الرئيسية | اتجاهات | “بوتين” يلغي معركة “آرماجيدون”/ أ. محمد الحسن أكيلال

“بوتين” يلغي معركة “آرماجيدون”/ أ. محمد الحسن أكيلال

 “ترمب” يفي بوعده

أخيرًا.. نفذ الرئيس الأمريكي “ترمب” قراره القاضي بسحب قوات بلاده من شمال شرق سوريا متخليا عن الحلفاء العملاء الأكراد الذين لم يتعظوا من الدروس السابقة و الوعود التي وعد بها إخوانهم أكراد العراق في عهد الرئيس “صدام حسين”.

يبدو أن الأكراد المساكين لا يفقهون شيئًا في الاستراتيجيات، بل و حتى في السياسة لأن الخارطة التي رسمتها الدول الإمبريالية في عام 1916 التي نصت عليها اتفاقية “سايكس بيكو” لم ترسم لتكون حبرًا على ورق، بل رسمت لتنفذ تنفيذًا حرفيًا يراعي الخصوصيات الحضارية و الثقافية لشعوب المنطقة و المواقع الجغرافية والجيوسياسية لكل قطر بنوايا مبيتة للتوقعات والاحتمالات التي يمكن أن تنشأ فيها نزاعات تسهل لها عمليات التدخل للإبقاء عليها كما هي تحت السيطرة و النفوذ الإمبريالي.

كان يمكن للأكراد أن يتصفحوا صحائف تاريخ المنطقة عامة وتاريخهم خاصة ويقفوا مليا أمام أهم الحروب وأهم الأبطال الذين كللوا بالنصر فيها وعلى رأسهم “صلاح الدين الأيوبي” الذي لم ولن ينسى الغرب الاستعماري مدى الإذلال والإهانة التي ألحقها بقادة حملتهم الصليبية بعد طردهم من القدس شر طردة.

إن الغرب الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية في تحالف لمحاربة الإرهاب الذي صفوه بأنفسهم سياسيا و عسكريا و أمنيا وبمساعدة عملاءهم من أعراب المنطقة، هذا الغرب نفسه هو الذي زرع كيان دولة هجينة في فلسطين، وهو بهذا كل همه هو الدفاع على هذا الكيان وحمايته و تمكينه من بلوغ مبتغاه و تحقيق أهدافه ومراميه الملخصة في تمكنها من زعامة الإقليم دون منافس ليكون الوكيل الشرعي الوحيد لهذه الإمبريالية على كل المنطقة وتخومها في آسيا وأوروبا وإفريقيا. فهل يظن الأكراد أنهم أهل لثقة هذه الإمبريالية لتحل محل الصهاينة لديهم؟.

لقد أخطأ الغرب بقيادة أمريكا في حساباتهم حين يدرجوا فيها تسارع التطورات التي تخدم بروز قوتين عظيمتين هما الصين الشعبية وروسيا الاتحادية الذين عادا إلى مرجعيتهما القديمة وتحالفهما أربعينيات القرن الماضي وصححا الأخطاء التي كان وراء الخلافات بعد تلك الفترة ليتفقا على كبح جماح أمريكا التي يزيد الاحتفاظ بانفرادها في حكم العالم بالأحادية القطبية، لذلك فالأوضاع و الظروف حتمت فعلا على هذا الغرب عامة وأمريكا خاصة مراجعة مواقفهم وسياساتهم والكف عن استفزاز هذين العملاقين لاكتساح مناطق نفوذ على تخومها.

“فلاديمير بوتين” مرفوقا بـ “شي جين بينغ” بخلفيتيهما الثقافية والفكرية يعلمان جيدًّا أن قادة الغرب الرأسمالي الإمبريالي وهم يضعون أعناقهم بين أيدي الصهاينة وأتباع الكنيسة الإنجيلية المعمدانية دون حتى مجرد التفكير في العواقب الوخيمة التي يمكن أن تحيق بالعالم في حال تمكنهم من السيطرة على هذا العالم.

البداية من سوريا

قدر سوريا أن الرقعة الأولى التي قرر الكبار ذات يوم تقسيمها إلى أربعة أقطار أحدها خصص لليهود المرحلين من أوطانهم الأصلية في كل أنحاء العالم دون مراعاة لأدنى الشعور الإنساني والأخلاقي حيال الشعب الفلسطيني.

تكرس التقسيم وفعلت الآليات المكرسة له داخل المجتمعات التي تسكن تلك الأقطار بأدوات سياسية ودستورية وقانونية وطائفية لتتواصل الأحداث بنظام تراكبي وتراتبي للوصول إلى ما وصلت إليه الأوضاع الحالية في كل قطر.

