الرئيسية | قضايا و آراء | الرئيس الثاني للثورات العربية هل يفلت قيس سعيّد من قبضة الدولة العميقة؟/ عبد القادر قلاتي

الرئيس الثاني للثورات العربية هل يفلت قيس سعيّد من قبضة الدولة العميقة؟/ عبد القادر قلاتي

لم تعرف الدول العربية التي شهدت أحداث الثورات العربية، تحوّلات حقيقيّة ترقى إلى طموحات هذه الشعوب في التغيير، وتنهي مسار أنظمة استبدادية خلّفها المشروع الاستعماري الغربي، إلاَّ في بلدين عربين هما: مصر وتونس، فأما مصر فقد عرفت بعد سقوط نظام مبارك انتخابات ديمقراطية شارك فيها التيار الإسلامي ممثلاً في الإخوان المسلمين، وتمكن من الوصول إلى سدة الحكم، فكان انتخاب الدكتور محمد مرسي، مظهراً من مظاهر التغيير التي صاحبت الثورة المصرية، لكن شراسة الدولة العميقة وتحالفاتها المفتوحة على الداخل والخارج، قطعت الطريق أمام تحوّل حقيقيّ، كان بإمكان مصر أن تدخل من خلاله مجال الدولة الحديثة، وتصنع قطيعة معرفية وفكرية ونفسية مع النموذج المشوه الذي صنعته دولة ما بعد الاستقلال، أما تونس فقد شهدت هي الأخرى انتكاسة في بداية الثورة بعد انتخابات ديمقراطية أوصلت الإسلاميين إلى الحكم، عندما تمكنت الثورة المضادة التي قادتها الدولة العميقة بالتعاون المفضوح مع النّخب المتعلمنة، وبإعاز ودعمٍ من أنظمة عربية استبدادية متحالفة مع المشروع الاستعماري الغربيّ، لكنّ صَبر التونسيين وحنكة سياسييها فوتت الفرضة على هذه القوى المعادة للمشروع الحضاري، وتمكن الشعب التونس -بعد وفاة عراب الدولة العميقة قايد السبسي- من اختيار رئيسه الجديد دون أن يكون لهذه القوى تأثير مباشر على العملية الانتخابية، وأوصل إلى سدة الحكم الأستاذ الجامعي الدكتور قيس سعيّد الذي أحدث المفاجئة في الأوساط السياسية التونسية والعربية، بما يحمله من ملامح قيادية وتمكن ملحوظ لغة وتفكرا، وهذا ما شاهده الجميع وتلمسه كلّ من استمع للرجل، لكن المصداقية التي يتحلى بها قيس سعيّد، ربما ستفتح عليه نار الدولة العميقة وامتداداتها المعادية للأصالة والخط الحضاري الذي يمثله سعيّد ومن وقف معه من جديد، وإلاّ كيف نفسر وقوف تيار العلمنة بكلّ أطيافه وتلويناته مع منافسه “العاميّ” صاحب المشاريع المشبوهة، وهم دعاة العلم والمعرفة والحداثة؟.

كلّ الاحتمالات واردة فيما هو قابل من أيام قيادة سعيد لها البلد، فالدولة العميقة لم تنته، والنّخب المتغربة التي ترى في نموذج سعيّد تهديداً واضحاً لمشروعها الحداثي الموهوم، لا تقبل بالاستكانة لمشروع وطني مخالف لما تراه الحق المطلق في بناء الدولة والمجتمع، ولذا ستكون المرحلة الرئاسية القادمة في تونس، مرحلة فاصلة في إعادة صياغة المجال السياسي الذي تشكَّل في غياب المشروع الوطني الأصيل، وهي مهمة صعبة، نسأل المولى سبحانه وتعالى أن يلهم الرئيس التونسي الجديد الرشد والسداد، وحسن التدبير وأن يجنب تونس وأهلها مزالق الزّلل والانحراف…اللهم أمين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

متنفَّس عبرَ القضبان

بقلم: المحامي حسن عبادي بدأت مشواري التواصلي مع أسرى أحرار يكتبون رغم عتمة السجون؛ زرت …