الرئيسية | كلمة حق | رحلة الزيتونة/ د. عمار طالبي

رحلة الزيتونة/ د. عمار طالبي

شددنا الرحال إلى أرض الأندلس يوم 25 جويلية 2017م، وحطت بنا الطائرة بمدينة أليكنت ALICANT الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وتمت إجراءات الدخول بيسر وسرعة، وبعد مدة اتجهنا إلى مدينة غرناطة، والذي استرعى انتباهنا، وعجبتنا منه أشد العجب، وأدهشنا حقا أن شجر الزيتون لا يفارقنا طول الطريق غرس في كل مكان، والغريب أن الجبال ذاتها اخضرت بهذا الشجر ، بالرغم من أن الأرض لا تبدو خصبة في كثير من المواطن، والجبال تكاد تكون صخرية. يمتد هذا الشجر على مرأى العين، لا يخلو منه جبل ولا ربوة، ولا هضبة، ولا واد، ولم يقتصر هذا الغرس للزيتون على الطريق من “أليكنت” إلى غرناطة.

وكانت الحمراء مكتظة بالزوار والسائحين من أقصى شرق آسيا من اليابان والصين وكوريا، وأندونيسيا وأمريكا وأوربا والجزائر والغرب وتونس ، لا تستطيع أن تزور الحمراء الغرناطية في يومك الأول فلا بد لك أن تنتظر دورك، وتبكر صباحا كي تحصل على شراء التذكرة، من الزائرين من يبقى أكثر من يومين حتى تتاح له هذه الزيادة.

انتقلنا من غرناطة بعد الوقوف على بعض آثارها وزيارتها مثل الجبل المقدس والكنيسة المسيحية، والمعبد اليهودي. واتجهنا إلى مدينة قرطبة، على طول الطريق ترى شجر الزيتون القديم والحديث الغرس يغطي الأرض والجبال، والربى، كأنك لا ترى إلا الزيتون واخضراره، كما ترى العناية بغرس اللوز، والعنب، والبرتغال، ولكن الزيتون هو الغالب غطى الأرض فلا تكاد ترى مساحة من الأرض تخلو منه، ومن جمال صفوف غرسه الممتدة واتساقها، والعجيب أنك لا تكاد ترى إنسانا، ولا ماء تسقى به هذه الأشجار في هذا الفصل. وهذا يدل على تطور طرق الغرس العلمية، والتقدم في علم الزراعة تقدما مدهشا! لذا ترى في كل مقهى زجاجة زيت الزيتون على كل طاولة تقريبا، سواء في غرناطة أو غيرها من المدن.

زرنا جامع قرطبة العجيب، الذي حول جزء منه إلى كنيسة وما يزال محرابه، ومقصورة الإمام على حالها مع زخرفة جميلة، وآيات قرآنية ناطقة بفن أولئك المعماريين الذي بنوه، ونقشوا الزخرفة والكتابة، مع اتساع الجامع وعظمته.

ورأينا تمثالا نصفيا لابن رشد الحفيد خارج أسوار المدينة  أبيض، كما رأينا ووقفنا على تمثال لموسى بن ميمون الإسرائيلي داخل المدينة بجانب كنيسة يهودية، والفرق شاسع بين تمثال ابن رشد المسكين، وتمثال موسى بن ميمون، فإن الأخير مصنوع من البروز ببراعة كأنه ينطق لك بوجوده المتقن، وعلى مقربة من مدينة قرطبة توجد مدينة بناها الحكم الثاني، وتسمى مدينة الزهراء، بقيت أطلالها واضحة، وطريق جلب الماء إليها من علو، وبناؤها في غاية الإحكام والإتقان سواء الجانب الإداري منها أو السكني، وما فيه من حمامات ومطابخ، وإقامة الأمير والوزراء، وهي واقعة في سفح جبل وأمامها تمتد الأراضي الزراعية الخصبة. إنها مدينة وقفنا عليها أول مرة ولم أكن شخصيا أسمع بها قبل هذه الزيارة وبمعالمها ومدارسها وجامعها.ومن عجائب مدينة قرطبة هذا الجسر الذي يمتد على الوادي الكبير، يؤدي إلى المدينة ومنها “محكم التحصين ما يزال إلى اليوم في غاية المتانة” وجمال الهندسة وإتقان وضعها.

ثم زرنا مدينة إشبيلية الجميلة وبعض قصورها الرائعة التي لا تضاهي في روعتها وجمال هندستها وزخارفها، ومنها عدنا عن طريقنا، ثم مرورا بمرسية وقبلها لورقة “ذات القلعة الجبلية الحصينة” واستقر بنا المقام في “أليكنت” من جديد؛ والتحقت بنا ابنتنا العزيزة الدكتورة هدى فزاد أنسنا وفرحتنا.

وكتب الله لي أن اختصر تفسير بعض السور من تفسير ابن عاشور في “أليكنت” الأندلسية، وأصل ابن عاشور من إشبيلية، ثم انتقلت أسرته عبر “سلا” بالمغرب إلى تونس. فهو أثر من آثار الأندلس وعلم من أعلامها وأعظم مفسر في القرن الماضي.

والآن أتجه إلى مهندسي الفلاحة عندنا، وإلى مدرسة الفلاحة في الجزائر، وإلى المسؤولين عن الفلاحة والزراعة، ومنهم السيد وزير الفلاحة لأن يدرسوا وضع الفلاحة عندنا “بعناية تامة” وأن يرسلوا طلبة ليتعلموا من إسبانيا هذا العلم؛ وأن يزوروا هذا البلد،  ويطلعوا على ما وصل إليه من تحديث الزراعة، ومن وسائل علمية فائقة لإتقانها وقلة ما تحتاجه من المياه أو لا تكاد تحتاج، فأصبحت هي الأولى في إنتاج الزيت في العالم.

وعلى إخواننا كبار الفلاحين أن يزوروا وأن يطلعوا وأن يتعلموا.

إن تنمية بلادنا الحقيقية تتوقف على تنمية إمكانياتنا المتوفرة لدينا. وتحريك الطاقة الاجتماعية، فهي رأس المال الحقيقي، وأن نجعل شبابنا يهتم بالزراعة والأرض، فهي أمُّنا، وحياتنا، تمدنا بالخيرات، إذا مددناها بالعمل الجاد، وبالطرق العلمية المتطورة.

فبدل أن يرحل شبابنا إلى الغرب، وربما انتحر في البحر قبل وصوله أو أصابه اليأس ودخل عالم المخدرات وتدمير ذاته، توجهه بكل وسائل الترغيب إلى هذه الناحية المهمة من التنمية المستدامة، فنحن لا نستورد الأرض ولا البشر، فذلك والحمد لله متوفر، ومن سوء التصرف أن تمتلئ بلادنا بأهل الصين، وشبابنا ينأى عن العمل الفلاحي، ولا هم له إلا أن يكون له كرسي في إدارة يجلس عليه معطلا.

أيها الفلاحون أفيقوا وطوروا وأحسنوا العمل وأتقنوه وتعلموا تعلموا تعلموا وجددوا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ما يزال ترامب يعتدي على المسلمين؟/ عمار طالبي

يبدو بوضوح أن رئيس “الولايات المتحدة الأمريكية” خاضع خضوعا تاما للصهاينة والمسيحيين المتطرفين المتصهينين، وينفذ …