظاهرها مهارة وفن السعي للكمال والنبوغ الأنثوي، وفي داخلها مشروع هدام يضرب البنى ويزعزع النظم والقواعد فمنذ زمن بعيد أصبحت الحركة والسرعة عامل أساسي للصهر والإذابة وتغيير الملامح والصفات والتخلص من طابع  الصلابة والثبات . ولابأس من بذل الجهد و التحرك بسرعة لتصميم المزيد من القوالب تحت شعار ( الهدف لا شيء والحركة كل شيء) مثلما قال زيجموند باومان في كتابه الحداثة السائلة .

وهذا تفسير معاول التشكيك والهدم التي تزداد ضربا تها وأوجاعها مع انتشار ثقافة والخضوع ( أي القابلية للانصهار) و تمظهراتها في  الحياة  المعاصرة ، في ظل سيطرة التناقضات والمفارقات والتشوهات والانحرافات في أكثر النماذج صلاحا وقوة ، لدرجة سريان اليأس والاحباط في  قدرتنا على التماسك والثبات وعمليات الصهر لا تتوقف حتى تبدأ من  جديد .

إن حالة الذوبان والطحن ،وتلاشي الأوصال والمرتكزات ليست من فعل خارجي مبيت دائما، بل أكثرها من  فقدان الثقة في أصالة نماذجنا وقدرتها على الصمود أمام عنفوان وحركة الصهر المستمر ، أصبح التدين مفرغا من مقاصده ، والمتدين (إلا من رحم ربي ) موسوما بسمات متناقضة وعبثية وهشة،ويتصرف ضد عقيدته في أغلب المواقف وكأنه مصاب بالجنون المتقطع أو الوسواس القهري ، يتخبط من هنا ومن هناك لا هو بالمؤمن ولا بالكافر، ولا منافق ولا زنديق شيء من هذا على شيء من ذاك في قوالب شتى ووفيرة لدرجة الارها ق والصدمة وعدم التقبل .

تمارس المنظومة النسوية المعاصرة سيطرتها على حركة المجتمعات باسم التنمية ، وفرض الاتفاقيات الداعمة لاستراتجية التقليل من أهمية الاختلافات الثقافية في إطار حوار عابر للقارات ، وهو في الأساس بين طرفين اثنين  (الأعلى والأدنى ) (القامع والمقموع ) ،( شمال جنوب) ، وللأسف الشديد  تظهر قلة  وضعف  حيلتنا  مع مشروع إزالة الخصوصيات في العقيدة والأخلاق ،  بعناوين براقة تحررية، وهي تمارس القمع والصدام في أقصى صوره وأشكاله تقول الباحثة النسوية آن فيرغسون “إني أطلق على هذا النمط من المشاريع اسم مشروع بناء جسرالهويات، إنه يفترض احتياجنا إلى إعادة بناء هوياتنا بوصفها أخرى ، من إعادة تأكيد وتثبيت قيمة الأصالة الكامنة في الهوية ”  ومن أهم وسائلهم في ذلك تأويل التاريخ،ومحو القيم وتمييع الدين ، وإذابة رموزه وفرض نماذج  أخرى بألوان مستحدثة وتقليعات عولمية عامة ،

لتتحول المعايير الأخلاقية  ( العفة ، الحياء ، الصدق ، الأمانة ….الخ   إلى  مجرد( وجهة نظر) يتحكم فيها المزاج والطقس والمناسبة ، وهذا أسوأ تجليات الفكر النسوي الغربي ومنطق السيولة في الحداثة الراهنة .

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثبة التحوُّل وعلاقتها بالخصوصية الحضارية/ د . إبراهيم نويري

هناك تيار عريض من الناس في أمتنا – بما فيهم الكثير من المثقفين – يقع …