وراء البحار تشكلت لوبيات وكارتلات وجمعيات كلها تخدم الخرافة الإنجيلية والصهيونية التي مفادها وقوع معركة خطيرة في حرب ضروس تسمى معركة “آرماجيدون” في منطقة الشام “سوريا”.

قبل هذا أصدر المفكر الصهيوني “بريزنسكي” كتابا عن الشرق الأوسط الجديد تلاه كتاب للوزير الأول الصهيوني “شمعون بيريز” عن خارطة الشرق الأوسط الجديد ؛ هذان الإصداران ظهرا إلى الوجود بعد التدمير الذي قامت به الولايات المتحدة في العراق، ثم ظهر إلى سطح الأحداث فيلسوف عسكري صهيوني هو “برنارد ليفي” ليدعو الشعوب العربية إلى الثورة ضد حكامها المستبدين الذين كانوا يمارسون استبدادهم فعلا معتمدين على الدعم الغربي الرأسمالي لهم.

لقد تم تفعيل كل التناقضات في تلك المجتمعات لتفجير كبير يعطي الذريعة للغرب الإمبريالي للتدخل وتأجيج الأوضاع للتمهيد لاندلاع حرب ضروس تكون فيها المعركة الأخيرة بين المسلمين و اليهود ليظهر بعدها المسيح ليحكم العالم.

هذه الخرافة لم تكن لتنطلي على “فلاديمير بوتين” فأسرع إلى تفعيل الاتفاقيات السابقة مع الحكم في سوريا وليستأجر قاعدة في “حميمين” تنطلق منها قواته للهجوم المضاد للغرب لطرد القوات الأمريكية التي احتلت منطقة الشمال الشرقي لتكون حاجزا منيعا بين العراق وسوريا.

اختار الإنجيليون في الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة “دونالد ترمب” ليكون رئيسا لبلادهم ليصعد وليسرع الخطى نحو الحرب الأخيرة التي سيظهر بعدها المسيح الدجال إلى حكم العالم؛ وتلك أهم علامات جهلهم واعتمادهم في تحاليلهم على الفكر الخرافي المتخلف الذي لا يعتمد أي معيار علمي أو أكاديمي.

بمجرد دخول القوات الجوية الروسية والقوات الإيرانية وقوات حزب اللـه مع زيادة الدعم بالسلاح للجيش النظامي السوري، بدأت فلول الإرهاب تتآكل كفلوف الجراد حين تصب عليها المواد الكيميائية من جميع الجهات، وبدأت تظهر حقيقة هؤلاء المجندين من كل دول الغرب الإمبريالي الصهيوني والمدعمين ماليا من أنظمة عربية و إسلامية عميلة في المنطقة مما اضطر هؤلاء وهؤلاء للقبول بالمقترحات الروسية.

بالتوازي مع العمليات العسكرية النوعية فعلت روسيا والصين الشعبية وإيران جهودها في تطوير تكنولوجيات صناعة الأسلحة المتطورة التي أصبحت تقف في وجه الأسلحة الغربية في الميدان، بل وتفرض نفسها كنوعية تفرض منطقها، كما كشفت الأحداث النوايا الحقيقية للإدارة الأمريكية في علاقاتها المشبوهة مع أنظمة عربية عميلة في المنطقة وظهرت على حقيقتها حين قرر الرئيس “ترمب” فرض عقوبات اقتصادية على روسيا والصين بل وحتى على الدول الأوروبية الحليفة.

لقد كانت سوريا هي البداية في بداية القرن الماضي، وعادت سوريا لتكون البداية في بداية القرن الحالي، والفرق بين البدايتين أن الأولى كانت للتقطيع وهذه الثانية ستكون إن شاء الله للتجميع، الأولى للتمرير و الثانية للتحرير.

أصبحت الحرب الأخيرة والمعركة الأخيرة في جبل “آرماجيدون” خرافة كما انطلقت، والمعركة التي ستكون هي لطرد أمريكا والغرب في المنطقة ولزوال كيان دولة الصهاينة كما قرر ذلك التاريخ والجغرافيا وقانون الحضارات.

عن المحرر

شاهد أيضاً

دلالات فوز قيس سعيد بالانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة../ أ. محمد العلمي السائحي

إنّ الانتخابات الرئاسية التي جرت في تونس مؤخراً، من الأهمية بمكان، لا لكونها مكنت التونسيين …