الرئيسية | أقلام القراء | المعارضة القوية هي الشرط الأساس لقيام حكم راشد…/بقلم: الأستاذ محمد العلمي السائحي

المعارضة القوية هي الشرط الأساس لقيام حكم راشد…/بقلم: الأستاذ محمد العلمي السائحي

 

إن الحكم الراشد هو مطمح كل الدول وجميع شعوب العالم، لما يكفله لمواطنيه من عيش في دعة وسلام، وأمن وطمأنينة، ولكنه لم يتحقق إلا بدرجات متفاوتة، ولقلة قلية من تلك الدول والشعوب، وذلك لكونه يتطلب الوفاء بجملة من الشروط الضرورية، التي تشكل القاعدة الأساسية التي يقوم عليها بنيانه، وتثبت عليها أركانه، ولعل من أهم الأسباب التي حالت دون قيام حكم راشد في البلاد العربية قاطبة، هو افتقارها إلى وجود معارضة فاعلة وقوية، حيث أن امتناع أو غياب مثل هذا النوع من المعارضة، يدفع السلطة إلى الرضا بالواقع، وعدم التفكير في تطويره واستبداله بما هو أفضل وأمثل، يشهد على ذلك أن المعارضة في الديموقراطيات الحديثة، تلعب دورا هاما في دفع السلطة القائمة في أي مجتمع من مجتمعاتها إلى التنبه لأخطائها، والالتفات إلى سلبياتها، وحاجتها إلى ترتيب أولوياتها، من خلال ما توجهه إليها من انتقادات، سواء أتعلقت تلك الانتقادات بنمط التسيير والإدارة، أم بالأهداف والغايات التي تتجه إليها، وتركّز عليها، كما أن تلك المعارضة هي التي تحمل السلطة على تجنب السرف والتبذير، وأن تتوخى الحذر في الإنفاق من المال العام، حيث تطالبها باستمرار بلزوم الشفافية، والتصريح بطبيعة المشاريع التي تمول من الخزينة العامة، للتّثبت من صلاحية المشروع واستجابته الفعلية للصالح العام، وذلك من شأنه أن يمنع ويحول دون تبديد وإهدار المال العام، ويمنع اعتبار السلطة أن لها مطلق الحرية في التصرف في المال العام، و تذكيرها أنها تتصرف فيه بتفويض من الشعب، ومن ثمة لا ينبغي لها أن تنفق منه إلا برضاه، ولنا من تاريخنا الإسلامي شاهد على ذلك، فهذا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، وقف في وجه الخليفة معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه، يوم اعتبر ما في بيت مال المسلمين مال الله، وأصر على أنه مال المسلمين، حتى يقطع الطريق على معاوية في التصرف فيه وفقا لهواه،  كما أن هذه المعارضة هي التي تسهم بقدر كبير، في حمل السلطة على احترام ثقافة المجتمع ومقوماته، ومراعاة أعرافه وتقاليده، والامتناع عن كل ما من شأنه أن يضر بوحدته وتماسكه، ويهدد انسجامه وتناغمه، ويضعف من قدرته على مقاومة عدوه.

إن المعارضة القوية الفاعلة لا يقتصر دورها على ذلك فحسب، بل هي تحمل السلطة على الاعتراف بالسيادة للشعب، و تجبرها على احترام إرادته وعدم التمرد عليها.

كما أن المعارضة هي التي تمثل الحاضنة التي تنشأ و تربى فيها الطبقة السياسية التي سيقع على عاتقها تولي الإشراف على تسيير الشأن العام، فالمعارضة هي المدرسة التي يتمرس فيها السياسييو الشباب بفنون القيادة ويتعرفون فيها على آلياتها وأساليبها وما تشترطه من قدرات وكفاءات، وذلك من شأنه أن يضمن للدولة والمجتمع خلافة القيادة التي يغبها الموت أو العجز.

فضلا عن أن المعارضة القوية الفاعلة هي التي تمنع السلطة من التغول وتحول بينها وبين الاستبداد في الحكم، وتذكرها أنها تحكم باسم الشعب فليس لها أن تمتهنه أو تسيئ إليه، وأنه هو صاحب السيادة الفعلية، وأن عليها باعتبار ذلك أن تعتبر رأيه، وتحترم إرادته، ولا تتجاوز رغباته.

ولعل هذه الحقيقة هي التي حملت عمر ابن الخطاب رضي الله عنه القول لمن انتهر من قال له: اتق الله يا عمر، أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ ” دعه، فلا خير فيه إن لم يقلها، ولا خير فينا إن لم نسمعها “

وهو يعني بذلك: أن المجتمع الذي لا يوجد فيه الجريء الذي ينتقد الحاكم ويبصره بأخطائه وينبهه إلى تجاوزاته، هو مجتمع سلبي لا يرجى منه خير، كما أنه لا خير في سلطة تستنكف من سماع النصيحة، ولا ترحب بما يوجه لها من نقد، فتلك سلطة غير مؤهلة لتسيير الشأن العام وهي سلطة متعسفة وسينجر عن تعسفها ذلك زوالها طال الزمن أو قصر لأن المجتمع سيتمرد عليها ويتصدى لها ويعمل على التخلص منها.

وإذن لا غنى للحكم الراشد عن وجود معارضة قوية فاعلة، تسهر على تسديد خطاه، وتجنيه مراتع السوء، ومواقع الزلل، وتحمله على تجنب التقاعس والكسل، وتدفعه إلى الأخذ بأسباب الجد والعمل، فتشتد أركانه، ويعلو بنيانه، ويبزغ نجمه، ويمتد سلطانه… 

    

عن المحرر

شاهد أيضاً

رمضان…والإيحاء بروح التضامن الاجتماعي/ د. إبراهيم نويري

الحياة التي نحياها مُترعة بالابتلاءات والنقائص والهِنات، فهي لا تخلو من تقصير في حق إخوة …